بصدد مكافحة الإرهاب ؛ مقتطفات من بيان غير ملزم بالتوقيع لقرائه

المصطفى صوليح

 

El Mostafa Soulaih

أنا الموقع أعلاه/أسفله ، أو أي شخص آخر لا يمنعه حرج من ذلك .

انطلاقا من مبادئ ميثاق الأمم المتحدة ، و تأسيسا على قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة وخاصة منها تلك التي تمنع، من جهة، الدول من التدخل في الشؤون الداخلية للدول ومن استعمال القوة أو التهديد بها ضد الدول الأخرى، وتعتبر الحرب العدوانية من أخطر الجرائم ضد السلام وأمن العالم بأسره، مدينة في ذلك مجرمي الحرب. وتنص ، من جهة ثانية، على حق الشعوب في تقرير مصيرها وعلى مشروعية كفاحها المسلح من أجل تحقيق ذلك. وأخذا بعين الاعتبار ما تضمنته حوالي 13 وثيقة أممية و إقليمية، تخص مكافحة الإرهاب، من إدانة للأعمال غير القانونية التي ترتكب على متن، ولعمليات خطف الطائرات والدبلوماسيين، واحتجاز الرهائن من المدنيين؛

وتأكيدا على لزوم احترام الدول لمضامين اتفاقيات جنيف والفقرات الثلاثة من ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومادته التاسعة و لما نصت عليه المادتان الثانية والتاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، و كذا الحال بالنسبة لجميع مقتضيات وأحكام الاتفاقية الدولية المتعلقة بجريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، واتفاقية مناهضة التعذيب وإعلان الأمم المتحدة ثم مسودة اتفاقيتها الأخيرة بشأن حماية جميع الأشخاص من " الاختفاء القسري " أو اللاإرادي ؛

و بالاستناد إلى هذه المبادئ والقرارات والاتفاقيات والأحكام المذكورة وغيرها، وذلك باعتبارها حقولا للقانون الدولي و إحدى عوامل نشوء وتطور القانون الجنائي الدولي و محاكمه المؤقتة و الدائمة ؛

و بالنظر إلى أن القانون الدولي لا يفوته التمييز بين الإرهاب الفردي الذي تقوم به مجموعة من الأفراد أو إحدى الجماعات و إرهاب الدولة، وذلك مع إدانتهما معا، لكن على أساس احترام معايير حقوق الإنسان الأساسية في هذه الإدانة كما في الوقاية منه أو في القضاء عليه، و ذلك علما بأن أي تعريف للإرهاب ما هو في الواقع إلا تعبير عن وجهة نظر أحد طرفي النزاع المتعارضين ؛

لكل ذلك ، و بناء عليه ، أضم صوتي إلى أصوات جميع الديمقراطيين المحبين للسلام و المناهضين للعدوان و المدافعين عن حقوق الإنسان في العالم و في بلدي ، و أعلن :

أولا ــ بيانات حول الإرهاب

1 ــ أن الإرهاب، بصفة عامة، لم تخل منه أي مرحلة تاريخية أو أية حضارة، وأن معناه الاصطلاحي الحديث له جذوره في البنيات المجتمعية الأوروأمريكية ، حيث جسدته " سياسة الرهبة " التي واكبت من مارس 1793 إلى 1794، الثورة الفرنسية، كما جسده عهد جوزيف مكارثي في الولايات المتحدة الأمريكية ؛

