حاخامات بغترة وعقال

نضال نعيسة

كثيراً ما تـُستبهم الأشياء على المرء هذه الأيام، بعد أن اختلط حابل الأمور بنابلها، وصار واطيها عاليها ، وخصيانها واليها، ويا ستر الله. ففي أتون المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، طفت على السطح, كثير من الظواهر التي أصبحت بحاجة لبصارة، وبراجة، وقارئة فنجان لكي تفسرها للعيان. ومن أهم هذه الظواهر تلك الجوقة النشاز، وأبواق التخاذل والعار، والتي بدت كأم العروس في حفل الزفاف تزلغط، وتهلل، لشن هذه الحرب الشعواء. فحين صرت أقرأ لأحدهم، كثيراً ما صارت تلتبس علي الأحرف العربية بالأحرف العبرية، ولا أعود أميز بينها على الإطلاق، علماً بأنني "ضليع" في لغة الضاد. وراجعت طبيباً مختصاً في طب العيون، فطمأنني أن هذه الحالة عامة، والمرض منتشر هذه الأيام، وسيزول عند وقف متابعة قنوات العار، وتصفح مواقع، وقراءة صحف، البترودولار. وإليكم بعضاً من أعراض هذه الحالة الصحية الطارئة التي انتابتني، وأضعها بتصرف معهد "يا شحاري، ويا ويلي ويا سواد ليلي" لمكافحة أوبئة الأعراب، لإيجاد الحلول، واللقاحات، والأمصال، وإن استلزم الأمر، في مراحل مستعصية، يجب إعطاء تحميلة من نوع "الكاتيوشا" كآخر حل، قبل أن تتفشى، وتتحول إلى وباء، وداء عام. كما أرسلت نسخة من هذا التقرير لمؤسسة "عوجة"، المتفرعة عن مستشارية " فالج لا تعالج" التابعة لجامعة الأعراب، والعياذ بالله.

فلقد بدأت أعراض الحالة الميؤوس منها، بإحساس قوي بالقرف، والغثيان، ونفخة شديدة في البطن، بإمكانها أن تملأ منطاداً كاملاً بالغازات، حسب تقديرات الأستاذ أبو كرش، الدكتور المعروف، والمختص بالهضمية، وبيع أسطوانات الغاز، بعد الدوام. فحين صرت أقرأ مقالاً لأحدهم، كنت أتحرى وجهه جيداً، لأتبين جيداً، أن أنفه من النوع الطويل، والمعقوف بشكل حاد، وهو ما يميز أنوف الحاخامات الأصليين، وبني إسرائيل، بشكل عام. وحين كنت أطالع بعضاً من كتاباتهم، كنت أهرع للعهد القديم، والتوراة لأتحرى، وأقارن فيما إذا كان يلطش هذه "المزامير"، من التوراة، أو من نسج خيال هذا الألمعي الفهمان. وكثيراً ما فتحت بروتوكولات حكماء صهيون، لإجراء مطابقات، ومقارنات، بين ما كانوا ينفثونه على شاشات التلفاز، ويدلقونه بلا حياء، على صفحاتهم الصفراء، وما في هذه البروتوكولات. وصرت، حينها، أتقمص دور مدرس اللغة العربية الصارم، أبو عصاية، ما غيرو، في دروس الاستظهار، لأقول له "مسكتك"، أي ضبطتك بالعربي، حين كان يتخطى أحدهم أية فاصلة، أو إشارة استفهام، في تلك البروتوكولات" عفوا التصريحات"، وهذا ما كان يثير حفيظة، واستهجان رفيقة الألم والأسى أم العيال، التي كانت تتابعهم بذهول، ودهشة، وإمعان، وتؤنبني قائلة، وبالحرف الواحد: " إيه العمى ليش بتضل شايل المقشة بالعرض"؟

وكم كنت قد دققت قبلاً في عيونهم، وملامح وجوههم، لأرى كم تكتنز من، التشفي، والحقد، والسم الزؤام؟ وكم أتعبني البحث، لمعرفة من أي مكان، كانت تخرج، ويتلفظون، بكل تلك المسهلات، والموبقات المخزيات؟ أمن محفل ماسوني، أو من كنيس يهودي، أو أحد الغيتوهات؟ وكثيراً ما كنت أجهد نفسي في النظر إلى رأس هذا وذاك، لأتأكد هل ما يلبسه هو القلنسوة اليهودية المعروفة، أم الغترة والعقال المعروفتين، وأفتش بفضول طفولي، فيما إذا كان يخفي تحتهما تلك الخصلات المبرومة، والمجدولة، التي اعتاد أن يتركهما أحفاد صهيون، من جهة الأصداغ؟ إلا أنني كثيراً ما كنت أبحث في أرجاء الصورة، هنا، وهناك، وألجأ إلى تقنيات الفوتو شوب المختلفة، لأبحث عن أية آثار لتلك القبعة السوداء المتطاولة التي اعتاد غلاة اليهود، ومتطرفوهم، على لبسها؟ ولعل أكثر ما أتعبني، هوتحويل المقال، وأنا في حالة غضب، وهياج، واحتدام، إلى نص "وورد"، لأتبين إذا كان في اسم كاتب المقال، أي حرف شين، كالذي يتكرر في أسماء موشيه، وشيمون، وشاؤول، ويوشع، وشامير، وشارون، وميناشيه؟ وفي ظل هذا الغموض، و"الزوغان، والتوهان" الخطير، فكثيراً ما كنت ألجأ لأحد رجال الدين، من العلماء المحترمين الأجلاء، لأستوضح منه، ويزيدني عن الفوارق الأساسية، بين الحاخامات اليهود، وشيوخ الإسلام الكرام. وكثيراً ماكنت ألجأ إلى صديقي "حربوق أخو أختو" (هكذا اسمه، وبلا مزح يا شباب)، المختص بعلم الأصول، والسلالات، ويعلم حسب ونسب، الضب، والجربوع، وحتى البعير الأجرب في الصحراء، لأسأله إن كان في اسم كاتب المقال، أو أحد آبائه، وأجداده، أية أسماء، من مثل هرتزل، وليفي، ودايفيد، وسامويل، و مائير، وإليعازار، وإسحاق، والأعور السفاح، والدجال دايان.

