حروب بالوكالة، مفاوضات بالوكالة .... لبنان والمنطقة إلى أين؟

الطاهر إبراهيم

 

كان لافتا للنظر إعلان باريس وواشنطن مساء يوم السبت 5 آب "أغسطس" الجاري عن التوصل إلى اتفاق مبدئي للإعلان عن وقفٍ لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، ومن دون أن يعني ذلك وقفا للحرب بين الطرفين. ولم تكن هذه المعلومة الأخيرة هي عجيبة العجائب الوحيدة، بل إن الحكومة اللبنانية ،على لسان مندوبها إلى مجلس الأمن، كانت تقول بأعلى صوتها: إنها الخاسر الوحيد من بنود وقف إطلاق النار هذا التي تم تسريبها إلى الصحافة، قبل أن يصدر قرار عن مجلس الأمن بذلك.

ابتداء يمكننا أن نكتب ونقرأ العلاقة السطحية البسيطة لموقف حزب الله من كل ما جرى وما يجري حاليا على أرض لبنان، وكذلك موقف الآخر اللبناني من كل ما جرى ويجري حاليا على أرض لبنان. الآخر اللبناني كان يقول ليس لأحد من اللبنانيين مهما كان شأنه أن ينفرد لوحده ويصادر على لبنان ،ممثلا بحكومته، قرار الحرب والسلم. وبالتالي فما يجري حاليا هو قيام حزب الله بتوريط لبنان في ما لا طاقة له به، وبالتالي فإن هذه الحرب هي من اختصاص كل العرب ،وكل العرب وكأنهم غير موجودين، وكل التحرك الخجول الذي رأيناه من وزراء الخارجية العرب إنما كان قبضَ الريح.

أما حزب الله فيقول هذه قراءة مغلوطة للواقع. فنحن نقاتل من أجل استعادة أرضنا المحتلة في مزارع شبعا. وإذا تخلى بعض اللبنانيين أو أكثرهم أو أنهم لا طاقة لهم بقتال إسرائيل، فنحن نستطيع ذلك، وعلى الذين لا يقدرون على مساعدتنا أن يمسكوا على الأقل- ألسنتهم عنا، وذلك أضعف الإيمان.

وكما أسلفنا، فإن كلتا القراءتين أبسط من أن تكون قراءة للواقع الظاهر والمختبئ خلف كل ما يجري، وأن وراء الأكمة ما وراءها، فما هي هذه الأكمة؟ وما وراءها؟

المثل العربي يقول: "يدك منك ولو كانت شلاء". فأعضاء حزب الله هم مواطنون لبنانيون وبالتالي فهم جزء من الشعب العربي، ولهم حق النصرة علينا بمفهومها الواسع الذي عبر عنه الحديث النبوي الشريف "أنصر أخاك ظالما أو مظلوما".

لكن هناك أمورا أخرى لا يجب تجاهلها. فقد كشف القتال الذي يجري حاليا على أرض لبنان عدة حقائق لعل أهمها: أن السلاح الذي يملكه حزب الله يفوق بكثير إمكانية أي حزب في الوطن العربي أن يملك جزءا يسيرا منه، وأن "إيران" هي من تزوده به. وإذا كان من حق حزب الله أن يملك هذا السلاح حسب مفهومه لهذا التملك، فإن من حق اللبنانيين يسألوا

عن حقيقة دوافع إيران في إتاحة هذا الكم الهائل من هذا السلاح ليتملكه حزب الله؟

وإذا كنا نعتقد -ومن دون أدنى مداهنة أو تزلف- بأن لحزب الله الحق بأن يكون لديه هذا السلاح، فإن من حقنا أن نشك بدوافع إيران من وراء إتاحة هذا السلاح لكي يتملكه حزب الله. فمواقف إيران تعبير حي للمثل المعروف "يكاد المريب أن يقول خذوني"، خصوصا بعد أن رأينا ما قدمته إيران من تسهيلات لواشنطن والتحالف الدولي في احتلال "أفغانستان . وإذا كنا لا نوافق على كثير من سياسات "طالبان" في حكم أفغانستان، فهذا لا يبرر لنا أن نرضى بأن تقوم أي دولة -خصوصا إذا كانت تزعم أنها ترفع راية الإسلام مثل إيران- بالمساعدة في إيقاع أي دولة إسلامية أو غير إسلامية تحت نير الاحتلال. وإذا كان التخبط السياسي لدولة ما يعتبر مبررا لتقديم المساعدة للأجنبي، فهذا يعني حسب هذه القراءة المغلوطة-أن دولا عربية وإسلامية كثيرة تستحق أن ترزح تحت الاحتلال الأجنبي.

