خلف الهدف الظاهر لعدوان إسرائيل على لبنان

فايز سارة


يكرس الظاهر في مجريات العدوان الاسرائيلي على لبنان القول ان هدف العدوان هو اعادة ترتيب الموقف اللبناني من اسرائيل، بما يعني ذلك من ابعاد حزب الله عن الحدود الدولية، وعزل تأثير سلاحه عن الداخل الاسرائيلي. وفي الابعد من ذلك، فإن هدف العدوان، يتمثل في امرين اساسيين، اولهما تصفية سلاح حزب الله، اذ لم يكن بالامكان تصفية الحزب نفسه، والثاني انهاء فكرة مقاومة اسرائيل، التي كرسها حزب الله في لبنان، واصبح وريثها الرئيس هناك في وقت يجري العمل على انهاء فكرة مقاومة اسرائيل في الساحة الفلسطينية من خلال الحرب التي تشنها اسرائيل ضد الفلسطينين.
غير ان التدقيق في مجريات العمليات العسكرية الاسرائيلية في لبنان وفي تصريحات المسؤولين الاسرائيليين من السياسيين والعسكريين، يدفع للتدقيق في خلفية الاهداف الاسرائيلية المعلنة، والتي تحوز غطاء وتأييدا دوليين، لا يعطيان اهتماماً كافياً وتدقيقاً لما يدور في خلفية مسرح العدوان، وغالباً فإن بعض دوله، ولا سيما الولايات المتحدة وبريطانيا، توافق على ما يجري وهذا ما تؤكده طبيعة مواقف هذه الدول في الإحجام عن العمل لوقف العدوان فوراً رغم ما سببه حتى اللحظة من دمار وقتل وتشريد.
وطبيعة عمليات التدمير الواسع على لبنان من جانب آلة الحرب الاسرائيلية، تُظهر بشكل واضح وجود هدف سياسي اقتصادي واجتماعي، يسعى اليه العدوان، وهو تدمير قدرات لبنان في كل المجالات، وقد اشار الاسرائيليون الى هذا الهدف عندما اعلنوا عرَضاً، ان هدف عدوانهم هو ارجاع لبنان عشرين عاماً الى الوراء، والترجمة الفعلية لهذا الهدف، تتمثل من الناحية السياسية في دفع لبنان الى عصر الانقسامات السياسية الحادة، التي يمكن ان تتطور باتجاه مزيد من الصراعات لتعيد اجواء ومسارات الحرب الاهلية بعد ان اظهر اللبنانيون قدرة اعلى على الحوار والتوافق في المسائل الوطنية في خلال السنوات الماضية، كما تظهر ترجمة هذا الهدف من الناحية الاقتصادية في استعادة الاقتصاد المدمر بعد ان خطا لبنان نحو اعادة ترتيب اوضاعه الاقتصادية، فأعاد تنشيط قطاعات السياحة والمصارف والتعليم، وعزز فرص تنشيط العمل في القطاع الصناعي والزراعي، وطور بنى تحتية حديثة وفعالة.
وبالتزامن مع التحولات الايجابية من الناحيتين السياسية والاقتصادية التي شهدها لبنان في فترة ما بعد خروج القوات الاسرائيلية من جنوب لبنان في العام ,2000 حدثت تطورات لبنانية ايجابية اخرى، بينها ما حدث على صعيد علاقات لبنان بالجاليات اللبنانية في الخارج. اذ تعزز اهتمام الجاليات اللبنانية بالوضع الداخلي، وتكثفت الجهود من الجانبين لتعزيز علاقات الجاليات مع بلدهم، وجرى دفع كثير من الخبرات والاستثمارات المهاجرة نحو العودة الى لبنان. وترافق هذا التطور الايجابي مع تزايد عدد وخبرات قوة العمل اللبنانية المقيمة في الخارج، ولا سيما في بلدان الخليج العربية، ما زاد من حجم التحويلات اللبنانية ووسع عمل اللبنانيين ومؤسساتهم في الخارج.
ومؤشرات التحول اللبناني في السنوات الست الماضية على نحو ما كانت عليه، ورغم ما احاط بلبنان من ظروف داخلية واقليمية ودولية فيها صعوبات كثيرة، شكلت تحدياً مباشراً لاسرائيل، لانها تؤشر الى اعادة خلق لبنان كمركز اقليمي في مجال الخدمات والسياحة والمال، وهي بعض ملامح الدور الذي قام به لبنان في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وهو ما يشكل نقيضاً لما تسعي اسرائيل للقيام به بصورة حصرية، الامر الذي دفع ويدفع اسرائيل لتدمير ما يتوفر من امكانات وقدرات لبنانية من خلال جعل لبنان كله بما فيه من بشر ومعالم وبنى وانشطة تحت نيران آلة الحرب الاسرائيلية.
ان تدمير لبنان على نحو ما ظهر في مجريات العمليات العسكرية، لا يستهدف منع تطور لبنان ومصادرة فرص قيامه بدور اقليمي فحسب، بل ان يؤثر بصورة مؤكدة على دور حزب الله ووجوده وعلى فكرة المقاومة ضد اسرائيل في لبنان. وبهذا المعنى فإن عمليات التدمير الشامل للبنان هي الحقيقة الاساسية التي يؤكدها العدوان على لبنان، وهي تتضمن كل اهداف اسرائيل اللبنانية.