صمت عربي وضوء أخضر دولي (*)

الدكتور عبدالله تركماني

 

 

تابعت إسرائيل عدوانها على لبنان بطريقة همجية، وحصل ذلك في ظل شبه صمت عربي وضوء أخضر دولي. وكان أفضل تعبير عن ذلك تأخر مجلس الأمن الدولي في اتخاذ موقف من وقف إطلاق النار ووضع حد للجرائم الإسرائيلية في حق الشعب اللبناني. ومما لا شك فيه أنّ إعلان المجتمع الدولي الحرب على الإرهاب، دون تمييزه عن المقاومة الوطنية ضد الاحتلال والعدوان، قد أعطى ترخيصاً مفتوحاً لإسرائيل كي تدخل جميع الفصائل التي تعارضها، سواء كانت في فلسطين أو لبنان، في دائرة المنظمات الإرهابية.

لقد تزامنت العمليات العسكرية الإسرائيلية في كل من قطاع غزة ولبنان مع تبلور معالم طرح جديد من قبل إسرائيل للصراع الدائر في المنطقة‏.‏ ولعل القراءة المتمعنة لمداخلات مندوبها في جلسات مجلس الأمن، التي خصصت لبحث كل من الوضع في غزة ولبنان، تعكس جوهر هذا الطرح‏,‏ الذي دار أساساً حول مفهوم أنّ إسرائيل " لم تعد قوة احتلال "‏,‏ وأنّ قوة الاحتلال الحقيقية هي الإرهاب‏.‏ وفي حقيقة الأمر‏,‏ يتضمن مثل هذا الطرح الجديد العديد من المخاطر التي يمكن إبراز أهمها فيما يلي‏:‏

‏1‏ ـ أنه يأتي متناغماً مع المعطيات الدولية الجديدة، التي بدأت في الظهور بعد نهاية الحرب الباردة في أوائل تسعينيات القرن العشرين‏,‏ من حيث ضرورة التعاطي مع أخطار جديدة‏,‏ سواء أطلق عليها اسم " الإرهاب " أو " الخطر الأخضر "‏.‏ ويعكس ذلك القدرة الإسرائيلية الفائقة على التكيّف مع الواقع الدولي الجديد‏,‏ والعمل على توظيفه لتحقيق الأهداف نفسها التي سعت الحركة الصهيونية للوصول إليها‏ منذ تأسيسها,‏ في وقت سجل فيه العالم العربي قدرة محدودة ومتواضعة في هذا المجال‏.‏

‏2‏ ـ إنّ هذا الطرح يتضمن مسعى لتفريغ الصراع من مضمونه‏,‏ فالقضية في جوهرها هي قضية أراضٍ عربية تم احتلالها عن طريق القوة وفرض أمر واقع بها يخالف ما تضمنته قرارات الشرعية الدولية‏,‏ التي نصت بوضوح على اعتبار إسرائيل قوة احتلال‏.‏

‏3‏ ـ إنه يحمل في طياته إمكانات نشر بذور الفرقة والانقسام العربي‏,‏ فالطرح الإسرائيلي فيما يتعلق بكل من الأراضي الفلسطينية المحتلة ولبنان‏,‏ يصب في خانة تحميل كل من حركتي " حماس " و " حزب الله " مسؤولية المعاناة التي يتعرض لها الشعبان الفلسطيني واللبناني من جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية‏.‏

‏4‏ ـ إنه يتعمد توسيع الرقعة الجغرافية للصراع‏,‏ فإقحام إيران في المعادلة الجديدة إغراقاً لمفهوم العروبة لمصلحة الشرق أوسطية‏,‏ بما يعنيه ذلك من إضافة قضايا جديدة‏ (‏من قبيل الملف النووي الإيراني‏),‏ وبما يوفر لإسرائيل فرصة لاستثمار التوترات القائمة بين بعض النظم العربية وإيران‏,‏ فضلا عن توفير غطاء مستحدث يبرر المقولة التي دأبت إسرائيل على ترديدها من أنها توجد في بيئة معادية بما يستتبعه ذلك من حق مطلق في الدفاع عن نفسها.‏

إنّ العدوان الإسرائيلي الدموي على لبنان يؤسس لبداية تحول في الأوضاع الاستراتيجية في المنطقة، وتحول في أدوار القوى الدولية والإقليمية ووظائفها، وهو ما يُدخل المنطقة في مسارات مختلفة عن تلك التي شهدناها إلى اليوم، ولبنان يصبح من جديد المدخل التجريبي لتأسيس هذه الأدوار الجديدة في المنطقة.

