لن نغفر شيئا ...ولن ننسى أحدا

أحمد الخميسي

 

كاتب مصري

 

بعد عشرين يوما من حرب التحرير التي تخوضها المقاومة اللبنانية، أغمض عشرون طفلا أعينهم ليلا، بملابس النوم، قرب أنفاس وصدور أمهاتهم، في مبنى من ثلاثة طوابق. أغمضوا أعينهم على أحلام توقفت صورها حين قصفت الطائرات الإسرائيلية المبنى، والنساء والأطفال الذين مدوا أذرعهم وسيقانهم إلي أبدان الأمهات يلتمسون الدفء عندها. وأحالت الأسلحة الأمريكية الصغار إلي ركام متحجر في أنقاض وأسمنت وحديد وتراب. وأعلن الرئيس الأمريكي:" إن ما يجري في الشرق الأوسط فرصة للتغيير"، الرئيس الذي قام مع الأمم المتحدة بمنح إسرائيل السلاح والوقت  لقصف كل شئ في لبنان. لقد أصبح من الضروري بعد عشرين يوما من الحرب تعويض الفشل السياسي والعسكري الإسرائيلي بإشاعة الذعر لتدمير إرادة المقاومة، أصبح من المهم أن يغمض عشرون طفلا أعينهم في الليل لكي يظهر شرق أوسط جديد، ديمقراطي، ولكي تظهر من إغفاءة الطفولة الأبدية " فرصة للتغيير ". ما حدث في قانا مجزرة. لكن أليس مجزرة ما يحدث كل يوم في العراق؟ أليس ما يحدث كل يوم في غزة جنبا إلي جنب مع قصف لبنان مجزرة؟ لقد قتل من الأطفال الفلسـطينيين منذ بدايـة الانتفاضـة عام 2000 نحو ثمانمائة طفل، واعتقل أكثر من 3 آلاف طفل آخر، لا زال منهم 400 رهن الاعتقال في سجون إسرائيل.

         لقد قامت أمريكا باحتلال فيتنام عام 64 , ونشرت فيها نصف المليون جندي لعشر سنوات، ثم خرجت بستين ألف عسكري أمريكي قتيل. وحين سأل أحد الصحفيين هوشى منه : " ألم يكن السلام أوفر لبلادكم؟ ". أجابه : " نعم. لكن الحرية أغلى ".

         والحرية التي تسعى إليها المقاومة في فلسطين والعراق ولبنان ليست مجرد ذلك الشعور العزيز بالزهو والكرامة، لكنها حساب مادي بالأرقام لإمكانية وطاقات الحياة بطريقة أخرى تكفل حياة أفضل. ففي ظل الحرية وحدها يمكن للشعوب الفقيرة أن تتحرر من شروط صندوق النقد الدولي الذي يفرض عليها الخصخصة والمجاعة، ومن شروط الاستعمار الذي يحرمها الانتفاع بالطاقة النووية، ويجبرها على فتح بلادها سوقا لسلع الغرب، وفي ظل التحرر وحده تتسع فرص التعليم، والسكن، والتصنيع، واستصلاح الأراضي، والتطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

         تريد إسرائيل بمجزرة قانا، وتدمير البيوت، والجسور، أن تجعلنا نفكر في السلام الأرخص، المتوفر، حسب المواصفات الأمريكية. لبنان يفقد الكثير، نعم. ولكن دعونا نلقى نظرة على خسائر إسرائيل، لكي لا نقع ضحية الذعر، أو الظن وهو كل ما تريده إسرائيل بأن نتيجة المقاومة هي الخسارة. بهذا الصدد يقول أوري أوفنيري المعلق السياسي الإسرائيلي في اليوم الخامس عشر للحرب:" ما زال حزب الله فاعلا ومقاتلا. هذا الأمر بحد ذاته سيُسجل في تاريخ الشعوب العربية كنصر باهر حين يقف ملاكم من وزن الذبابة أمام ملاكم من الوزن الثقيل، ويبقى صامدا في الجولة الخامسة عشرة، فهذا انتصار له، بغض النظر عن النتيجة النهائية."

          لقد استطاعت المقاومة أن تستمر في قتالها لليوم العشرين وهي فترة أطول من مدة حرب أكتوبر، وخلال ذلك لم تنجح إسرائيل استكمال القصف بعملية التوغل البري فى الجنوب، بل وألحقت المقاومة اللبنانية الهزيمة بلواء جولاني إحدى أفضل الفرق العسكرية الإسرائيلية التي كانت رأس حربة في الهجوم علينا عام 67، وفي حرب أكتوبر 73، وعند اجتياح لبنان عام 1982. وفي 26 يوليو اضطر عمير بيرتس وزير الدفاع للاعتراف بأن إسرائيل تتكبد خسائر عسكرية فادحة. وقدر عدد القتلى الإسرائيليين ما بين أربعين إلي خمسين قتيلا، عدا المصابين في قصف المقاومة لشمال إسرائيل. وعلى الصعيد الاقتصادي تجاوزت خسائر إسرائيل في الأسبوع الأول فقط المليار وثلث المليار دولار، كما توقف قطاع السياحة في إسرائيل وهو ثاني أهم قطاع بعد الصناعة العسكرية، ويدر على إسرائيل خمسة مليارات دولار سنويا. وتعطلت وأغلقت كل المرافق الاقتصادية من مصانع وغيرها في شمال إسرائيل، وبلغت نسبة المصانع التي أغلقت في حيفا وهي أضخم منطقة صناعية خمسين بالمئة. وتواصل الاستثمارات الأجنبية هروبها إلي درجة أن كبرى البنوك الإسرائيلية قد أغلقت فروعها في مدن الشمال مثل بنك " ليئومي " وغيره. وأدت حالة الركود الاقتصادي العامة على حد قول صحيفة جيروزاليم بوست إلى أضرار اقتصادية مباشرة وصلت إلي مليار ونصف المليار دولار.

         وكان لا بد من مجزرة لتعويض كل ذلك بمحاولة إشاعة الذعر. وبوسع إسرائيل أن تواصل تدميرها لكل ما هو مدني في لبنان، ولكنها بعد كل ذلك ستجد أن الحرب متوقفة سياسيا عند النقطة ذاتها التي بدأت منها، بل وربما عند نقطة أفضل، تستطيع المقاومة عندها أن تنتزع أفضل من شروط معاهدة كامب ديفيد، والمعاهدة الأردنية، واتفاقية أوسلو. أما الأطفال الذين أغمضت أعينهم في الليل، فسوف يواصلون أحلامهم بعيون أطفال آخرين أسعد حظا.

 

وأما نحن فإننا لن ننسى أحدا  ولن نغفر شيئا.

 

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com