إنجازات ما قبل انتصار المقاومة اللبنانية 

 محمد أبو مهادي

 

 

يقترب العدوان الإسرائيلي علي لبنان من انتهاء شهره الأول بالرغم من إعلان الحكومة الإسرائيلية عدة مرات بأنه لن يتجاوز عدة أيام وسيتم خلالها القضاء علي حزب الله  وتدميره لضمان إنهاء تهديداته لشمال إسرائيل  وتحقيق استقرار وامن مواطني إسرائيل في تلك المنطقة.

المقاومة اللبنانية فاجأت الجميع بصمودها الأسطوري  الذي كان خارجاً عن إطار حسابات قادة إسرائيل من عسكريين وسياسيين وأغرقتهم في هستيريا  أظهرت مرات متكررة عدم اتزان هؤلاء القادة في تحديدهم للأهداف المبتغاة من وراء عملياتهم العسكرية وعدوانهم علي لبنان.

مما لا شك فيه بان لبنان قد تلقي ضربات عدوانية إسرائيلية مؤلمة طالت المدنيين الأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ وأحدثت دماراً كبيراً في البني التحتية من جسور ومحطات توليد طاقة وخزانات الوقود والمنشات الصناعية إضافة إلي تدمير المطار والمباني السكنية وتهجير قرابة المليون لبناني من مدنهم وقراهم  في اكبر عملية عدوان عسكري بحق بلد عربي، في ظل صمت رسمي عربي وصل إلي حد الفضيحة إن لم يكن الموافقة علي هذا العدوان، وصمت رسمي دولي جعل من القانون الدولي والإنساني مداساً لأقدام الاحتلال الأمريكي في العراق والاحتلال الإسرائيلي في فلسطين ولبنان، حتى بات دارسو وخبراء القانون الدولي يعيشون حالة ارق دائم  علي مستقبلهم الأكاديمي بعد أن اكتشفوا أنهم درسوا خديعة كبري ليس لها مكان في الواقع أمام غطرسة القوة العسكرية والعربدة الأمريكية والإسرائيلية وأمام مناظر أشلاء الأطفال المدفونة تحت الركام في قانا وغير قانا.

         برغم فداحة الخسائر اللبنانية وفظاعة المجازر الإسرائيلية التي وثّقت لتبقي شاهداً حياً وحديثاً يؤكد علي دموية هذه الدولة وعقيدتها المبنية علي الدموية والقتل والإرهاب، إلا أن للمقاومة اللبنانية الفخر الكبير أنها سجلت بفخر عدة انجازات قبل تحقيق انتصارها الثاني تمثلت فيما يلي:

  

أولاً: انجاز النصر المعنوي

         بعد النكبات المتكررة التي لحقت بالعالم العربي والإسلامي  نتيجة قيام دولة إسرائيل في العام 1948 وإلحاقها الهزيمة بالحكومات العربية مجتمعة، ومن ثم تدمير العراق كقوة عسكرية محتملة تهدد امن إسرائيل وتهدد مصادر النفط الآمن لأمريكا، غابت عن المشهد العربي أي بادرة أمل لتحقيق انتصارات غير تلك المكتوبة في كتب التاريخ الكبيرة والكثيرة والتي ترهق دارسيها في عملية الحفظ، وتتخم عقولهم وتحد من قدراتهم علي قراءة مدونات الشعر المليئة بالملاحم والسيوف والجيوش أو متابعة روتانا سينما، فقد استطاعت المقاومة اللبنانية أن تعيد الأمل من جديد وتثبت بان هناك مكان للمقاومة الصادقة والجارحة رغم حالة الضياع ورغم الهزائم العربية المكللة بالعار، التي أسست لقيام حكومات لا تنوي ولا تقوي علي الانتصار، وحاولت الانتصار دائماً علي ارادة المواطن العربي المغلوب علي أمره، والمثقل بهموم الفقر والجوع والباحث دائماً عن تأمين لقمة عيشه أو مشاهدة مباراة لكرة القدم تحمله بعيداً عن مشاكل الدنيا وآلام والقهر اليومي الذي يتعرض له علي أيدي تلك الحكومات، هذا المواطن العربي بات الآن  يشاهد الآن أكثر من مليوني إسرائيلي يختبئون  تحت الأرض ولا يستطيعوا الذهاب إلي أماكن عملهم أو زيارة أصدقائهم أو التنقل في الشارع والتنزه علي شواطئ البحر والسهر في الملاهي الليلية، وأصبح الآن يشاهد آلاف الأهداف تسجل في المرمي الإسرائيلي رغم حصانة هذا المرمي وتجهيزاته الفائقة.