2 ــ أن الولايات المتحدة الأمريكية مارست، على مدى كل القرن العشرين وهذه السنوات الجارية من القرن الواحد والعشرين، إرهاب الدولة سواء في شكل قرصنة طائرات أو بواخر، أو عدوان، أو حرب إبادة جماعية بالقنابل الذرية، أو في شكل إسقاط لحكومات شرعية أو مساندة لمنظمات معارضة للحكومات الشرعية، أو دعم مطلق لأنظمة استعمار استيطاني أو لأنظمة حكم استبدادي مطلق ،،، و ذلك ضد أكثر من 39 دولة و شعب، واستخدمت في ذلك أزيد من 40 مليون جندي. وإن إرهاب هذه الدولة العتيدة لم يتوقف إلى الآن ضد شعب العراق، كما أنه عمد، تارة، إلى توظيف نظام الأمم المتحدة من أجل شرعنة أي تدخل عسكري كما حصل في يوغسلافيا، و تارة، خارج صلاحيات هذا النظام كما حدث بالنسبة لأفغانستان، وهو يتربص الآن للانقضاض بعد احتلاله للعراق وإغراقه في شبه حرب أهلية ، على دول يصفها بدول " محور الشر " ، كما يستمر في احتجاز أفراد في غوانتاناموا خارج تراب السيادة القضائية للدولة ؛

3 ــ أن " الإرهاب الدولي " باعتباره يشمل كل مظاهر العنف السياسي باستثناء الحرب في صيغتها الكلاسيكية ، فإن صفته بحسب القانون الدولي لا تنطبق ، مع ذلك ، على كل أعمال هذا العنف . إذ هناك العنف المشروع و هو ذلك الذي تمارسه الشعوب و حركاتها التحريرية في كفاحها المسلح ضد الاستعمار و الصهيونية ، أينما اتسع مجال سيادة البلد الاستعماري ، من أجل إعمال حقها في تقرير مصيرها كما هو الحال بالنسبة للشعب العراقي و الشعبين الفلسطيني و اللبناني . و هناك العنف الذي ما زال محط نقاش مثل ذلك الذي تمارسه منظمات قومية انفصالية أو مطالبة بالاستقلال في بلدان من أوروبا و آسيا و في بورتوريكو و هايتي ، مثلا ، ضد الاستعمار الأمريكي . و كذا الحال بالنسبة لأنشطة التيارات اليسارية المتطرفة المناهضة للرأسمالية في أوروبا و أمريكا ،،، و هناك العنف المنافي بالتمام للشرعة الدولية و في مقدمته إرهاب الدولة ضد مواطنيها أو ضد دول أخرى ، و كذا العنف المنظم من قبل التنظيمات الأصولية المتطرفة و الأحزاب و الحركات الفاشية و العنصرية الأوروبية و مثيلاتها اليهودية في إسرائيل و خارجها . و هو عنف يلقى في كثير من الأحيان دعما ، بالصمت عنه أو بالتمويل الملتوي القنوات ، من قبل دول تحتاج أنظمتها السياسية ، بين الفينة و الأخرى ، إلى مبررات أمنية لإعادة إحكام القبضة على شعوبها أو لإعادة التوازن في إقليم جغرافي ما أو في العالم بأسره وفق ما يخدم إستراتيجيتها أو مصالحها الآنية ؛

4 ــ أن الحرب المعلنة بعد أحداث 11 شتنبر (أيلول) 2001 ضد ما تسميه الولايات المتحدة الأمريكية بالإرهاب و تقودها ضده ، ما هي كما يقول المتتبعون سوى استمرار لعنف اقتصادي ، سياسي ، و ثقافي، كانت دول الشمال تمارسه بأشكال غير مباشرة ضد دول الجنوب ، و ذلك منذ عقود من الزمن . و هي إذ تتخذ من هذه الأحداث ذريعة لتنفيذ عنف مباشر تحت غطاء قانوني و تحالف دولي ، فإن حملتها ، في الواقع ، كانت قد انطلقت مباشرة بعد مؤتمر دوربان الذي عرف في 29 شتنبر 2000 نقاشا قويا جدا حول أن " الصهيونية شكل من أشكال التمييز العنصري " ، و حول رفض الدول الغربية تقديم اعتذارها عن قتل ملايين من الأفارقة و عن استعمار أراضيهم بدون إعطاء أي اعتبار لحقهم في تقرير المصير . و هي بذلك " إرهاب ظاهر في مقابل نقاش كان يرفض إرهابا غير ظاهر " . و فيما أن أحداث 11 شتنبر 2001 كانت إرهابا فرديا رمزيا ضد الآخر " لتأكيد الهوية ضد النسيان أو المحو ، و تفجير لمشاعر الإحساس بالضعف ضد التنطع بالقوة " ، فإن إرهاب 29 شتنبر 2000 كان إرهابا دوليا قادته مجموعة من الدول ضد مطالب عادلة لعدة شعوب ؛

