حماقة القوة، وقوة الحق

بقلم: هاني المصري

 

لم تنجح مجزرة قانا الثانية بكل وحشيتها، كما نجحت مجزرة قانا الاولى، بإحداث انعطافة حاسمة لإنهاء الحرب، فلقد اعلن اولمرت ووزير حربه بيرتس ان الحرب ستستمر رغم تعليق الغارات الجوية لمدة 48 ساعة، ومنحت رايس أسبوعاً آخر لإسرائيل، الا ان المجزرة نجحت في اطلاق المسيرة لوقف العدوان، وعلى الارجح انها ستتمكن من وقفه بعد المزيد من الوقت.
ان السبب الاساسي الذي يحول دون التوصل فوراً الى وقف اطلاق النار ان اسرائيل رغم مرور ثلاثة اسابيع على بدء الحرب، ورغم تنفيذ اكثر من 6000 طلعة وغارة جوية على لبنان، وما ادت اليه من استشهاد حوالي تسعمائة شهيد وآلاف الجرحى، وتدمير البنية التحتية وتهجير اكثر من 800 ألف لبناني، وارتكاب مجازر متلاحقة ضد المدنيين خصوصا الاطفال، كانت مجزرة قانا آخرها ولن تكون الاخيرة، ما دامت الحرب مستمرة، ولم تستطع اسرائيل ان تحقق اهدافها منها، وأكثر من ذلك لم تستطع اسرائيل ان تحقق الاهداف المتواضعة التي تتحدث عن إضعاف حزب الله وإبعاده عن الحدود، ولو لمسافة 2 كيلومتر، بعد ان عجزت عن تحقيق الاهداف الكبيرة التي وضعتها في بداية الحرب، والتي كانت تشير الى القضاء على حزب الله، واستئصاله، ونزع سلاحه واغتيال قائده السيد حسن نصر الله، سيد المقاومة بلا منازع. ان انهاء الحرب دون نصر اسرائيلي، ودون ان تتمكن الحكومة الاسرائيلية حتى مجرد الادعاء بالنصر، سيسبب مشاكل داخلية لحكومة اولمرت قد تطيح بها، وستؤدي الى نهاية الردع الاسرائيلي، وطرح علامات سؤال حول وجود اسرائيل ودورها في خارطة الشرق الاوسط الجديدة.
وحتى لا نتهم بالمبالغة، سنعرض الى بعض الاقوال التي رددها او كتبها قادة وكتّاب اسرائيليون. لقد وصف شمعون بيريس، الزعيم الاسرائيلي المخضرم هذه الحرب بأنها مسألة حياة او موت لإسرائيل، وقال منذ بداية الحرب: إما أن ندخل في حرب شاملة مع حزب الله ونكملها او نقبل بوقف اطلاق النار والتفاوض على تبادل الاسرى، معلناً انحيازه للخيار الاول.
أما حاييم رامون وزير العدل والمقرب من اولمرت فقد قال: ان نهاية الحرب بصورتها الراهنة يعني هزيمة مدوية لإسرائيل.
بدوره قال آفي ديختر وزير الأمن الداخلي: "ان اسرائيل لا يمكنها ان تعلن النصر اذا كان بوسع حسن نصر الله الخروج في اليوم التالي ليعلن انتصاره"، ورأى "ان الحل الافضل هو ان تسعى اسرائيل الى مخرج يتمثل بتكثيف العمل لإبعاد نصر الله عن الواجهة (في اشارة الى اغتياله)".
وما يقوله الوزراء في اسرائيل بصورة ضمنية مواربة لا يتوانى الكتّاب والمعلقون خاصة العسكريين عن قوله بصراحة ووضوح.
فقد قال اوري دان وهو كاتب يميني كان مقرباً جداً من شارون "ان على الجيش الاسرائيلي ان ينتصر بالضربة القاضية، اذا كان اليهود لا يريدون في المرة القادمة المحاربة وظهورهم الى البحر".