          لقد تعود الجميع علي مشاهدة الفلسطينيين تحت إجراءات حظر التجول والبقاء في المدن والقرى وعدم مغادرتها، أما الآن حزب الله يفرض منع التجول علي إسرائيل.

 

ثانياً: انجاز علي المستوى العسكري

         لقد ساد اعتقاد وادعاء بأن القوة العسكرية هي قوة لا تقهر ولا يمكن تحديها، وها هي المقاومة اللبنانية والفلسطينية استطاعت قهر تلك القوة مرات عديدة وبددت أوهام هذا الاعتقاد وصدقت في موجهة هذه القوة، وألحقت بها خسائر كبيرة أبكت جنود النخبة في إسرائيل بل وأدخلت رئيس أركان الاحتلال إلي المستشفي عدة مرات،  ودمرت فخر الصناعات الحربية الإسرائيلية "دبابة الميركافاه"، وصمدت في مواجهة جميع محاولات اجتياح المدن والقري في الجنوب اللبناني، وجعلت تقدم قوات الاحتلال في بعض مناطق الجنوب تقدماً عسيراً يصعب أن يستمر أو يستقر وله ثمن كبير في العتاد والأرواح، كما أفشلت العديد من عمليات الإنزال وردت المُنزلين إلي قواعدهم إما قتلي أو مصابين خائبين، ويشار هنا إلي حقيقة أن خسائر الاحتلال في الجنود تشكل أكثر من 90% من مجمل خسائره البشرية، وهذا ما ميّز تلك المقاومة بتفوقها الأخلاقي إلي جانب تفوقها العسكري في الميدان، ولا بد هنا من التأكيد علي ما أكده وزراء في حكومة إسرائيل وخبراء عسكريون بان قوة المقاومة اللبنانية في تهديد شمال إسرائيل ووسطها لم تتراجع ومستمرة بنفس الوتيرة وأحياناً تتصاعد، مما يعيد طرح السؤال الكبير الذي يؤرق حكومة الحرب في إسرائيل عن مدي تحقيق أهداف حملتهم وعدوانهم علي لبنان؟!  لقد كذب قادة الاحتلال علي شعبهم وربما تطيح هذه المعركة بعد فشلها برؤوس الكثير من الساسة الاسرائيلين ؟!.

 

ثالثاً: انجاز علي المستوى السياسي

         اعتقدت أمريكا وإسرائيل وعدد من الحكومات أن حق تقرير المصير للشعوب واستعادة الأراضي العربية المحتلة تحرير الأسري العرب قد أصبح جزءاً من الماضي  بعد انتهاء الحرب الباردة وقيام أميركا بتدمير النظم الحاكمة لكل من  يوغسلافيا وأفغانستان والعراق دون أي رادع بل بتواطؤ دولي وعربي، واعتقدوا انه بالإمكان فرض حلول وتسويات تنتقص من هذه الحقوق ومن ثم التوجه لبناء "شرق أوسطهم الجديد" الذي تتسيد فيه إسرائيل  كقوة احتلال فوق القانون وفوق الحكومات الاخري وتمارس البلطجة كما تشاء، وتحافظ فيه أمريكا علي بعض النظم العربية الموالية والممولة لترسانتها العسكرية  والخادمة المطيعة لتوجهاتها، متناسية ارداة الشعوب المقاومة التي غالباً ما تضع حداً لتفوق القوة العسكرية باستمرار مقاومتها، وتجبرها مراراً وفي هذه المرة أيضاً علي إعادة حساباتها، وتذكرها دائماً بان أرادة الشعوب لن تقهر وانه لا سبيل للحلول العسكرية وممارسة القهر والتدمير، وان الخيار الوحيد الذي اثبت نجاعته دائماً يتمثل في استعادة الحقوق المشروعة وتحقيق السلام العادل والشامل المستند لهذه الحقوق، وهذا ما يسجل بحق لصالح المقاومة الفلسطينية واللبنانية اللتان لم تنكسرا أمام موجات الانكسار ومحاولات الإزالة أو التطويع.

         لقد تنامت في كل العالم حركات شعبية كبيرة رافضة للسياسات الأمريكية والإسرائيلية العدوانية سيكون لها اثر في البلدان الديمقراطية التي يشكل فيها الرأي العام جزءاً من القرار السياسي، وأصبحت هناك الكثير من الحكومات الصديقة للشعوب العربية تعلن تمردها علي هذه السياسات ولعل موقف حكومة فنزويلا كان أبرزها، وهذا ما قد يشكل مدخلاً لاستعادة أشكال التضامن الدولي الرسمي مع الشعبين اللبناني والفلسطيني  إذا ما قرر الحكام العرب الاستفادة منه والقيام بخطوات جريئة ومشابهة !!.