إذ يبدو أنّ وراء الحرب الإسرائيلية المجنونة على لبنان دوراً وظيفياً جديداً لإسرائيل في المنطقة. فإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية غير قادرة اليوم، بسبب المأزق الذي دخله مشروعها في العراق، على توسيع حربها " الديمقراطية " في المنطقة، فهي بالتأكيد تحتاج إلى إعادة ترتيب مصالحها ومطالبها عبر توظيف أدوات إقليمية مضمونة. وفي هذا الإطار تشكل إسرائيل الأنموذج الأفضل للحليف الاستراتيجي الإقليمي الذي يملك القدرة والمصلحة للانسجام مع المصالح الأمريكية، في الوقت الذي تعزز إسرائيل من مصالحها الذاتية ومن دورها الإقليمي، كقوة إقليمية تلعب دوراً يتناسب مع القوة الكبيرة التي تملكها والتي تم التجرؤ عليها في السنوات الأخيرة كقوة ردع. وهي في هذا المجال لا تحتاج إلى استعادة قوة الردع الخاصة بها، بل تحتاج أيضاً إلى استعادة قوة الردع الأمريكية بوصفها الوكيل في المنطقة، بعد تراجع قدرة الردع الأمريكية المباشرة بعد التجربة الرديئة في العراق.

هذا الدور الجديد المحتمل لا يحقق المصالح الأمريكية فحسب، بل ويعزز المصالح الإسرائيلية أكثر. ولا شك بأنّ لإسرائيل مشروعاً تفتيتياً للمنطقة، وبالتالي فأجندتها في هذا الإطار خاصة بها، وفي حال تفويضها من الإدارة الأمريكية، فإنّ المنطقة ستسير على اتجاهات مختلفة عن تلك التي سارت عليها إلى الآن.

إذن هي حرب إقليمية ودولية تشنها الدولة الإقليمية " الأقوى " في المنطقة، في مواجهة من تدّعي أنهم القوى الإقليمية الممانعة بالمقابل (إيران وسورية) بوكالة " حزب الله " عنهما. هي حرب الشرق الأوسط الجديد ضد نهج المقاومة، امتداداً من العراق وإغراقه في بحر من التفتيت الطائفي والمذهبي، ومروراً بفلسطين وليس انتهاء بلبنان. وفي هذه الحرب باتت الأدوار تتحدد انطلاقاً من مصالح إقليمية بارتباطاتها الدولية، حيث النظام العربي، في اصطفافاته الجديدة، بات يأخذ دور تشخيص الأزمة، المحرض على من يعتقد أنهم المتسببون بها من المقاومة في فلسطين إلى المقاومة في لبنان. أما المعالجة فمتروكة لأقطاب النظام الدولي تحديداً إلى جانب الأمم المتحدة التي تدخل طرفاً في الأزمة، بانضمامها إلى أقطاب النظام الدولي في تحديدها للمطالب الإسرائيلية والتثنية عليها وتبنيها والدفاع عنها.

ولعل هذه هي اللحظة الحاسمة بالنسبة للعرب جميعا لكي يقرروا ما إذا كانت مواقفهم ستظل دوماً مرتهنة لقانون الفعل ورد الفعل، أم أنها سوف تكون مبنية على حسابات واستراتيجيات عملية، تعتمد مواجهة حالة التداعي التي يمر بها الواقع العربي بأسره، وبضمنها مواجهة حالة الاستلاب الداخلي والقهر والفقر، وعدم الخضوع للابتزاز الدولي، واستخدام ما لدينا من عناصر القوة واستكمالها للتعاطي المجدي مع العدوان.

ومما لاشك فيه أنّ أي مسعى لتصويب عملية السلام الحقيقي، العادل والشامل والدائم، إن لم يرافقه جهد عربي جاد ومخلص لزيادة أوراق القوة العربية مع حسن استخدامها وتوظيفها من أجل استعادة مكانة جماعية مفقودة، فلن يكون هناك أي تصويب مرغوب، فأحد دروس الأزمتين الفلسطينية واللبنانية أنّ لا أحد في المجتمع الدولي يستمع إلا للأقوياء مرهوبي الجانب، وعدا ذلك فهم خارج أية حسابات ولو إنسانية.

 

تونس في 7/8/2006 الدكتور عبدالله تركماني

كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

(*) نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية 9/8/2006 .