أما عاموس هرئيل فقد قال: "اذا توقف الجيش الاسرائيلي الآن، بسبب ضغط الخسائر، فإن هذا سيكون الانتصار الاكبر لهذا التنظيم اللبناني". وسأتوقف طويلا أمام ما كتبه زئيف شيف وهو يوصف عادة بكبير المعلقين العسكريين والاستراتيجيين الاسرائيليين. فهو كتب: "ان الامر الاستراتيجي الاهم في هذه الحرب هو انه يجب ان يهزم حزب الله بكل ثمن". ووصف ذلك بالخيار الوحيد القائم أمام اسرائيل. واضاف "اذا لم يهزم حزب الله، واذا لم يشعر بأنه هزم في هذه الحرب، فستكون هذه نهاية الردع الاسرائيلي حيال أعداء اسرائيل".
وحتى يوضح ما يقصده اضاف شيف: "ما يجري الحديث عنه ليس بنت جبيل ومواقع حزب الله في مارون الراس، بل مستقبل وسلامة دولة اسرائيل". وتابع: "محظور ان ينشأ توازن استراتيجي بين اسرائيل وحزب الله"، وبين دلالة وأبعاد عدم هزيمة حزب الله بقوله: "ان السلام مع الاردن ومصر سيتضرر، ولن يكون هناك من يوقع اتفاق سلام مع اسرائيل في المستقبل".
واضاف شيف "اذا لم تتحسن الاوراق العسكرية التي بيد اسرائيل، سينعكس ما في الميدان على الحل السياسي، ومنظومة صواريخ حزب الله ستبقى في جنوب لبنان. السبيل الوحيد قيام الجيش الاسرائيلي بعملية سريعة للاستيلاء على جنوب لبنان لتصفية منظومة صواريخ حزب الله هناك قبل ان تسلم المنطقة الى القوة الدولية". فزئيف شيف يدرك جيداً ان عجز اسرائيل عن ازالة هذه الصواريخ لن يمكّن القوات الدولية او الجيش اللبناني او القوات المتعددة الجنسية الرادعة من تحقيق هذه المهمة.
وأكد شيف ايضاً: "في هذه المعركة سيحسم ماذا ستكون مكانة إيران في الشرق الاوسط ودورها بين الدول العربية. فسقوط الردع الاسرائيلي سيعزز "حماس" بصورة تجعل من المشكوك فيه ان يوجد فلسطينيون مستعدون للتوصل الى اتفاقات مع اسرائيل. فالردع الاسرائيلي هو الذي يقف خلف استعداد العرب المعتدلين للوصول الى السلام معنا".
ويؤكد على نفس المعاني آفي سخروف معتبراً ان ايقاف العملية العسكرية الآن سيؤدي الى تعزيز قوة التيار الاسلامي في المناطق وفي العالم الاسلامي وسيضعف قوة اسرائيل الرادعة مستقبلا وسيفسر على انه هزيمة لإسرائيل".
ويضيف: "ان ايقاف العملية الآن سيؤدي الى نشوء شرق اوسط جديد مختلف عما خططت له كوندوليزا رايس، وستكون سورية وايران هما صاحبتا الامر والنهي فيه.
ويذهب إليكس فيشمان ابعد مما تقدم عندما يعتبر: "ان قرار وقف العمليات الجوية (رغم انه مؤقت) قرار غريب. فهذا القرار يصد الزخم ويعرقل مسيرة تآكل حزب الله، ويعني عملياً بداية مسيرة وقف النار بشروط هي اقل جودة لإسرائيل". ويتابع "حزب الله يواصل اطلاق النار، يقف على ساقيه، واسرائيل تدحر وتنثني تحت الضغط. ليس فقط لا ينبغي وقف المعركة، بل محظور اعتبار الاحداث في قانا سبباً يمكنه ان يؤثر عليها".
وينهي فيشمان بالقول: "اذا فشلت اسرائيل في هذه الحرب فسيكون متعذراً مواصلة العيش في الشرق الاوسط. على الجيش الاسرائيلي ان ينهي تطهير مواقع حزب الله قبل التوقيع على اتفاق لوقف اطلاق النار".