5 ــ أن الولايات المتحدة الأمريكية ، لو كان غرضها حقا هو إشاعة الأمن و السلم في العالم ، كان و ما زال بإمكانها أن تعتمد أسلوب تسوية نزاعاتها و نزاعات حلفائها الدولية بالطرق السلمية . و هي إذ تدأب ، بدل ذلك ، على اختيار منهج " تجييش " المنتظم الدولي و ترويع العالم بدعوى القضاء على الإرهاب النووي كما حدث بالنسبة للعراق و يحدث الآن بالنسبة لإيران و يبرئ إسرائيل ، فلأنها تسعى ، بناء على الحكمة الرومانية القديمة " القوة تخلق الحق و تحميه " ، إلى إرساء قواعد نظام جديد في العلاقات الدولية بدأ بتعيين والي أمريكي على رأس دولة العراق في اتجاه تحويل دول أخرى ذات مواقع و إستراتيجيات اقتصادية و عسكرية مهمة إلى ولايات خاضعة للسياسة الفيدرالية الأمريكية ....

6 ــ أن الجسارة الهمجية الدائمة ضد فلسطين و المتكررة بفظاعة لا مثيل لها ضد لبنان ما كانت الدولة الصهيونية تجرؤ على ممارستها لولا الدعم المطلق الذي تلقاه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية . و في هذا الإطار هاهي تحاصر كل المحافل الدولية و كل الأصوات المناوئة للظلم ، متيحة بذلك الفرصة أمام إسرائيل لكي تنتهي من تدمير لبنان بالتمام و الكمال . و في ذلك هاهي رايس تقول في اليوم الرابع و العشرين من الغزو الإسرائيلي للبنان إنها ستتحرك " بفعالية مع الفرنسيين و غيرهم في الأمم المتحدة في اتجاه وقف الأعمال الحربية (...) و إن الخطوة الأولى ستكون وضع إطار سياسي لمنع عودة العنف (...) و هو أمر يتطلب تعزيز الحكومة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله ( ...) ثم نسير في مرحلة ثانية في اتجاه نشر قوة أمنية ... و علينا أن نتوصل إلى وقف لإطلاق النار قابل للاستمرار و دائم ... إنها عملية سنبدأها مع إصدار قرار آمل أن نعتمده ، و أتوقع أن يكون جاهزا خلال أيام " ؟

ثانيا ــ ما يمكن للمجتمع المدني القيام به ؟

" في وضع كهذا، وفي حالة حصار يشارك فيها الغريب والقريب، والأعلى والأسفل، لا بد من استعادة المبادرة. باعتبار المقاومة جزء مركزي من أية نهضة إنسانية ترفض الاستبداد والاستعباد والفساد. فهزيمة مقاومة شعب تعني اختصار أمة في عبيدها، ومستقبل الإنسانية في مصاصي دمائها. من هنا، نتوجه إلى كل الأحرار الذين لم تنجح الثروة في قتل روح الثورة في أقلامهم، ورموز المجتمع المدني الذين قاوموا الترويج الخارجي والتهريج الداخلي واحتفظوا بحصتهم من الكرامة للذات والمحيط، من أجل التحرك لوقف النزيف اليومي في لبنان والعراق، ومقاومة الحصار العملاق ضد الحقوق والحريات الأساسية لشعب فلسطين.