وإذا كانت القراءة تبدو مشوشة بعض الشيء عند ما يأتي الحديث عن أفغانستان وما قدمته هذه الدولة أو تلك للتحالف الذي قادته أمريكا ضد طالبان، فإن ما قدمته "طهران" لواشنطن أثناء احتلالها بغداد، وما تفعله حاليا أجهزة مخابراتها وما يلوذ بها من ميليشيات تم إنشاؤها وتسليحها من قبل إيران من تدمير يلحق بكل شيء في العراق، يجعلنا نشكك بدوافع إيران في سورية ولبنان، وإنها لا تخفي إلا على الأعمى.

على أن هذه المقدمات لا تعني أن نقول أن حزب الله ،عندما أسر الجنديين الإسرائيليين، إنما كان بدافع إيراني صرف، لأن التسليم بهذه المقولة هو تسطيح واضح للموضوع. فلم يكن حزب الله ،كما المنظمات الفلسطينية، يخفي سعيه وراء أسر جندي أو أكثر للمقايضة به على إطلاق سراح معتقلين لبنانيين ،وربما فلسطينيين أيضا.

من يقرأْ تصريحات وزير الخارجية الإيراني "منو شهر متقي" أثناء زيارته الأخيرة إلى لبنان، وعبر فيها عن تحفظاته عن " خطة الحكومة اللبنانية الشاملة لحل النزاع القائم في لبنان" كما جاء في خطاب الرئيس "فؤاد السنيورة" في روما حول المبادئ السبعة التي اعتمدتها الحكومة بكامل أعضائها بعد مؤتمر روما، يدركْ أن "متقي" إنما كان يتكلم وكأن له في لبنان أكثر مما للحكومة اللبنانية. وهذا ما جعل السنيورة يقول: "إن متقي تجاوز الحدود، وبعض الأطراف سارعوا إلى اعتماد موقفه". ما هو واضح من كلام السنيورة أن هناك من اللبنانيين من يشارك متقي تحفظاته. فمع صريح تحفظ "متقي" عن خطة الحكومة اللبنانية، نفى "نبيه بري" في مؤتمره الصحفي الذي عقده يوم 6 آب أن تكون تصريحات

"متقي" تخالف ما اتفق عليه وزراء الحكومة.

اللاعبون الكثر ،من خارج لبنان، على الساحة اللبنانية، يهمهم بالدرجة الأولى مصالحهم أو إفشال مصالح اللاعبين الآخرين. فتغيير موقف باريس واقترابه من موقف واشنطن قيل في تفسير ذلك هو اختلاف وزير الخارجية الفرنسي مع نظيره الإيراني عند لقائهما في بيروت مؤخرا، ورفض "متقي" الضغط على حزب الله هو الذي عجل باتفاق واشنطن وباريس من فوق، دون أخذ رأي اللبنانيين بعين الاعتبار.

فواشنطن وباريس كلٌ له "ليلاه" التي يغني عليها، وليس للبنان في حساباتهما إلا ما يتوافر من الوقت الضائع. فرنسا يهمها أن تحفظ بعض ماء الوجه الذي يمكن أن تظهر به في مؤتمر "الفرنكفونية" الذي سيعقد لاحقا هذا العام.

أما واشنطن فهي لا تبكي على ماء الوجه، فليس لديها ماء وجه تبكيه، بل تريد في جملة ما تريد ،إضافة إلى مصالح إسرائيل، أن تلعب المباراة على أرض لبنان، لعلها تعوض خسائر تكبدتها على الملعب العراقي الذي هزمتها فيه طهران، مع أن واشنطن هي من حدد شروط اللعبة يوم أدخلت حكام العراق الجدد على ظهور دباباتها.

لا نريد أن نضيف الكثير فوق ما قلناه عن إيران، فما يظهر أن إيران ماضية في ما تريد إلى نهاية المباراة. ولعل بعض ما تريد هو إضعاف دول المنطقة حتى تبقى هي المفاوض الوحيد مع أمريكا.

ولكن ماذا عن سورية التي بقيت جالسة في مقاعد الاحتياط منذ بدأت الحرب، وهي الأقرب إلى لبنان؟ وكأنها ليست لها علاقة بما يجري على الملعب اللبناني ،وهي البلد الذي خرج من لبنان بعد وجود فيه لثلاثة عقود. غير أن أعجب ما في الموقف السوري هو تصريح "وليد المعلم" وزير الخارجية السوري ،في زيارته إلى بيروت يوم 6 آب، عن استعداد سورية لحرب إقليمية، مع أنها ترفض فتح جبهة الجولان أمام المقاومة الشعبية للتخفيف عن المقاومين اللبنانيين في الجنوب اللبناني.

لعلنا لا نبتعد كثيرا عن الحقيقة المؤلمة، وهي أن لبنان أصبح كرة تتقاذفه أرجل اللاعبين. كما أصبح فريقٌ منه يخوض معركة غيرِ لبنان على أرض لبنان، بينماالبعض الآخر واقف يتفرج لا حول له ولا قوة. ويا ويل لبنان إذا لم يدرك أبناؤه ما يدبره له اللاعبون من دون أن يدري أبناؤه بما يدبر لهم!.

الطاهر إبراهيم كاتب سوري