وبالمقابل، وحين كنت أتابع مقالات لروبرت فيسك، وباتريك سيل، وبعض من "شطحات"، واعترافات توماس فريدمان، وحتى افتتاحيات جدعون ليفي، في صحيفة ها آرتس وتعني (الأرض)، (وهذه من عندي والله)، فكثيراً ما كنت أدقق في ملامحهم، ووجوههم، لأرى إن كان فيها شيء من السمرة، أو الأوصاف التي تميز بها سكان الصحراء العربية؟ أو هل لأحدهم "سكسوكة" مشذبة( متل تبع الأعراب يعني)، ويخفيها، عن الكاميرات، وأعين الحساد، وأجهزة المخابرات العربية؟ وحين كنت أسمع تصريحات لجورج غالاوي، فارس بني عبس الجديد، كنت أفتح فوراً، على إذاعة دمشق، لأرى هل كان ينقل، ويستظهر، أويقول شيئاً مسروقاً من التعليق السياسي الأشهر، الذي ميز هذه الإذاعة خلال عقود من الزمان؟ أم انه كان يقرأ مقتطفات من بيانات للجماعات السلفية، أو المنطلقات النظرية لحزب البعث، أو تلك الأدبيات، والمعلقات الماركسية التروتسكية المعروفة. أو يجو بإحدى خطب الجمعة لواحد من آيات الله في قم، ومشهد، أثناء الصلاة في المسجد المركزي الكبير في طهران؟ وهل هو يدلي بحديث خاص لتلفزيون "العالم"، أو شبكة المنار، أم للبي. بي. بس، وفوكس نيوز، والسي إن إن؟ وكم كنت "أتلصص" على جيوبهم المنفوخة، لأرى أن كانت تحتوي على قرآن كريم صغير، أم شيئاً آخر، مثل كاسيتات سيد قطب، والشيخ كشك، أو علي بلحاج؟ ويتهيأ للسامع، أحياناً قبل انجلاء الموقف، أن هذا يدلي بتصريحاته، ويترك العنان لقلمه، على الأرجح من إحدى باحات المسجد الأقصى، أو من مكان ما، قرب الكعبة المشرفة، أو في حي من أحياء المدينة المنورة، أو على الأغلب، تحت قباب الأزهر الشريف، أو، ربما، في محراب عتيق، في جامع القيروان.

وتعتقد لوهلة، وهو، في غمرة اجتهاده، وانشغاله، وانهماكه، متسلحاً بمثل تلك الجدية، والمؤثرات الخاصة، حيث لا ينقصه سوى عمامة الظواهري، وكلاشينكوف بن لادن، يحاول أن يسجل كاسيتاً متلفزاً، لإرساله في الحال لقناة الجزيرة، تماماً مثل شيوخ الإرهاب، وشلة العربان الهائجة، في هذه الأيام المريرة العجاف؟ وكثيراً ما كنت أحاول أن أنظر في صورهم جيداً، وتحت المعاطف، والجاكيتات الأنيقة التي يرتدونها، لأرى إذا كانوا يرتدون أية جلاليب، أو دشداشات، أو يتزنرون بأحزمة ناسفات. وأنبّش في أرجاء المكان، وعلى الطاولة، إن كان هناك بقايا قرص شنكليش، أو مجدرة، وتبولة، وتسقية، أو طعمية، وكوشري، وكوارع، أو كسكوسة، أو المسقوف، أو الدولما، أو منسف مكبوس بالأكباش، وهي من أغذية الاعراب الأقحاح المعروفة. وعمدت، ولا تخبروا أحداً، رجاءً، أن استراق النظر من تحت القمصان، لأرى، إن كان هناك أي وشم، لسيف علي ذي الفقار، أو للفظ الجلالة يا الله. إلا أن فشلي بالعثور على أية عمامات سوداء، أو لفات للرأس، في جوارهم كان الأشد، وقد سبب لي، وحقيقة، أكبر النكسات، وأقسى الصدمات. وكم كنت أتمنى على المخرج، والمصور، وأناجي الله، وكل الأولياء، لتحقيق هذا المطلب الهام، أن يقوم أحدهم بأخذ "زوم
zoom in "( وهذه من عندي كمان، والله العظيم)، وينزل لتحت قليلاً، (ولا يروح بالكم لبعيد عيب يا شباب)، وتحديداً، ليد أحدهم، لأرى إن كان يحمل فيها مسباحاً طويلاً، من مثل ذاك الذي كان يسبح به أبو قتادة، أثناء نطوطات الإعلان عن الجهاد والتهليل بالغزوات، أوالشيخ المجاهد الكبير بكري أبو فستق، حين أعلن عن عزمه، على إقامة دولة الخلافة الإسلامية التي سيكون مقرها في بكينغهام مقر إليزابيث، ولندن عاصمة الأنكليكان البروتستانت، ودقوا على الخشب، وبلا حسد، وأمانة، يا....... شباب.

لندن 31/7/2007