 

 

 

رابعاً: انجاز علي المستوى  الداخلي اللبناني

         لقد اثبت اللبنانيون أنهم على درجة عالية من الوعي بالمخاطر التي تتهددهم جميعاً واسقطوا كل الرهانات الإسرائيلية علي إمكانية إحداث مشكلة داخلية لبنانية وتجنيد موقف معادي للمقاومة، بل إن ما حدث هو العكس تماماً فقد ازداد تماسك ووحدة الشعب اللبناني بكل أحزابه وطوائفه  وتعزز الالتفاف حول المقاومة وتدعمت مقومات الصمود اللبناني وتعززت جبهته المقاتلة التي ستؤسس للانتصار الثاني.

 

اطردوهم من بيروت

         هذه الانجازات التي حققتها المقاومة اللبنانية أقنعت الجميع عرباً وعجماً بان النصر آت مهما بلغت درجة الفتك وحدة التدمير التي تمارسها إسرائيل، لهذا بدأ العالم يبحث عن حلول فقد انتهت المهلة التي منحت لإسرائيل وأحرجت أمريكا مراراً كثيرة نتيجة مواقفها، وهذا ما حصل أيضاً للأنظمة الحاكمة في العالم العربي حيث نشط وزراء خارجيتهم في زيارة بيروت وسيعقد وزراء الخارجية العرب اجتماعاً في بيروت، ولا اعرف إن كانوا قد اخذوا إذناً من حكومة إسرائيل لتأمين ممر امن لهم حتى لا تقصف مواكبهم أم لا؟! لماذا هذا الاجتماع ؟  وماذا فعل الاجتماع السابق له؟ ولماذا ألغيت القمة العربية التي كانت ستعقد سابقاً عن هذا الاجتماع؟ يبدوا أنهم تأخروا في إعداد بيانات الشجب والإدانة فالمطلوب منهم هذه المرة إدانة المقاومة، المطلوب إعادة الفرقة في الموقف اللبناني، المطلوب إبلاغ رسالة رايس التي عجزت عن إبلاغها للحكومة اللبنانية بسبب قانا جميعهم حريصون علي بسط سيادة الحكومة اللبنانية علي كامل أراضيها، جميعهم حريصون علي تنفيذ قرار الأمم المتحدة علي لبنان.

         هذه الحكومات التي تأتي إلي بيروت الجريحة وهي تحتضن السفيرين الإسرائيلي والأمريكي في بلدانها وأمنت لهم الحماية المكثفة والتي لديها استعداد لطرد شعوبها عوضاَ عن السفيرين، ومنعت خروج التظاهرات المنددة بالعدوان علي الشعبين الفلسطيني واللبناني في بلدانها وقمعتها بأجهزتها الأمنية في الوقت الذي تخرج فيه هذه التظاهرات في إسرائيل نفسها،  ووفرت في أراضيها أماكن لإقامة قواعد عسكرية ليضرب منها العراق الشقيق، وساهمت في الحصار المالي المفروض علي السلطة الوطنية الفلسطينية وصمتت أمام اعتقال الوزراء النواب الفلسطينيين هي بحاجة إلي تظاهرة ضخمة أمام مقر اجتماعهم  ليقذفوا بالبيض الفاسد حتى يشتموا رائحة فسادهم وعفنهم، هم بحاجة للضرب بكل شيء هم بحاجة إلى الطرد من بيروت إن أمكن، فاطردوهم يا شعب لبنان العظيم .

 

 

 

جبهة للمقاومة والتصدي

         ما يتعرض له لبنان وتتعرض له فلسطين والجرح النازف في العراق والحراك الشعبي الرافض المندد بالعدوان، والصمود اللبناني الرادع الذي يؤسس للانتصار بحاجة لتظافر الجهود المخلصة للقضايا الوطنية والقومية، بحاجة لاستمرار هذه التحركات حتى بعد انتهاء العدوان علي لبنان، فهناك أراض عربية محتلة وهناك احتلالان، كما أن هناك حكام وحكومات اخذوا من وقتاً طويلاً من فترات الحكم اتبعتهم فاتعبوا شعوبهم وأنهكوهم وبددوا طاقاتهم وقتلوا إبداعاتهم وهم بحاجة إلي الراحة، واستمرار هذه التحركات يقتضي تشكيل جبهة عربية وإسلامية واسعة من قوى وشخصيات وطنية صادقة تنسق فيما بينها لعمل مشترك واستراتيجي. لا يجوز أن تبقي القوى والأحزاب والجماهير تعمل في إطار ردات الفعل، من الضروري أن تترجم الفرحة بالانتصار والغضب على المواقف  المتخاذلة ألي تغيرات سياسية حقيقية تفضي إلي أمل جديد.

mahadyma@hotmail.com