وراء قانا ما وراء دير ياسين ضرب هلال الممانعة لتحقيق شرق أوسط عميل

د. عادل سمارة

 

 منذ أن بدأ العدوان الصهيوني على لبنان في 12 تموز وحتى الآن، وربما لمدة طويلة قادمة، والتحليلات تتفاوت وتتعدد عن  أهداف هذا العدوان ومن ورائه. وربما ما من أحد لمس الهدف الأساس وهو أن هذا الكيان إستيطاني أصلاً وتوسعي بالطبيعة وعدواني تلبية لوظيفته ودوره الذي خلقه المركز الرأسمالي من أجله. لذا، لا يمكنه إلا اختلاق حروب ضد العرب لتحقيق ذلك. هذا الهدف هو جذر كافة السيناريوهات التي ليست إلا تفرعات له. يذكرني الجدل حول أهداف العدوان بما كتبه كثير من الفلسطينيين والعرب عن شارون عندما وصل إلى رئاسة الوزراء قبل بضع سنوات، حيث ساد الترويج بأن مرحلة شارون ستكون أكثر دموية ...الخ. وقد كتبت آنذاك في هذه النشرة وفي جريدة القدس المحلية، أن شارون لن يختلف عن غيره قط، وربما حتى في الدرجة فما بالك في النوع. وقد ارتكزت في تحليلي وما زلت على حقيقة أنه ما من حاكم وبطانته في هذا الكيان إلا وكان حريصاً على أن يكون دموياً أكثر من سابقيه، وأكثر ممن سيخلفوه. نعم لأننا نتحدث عن عقلية ونفسية سياسية مريضتين ملوثتين بخدمة رأس المال وبثقافة تلمودية كارهة وموتورة، وبزعم تفوق لا اساس له. وحين يكون نظام حكم مريض نفسياً، فهو لن يخضع قط للتحليل والقياس العلميين ولا للتوقعات البشرية الواعية. وما يمكن توقعه منه هو التطرف الأقصى، الذي يصعب التكهن به.

         بالمقابل، يمكننا معرفة سلوك الأنظمة العربية لأن الإحاطة بها أمر ليس صعباً. فهي صنيعة المركز الرأسمالي، تابعة، ومحمية من عدو الأمة، وأمرها بسيط، لأن معادلتها بسيطة: أن تبقى في السلطة وأن تدفع مقابل ذلك وطناً. نعم رُفعت الأقلام وجفت الصحف. وهذا ما يجعل الكيان الصهيوني وهذه الأنظمة أكثر تحالفاً، وإن غير معلن، كلما ازدادت تبعيتها[1]. وهذا ايضاً ما كشفته مسيرة التسوية منذ كامب ديفيد إلى أوسلو إلى وادي عربة إلى اتفاق موريتانيا إلى اتفاقات كثيرة غير معلنة لكنها موجودة على الأرض. ولعل ما زاد انكشافه هو عملية حزب الله بأسر الجنديين الاسرائيليين في جنوب لبنان وصمود المقاومة اللبنانية لحزب الله. فثأر حزب الله لاستغاثة غزة وصموده في الجنوب كان في الحقيقة مثابة القول: انتبهوا في الطبقات الشعبية العربية، فالمعركة داخل الوطن العربي، مع الطبقات الحاكمة هناك، فهي معيقة أي انتصار وهي حليفة اسرائيل ومن ورائها. ومن هنا، فإن زعم رئيس الوزراء الصهيوين يوم 31 تموز بأن دولا عربية وإسلامية موافقة على عدوانه على لبنان، زعم له اساس، إذا قررنا النظر إلى الأمور حسب المصالح وبالتالي السلوك. ويصح كذلك زعمنا، أن صمود حزب الله وثأره لغزة هو ايضاً هجوم في الأساس على هذه الأنظمة أكثر مما هو هجوم على العدوان. نعم، مختلف السيناريوهات ممكنة، ولننظر قبل تعدادها في مرجعيتها التاريخية والسياسية . يقول موشيه شاريت عن  بن غوريون:

 

"في ذهن بن غوريون والضباط لا قلق لدينا من العالم، ولا على الاقتصاد. ليس للسلام مكاناً. لا يؤخذ بالاعتبار ما يدور في المنطقة او في العالم. فبرأيهم، ان على الدولة ان ترى الحرب كمسألة مبدأ، وربما الوسيلة الوحيدة لزيادة الرفاه وللحفاظ على التوتر الأخلاقي...(ان العمليات الانتقامية) هي إكسير الحياة...فهي التي تساعدنا على استمرار التوتر المدني والعسكري. وبدونها، لن تكون لدينا أمة مقاتلة، فعدم وجود نظام حكم حربي يعني ضياعنا. .. لهذا الغرض، فإن بوسعنا  اختلاق مخاطر، في الحقيقة نحن مجبرون على فعل ذلك. أعطنا حرباً مع البلدان العربية، وعندها ستزول كل مشاكلنا... ذات مرة تفوَّه بن غوريون نفسه بأن علينا ان نجد  عربيا ونعطيه مليون ليرة، ليقوم في النهاية بحرب ضدنا[2]" .

 

نعم، بن غوريون نفسه قال ذات مرة:

 

"ستكون حدود إسرائيل "طبيعية" حينما يكون نهر الأردن حدها من الشرق، ونهر الليطاني في لبنان حدها من الشمال"[3]".

أما الصهيوني يوسف عجنون، الحاصل على جائزة نوبل، والذي كان قبل شهرين في البتراء يدوس على المجد العربي، فقال: "أتمنى أن تحتل اسرائيل دمشق" ومع ذلك، وربما بسبب ذلك حصل على هذه الجائزة.