ما سبق يوضح ان اسرائيل تقف بعد ثلاثة اسابيع من الحرب، عاجزة حائرة مرتبكة تخشى من مواصلة الحرب بسبب ما يمكن ان تتكبده من خسائر اذا ارادت تطهير مواقع حزب الله في الجنوب، وهذا لا يمكن دون حرب برية، والحرب البرية مكلفة جداً كما بينت معارك مثلث مارون الراس وبنت جبيل وعيترون. كما تخشى اسرائيل من وقف الحرب قبل تحقيق اهدافها، او ما يكفي يسمح لها بالادعاء بأنها انتصرت، بل هناك ما يكفي لأن يصرح حزب الله بأنه انتصر. فيكفي صموده طوال هذه الفترة، واستيعابه الصدمة والمعارك البرية الباسلة التي خاضها، واستمراره بقصف شمال اسرائيل بنفس الزخم الذي شهدناه في بداية الحرب ما يكذب ادعاءات اسرائيل انها ألحقت بقواته وقدراته خسائر جسيمة.
واذا افترضنا جدلاً ان اسرائيل ستوقف الحرب، نظراً لبداية (التصدع والخلافات) داخلها، بما في ذلك داخل الجيش، بين من ينادي باستمرارها ومن ينادي بوقفها ومن ينادي باستمرارها أياماً قليلة فقط في محاولة اخيرة لإقامة شريط أمني على الحدود بمساحة 2 كيلومتر، كما صرح قائد المنطقة الشمالية في الجيش الاسرائيلي مدعياً انه يمكن ان يحقق هذا الهدف حتى يوم الاربعاء المقبل (اي يوم غد).
ان نتائج الحرب حتى الآن بدت واضحة اكثر، اسرائيل لم تربح وحزب الله لم يخسر. ولقد برهنت هذه الحرب حدود القوة والقيود التي تكبلها خصوصاً اذا لم تجد قيادة حكيمة وذات خبرة قادرة على استخدامها. وبرهنت الحرب استحالة هزيمة المقاومة خصوصاً اذا توفرت لديها الإرادة والإمكانيات والدعم والعمق الاقليمي والاستراتيجي.
لقد بدأت اسرائيل هذه الحرب بقرار دولي، كما ظهر ببيان الدول الثماني العظمى الذي دافع عن حق اسرائيل بالدفاع عن نفسها، وتضمن كافة الشروط الاسرائيلية دون اشارة الى المطالب اللبنانية. وكانت اسرائيل في بداية الحرب حصلت على غطاء عربي، غير مسبوق، وكانت تحوز على إجماع اسرائيلي انطلق من انها حرب دفاعية، وحرب اللاخيار وعادلة، ورد على اعتداء على اسرائيل داخل حدودها الدولية، لتتحول الصورة شيئاً فشيئاً حتى ما قبل مجزرة قانا، لأن اسرائيل ارادت كل شيء: ارادت اكثر مما تستطيع. ارادت تغيير قواعد اللعبة، ورسم معالم شرق اوسط جديد يقام على الدمار والموت، واستهدفت المدنيين والبنية التحتية والمجازر والتهجير، وعجزت عن تحقيق اية انجازات عسكرية جوهرية، ما ادى الى فقدانها الغطاء الدولي والعربي، وأصبح لبنان موحداً كما لم يكن من قبل ضد العدوان الظالم لدرجة ان الحكومة اللبنانية وضعت التوصل لوقف اطلاق النار كشرط يسبق الحديث عن اية قضايا اخرى. لقد عادت اسرائيل معزولة لا يقف معها الا الولايات المتحدة الاميركية التي من المحتمل ان تعيد تقييم موقع اسرائيل في رؤيتها الاستراتيجية في ظل احادية القطبية. فإسرائيل بدت عاجزة عن لعب دورها ووظيفتها في سجالها الحيوي وفي بلد مثل لبنان مجاور لها، فكيف ستلعب الدور المرسوم لها في الاستراتيجية الاميركية كدولة مركزية مهيمنة.. هذا هو السؤال؟!.