أولى تعبيرات استعادة المبادرة، تكمن في بناء الجسور بين الفلسطيني واللبناني والعراقي، بين العربي والإسلامي، والعربي والدولي. في اللجوء إلى تشبيك حقيقي للقوى والطاقات من أجل الخروج من منطق الخريطة الداخلية التي تعطي المعتدي الإسرائيلي والأمريكي حالة تفوق اصطناعية، إلى التصور الشامل. أي الانتساب لأمة كبيرة وحضارة عظيمة، عودتها لمكانتها جزء لا يتجزأ من مقاومة الظلم على الصعيد العالمي. أمة لن تقوم إلا بكل قدراتها وإمكانياتها البشرية. ولهذا ترفض تصنيف كبدها إرهابا، وقلبها عنفا، ونضالها تطرفا.

ثاني التعبيرات، البحث عن سبل استنفار كل الطاقات لكسر الحصار الإعلامي على المقاومة في العراق وفلسطين ولبنان. باعتبار أن ثورة الاتصالات ما زالت في فترة انتشار أفقي، ويصعب على أي قوة مهما عظمت، أن تغلق إمكانيات التعريف بالرأي الآخر. وفي هذا النطاق، يبدو لنا من الضروري وضع إستراتيجية إعلامية جديدة. منطلقها المعطيات الأحدث لطبيعة الانتهاكات الإسرائيلية والأمريكية، وأثرها على القانون الدولي والسلام العالمي والاستقرار الإقليمي.

ثالثا، الدفاع عن ثقافة المقاومة كحق أساسي من حقوق الإنسان. ومتابعة موقف المنظمات الشمالية لحقوق الإنسان من القضية الفلسطينية والقرار 1559 والاحتلال الأمريكي للعراق ورصد كل تهاون أو تواطؤ مع الاحتلال والظلم.

رابعا، تشجيع روح التبرع والتطوع. هذه الروح التي تحاول مؤسسات التمويل قتلها عند المواطن العربي، وتحاربها الدكتاتوريات العربية بكل الوسائل، كونها تعيد الثقة بالمواطنة والمبادرة المجتمعية.

خامسا، لا بد من الرد على انتهاكات الطبقة العسكرية السياسية الإسرائيلية والإدارة الأمريكية للقانون الإنساني الدولي، باستنفار كل الغيورين على الشرعية الحقوقية الدولية. الأمر الذي يعني مباشرة إقامة دعاوى قضائية على المسئولين الأمريكيين الذين أوصلوا المنطقة لحالة الدمار الحالي ووزير الدفاع الإسرائيلي ورئيس الوزراء، وعلى الشركات التي تمد إسرائيل بما يسمح لها بقلع الشجر وهدم البيوت وبناء جدار الفصل العنصري والمستوطنات، باعتبار كل ما ذكر جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

سادسا، الضغط على البرلمانات العربية لاسـتصدار قوانين تجيز للمحاكم العربية الاختصاص الجنائي الدولي الذي يشمل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بغض النظر عن المكان الذي ارتكبت فيه. كذلك، التحرك لإقرار تعويضات عن الخسائر الناجمة عن جرائم العدوان، وتفعيل المقاطعة العربية للبربرية الإسرائيلية. إضافة لرفض التركيز في الإعلام والتحركات على سلاح المقاومة، في وقت تغيّب فيه قضايا جوهرية مثل الاحتلال والتوطين والاستيطان والسيادة.

سابعا، الدعوة لاجتماع طارئ من خيرة الكفاءات والطاقات المناضلة من أجل تكوين غرفة طوارئ دائمة تعنى بتحديد استراتيجيات عمل ملموسة لاستنهاض الأمة ورفض الركوع وتحديد معالم بناء نهضة تشكل المخرج الحقيقي من دمار الوحشية الإسرائيلية والأمريكية." ( 1 )

 

* المصطفى صوليح El Mostafa Soulaih ، كاتب ، باحث ، و مؤطر في مجال التربية على حقوق الإنسان و المواطنة من أطر اللجنة العربية لحقوق الإنسان ,

( 1 ) الدكتور هيثم مناع مفكر و مناضل حقوقي اللجنة العربية لحقوق الإنسان . " النهضة لمقاومة العدوان " ، ورقة موجهة لإثنينية المجتمع المدني . 01 - 8 - 2006موقع اللجنة العربية على الويب http://www.achr.nu/achr.ar.htm