ألا توضح هذه الأقوال أن مسألة احتلال الفرات والنيل هي مسألة جدية؟ ألا تفسر هذه كلها لماذا لم تحترم إسرائيل  اتفاق أوسلو مع أنه لصالحها تماماًَ؟ وباختصار، ألا يوضح حرق لبنان اليوم وبموافقة معظم العالم الرسمي والأمم المتحدة ألا يوضح هذا لإسرائيل الاستنتاج بأن بوسعها نهب أرض جديدة، ولتكن  جنوب لبنان تمهيداً لترانسفير شامل للفلسطينيين من الضفة الغربية وغزة؟ 

هناك من قال أن هدف العدوان الحالي هو احتلال جنوب لبنان وضمه إلى إسرائيل، ولذا، تقوم إسرائيل بطرد سكانه بقنابل الطائرات. وهناك من يقول إن ما تريده إسرائيل هو إقامة منطقة عازلة مفرغة من السكان لكي لا تتمكن صواريخ حزب الله من وصول قلب شمال إسرائيل، وهناك من يقول إن هدف إسرائيل مشترك ومتفق عليه مع تركيا وأميركا وبريطانيا لاحتلال الجنوب لأنه يسهل وصول الماء من تركيا والنفط من اذربيجان. وهناك من يقول إنه تقاسم وظيفي، تحتل إسرائيل الجنوب وتستوطن فيه وتسيطر الولايات المتحدة على بقية لبنان وتقيم في مشيخة بدون دشاديش بيضاء، لتضع سوريا بين فكي كماشة أميركي، كخطوة لاحتلال كامل الوطن العربي احتلالاً مباشراً. وهناك من يرجح إخضاع الجنوب اللبناني لاحتلال جديد ، اي لقوات دولية في خدمة إسرائيل.

وقد لا يبدو مفاجئاً القول أن هذه جميعها سيناريوهات مطروحة صهيونياً، فلا تناقض بينها، بل كل واحد منها درجة في المشروع العدواني الأقصى، وما يحققه عدوان معين هو تمهيد لما قد يتحقق لاحقاً. لذا، يصبح تحديد ما تريده اسرائيل من هذا العدوان رياضة ذهنية لا أكثر. ولكن يكون المهم، أن على كل عربي أن يكون يقظاً بالمطلق، فهي حرب مفتوحة حقاً ودائمة حقاً، لذا، فإن إطلاق رصاصة يمكن أن يعني حرباً شاملة.     المهم هو، طبيعة التحالف الرأسمالي الصهيوني والكمبرادوري العربي، المهم إستهداف هذا الوطن بلا مواربة.

يرجح الكثيرون أن تسير الأمور هذه المرة باتجاه دمار شامل للجنوب، وزرع قوات دولية فيه، وتثبيت حكومة عميلة في بقية لبنان، وبعدها يمهد العدو لعدوان آخر واغتصاب آخر. لذا، ستكون المعركة المقبلة داخل لبنان، اي بين من سيلجأ لطلب القوات الدولية، ومن يرفضها كعدو دولي هدفه في النهاية ليس فقط تثبيت الارض المحتلة عام 1948 وحماية الكيان الاستيطاني، بل كذلك تمكين هذا الكيان من التوسع بحماية دولية. هل سيغير "لبنانيو أميركا" موقفهم الحالي ويطالبوا بقوة دولية وبسلاح المقاومة ورأس لبنان؟ على الأرجح نعم. ولذا، قد تكون المعركة داخل لبنان.

سيكون غريباً إيراد كل هذه السيناريوهات. فالكل يتحدث عن وقف إطلاق النار، وليكن بعد ذلك ما يكون. ولا شك أن وقف إطلاق النار أمر هام وحساس، ولكن من يطلق النار ومن ورائه لا يمكن أن يوقفها إلا إذا كان سيحقق من ورائها أكثر مما يحقق بالنار نفسها. نعم، لن يوقفوا النار لحفظ الأرواح بل لقتل أجيال المستقبل. المقصود بهذا الوقف هو الوصول إلى إبقاء الوضع الراهن، لكلٍ ما كسب، اسرائيل تبقى طبيعية،  ومن ثم .... لا قتال بعد اليوم؟ المقصود بالوقف هو وقف النار مع اسرائيل، وإشعالها بين اللبنانيين، دون إعادة الحقوق (بدءاً من عدم توطين الفلسطينيين في لبنان، وانتهاء بدمج اليهود في الوطن العربي بعد إنهاء الصهيونية) التي من أجلها كان كل ما حصل!!! ووقف النار في لبنان لاستئنافها لصالح الشرق الاوسط العميل.

فالمرحلة الحالية من سيطرة رأس المال الانجلو سكسوني على العالم، واستماتته للسيطرة بل إمتلاك الثروة والسوق العربيين، والتحكم بالنفط للتحكم بنمو عمالقة آسيا، وعجائز الامبريالية القديمة في أوروبا، وهذا لا يتحقق إلا بالحرب، وتوسيع المعركة. إنه يضع اميركا في موضع من لا يرى للحرب بديلا إلا الحرب. وهذا ما يبدو من إصرار الولايات المتحدة على عدم وقف النار رغم هزائم الدولة الوظيفية الصهيونية في الميدان البري. ومع ذلك، سوف تتوقف النار على لبنان، ولكن، على الكل أن يعرف أنها سوف تشتعل مجدداً. فهذا صراع لا حل له على المدى المرئي. وإذا توقفت النار في لبنان، فهي لن تتوقف في المعركة الشاملة معركة "الشرق الأوسط العميل"، معركة تقويض المشروع النهضوي العربي مرة وإلى الأبد.

 

لماذا قتل المدنيين والتدمير الشامل؟

لا مجال للقول أن قتل المدنيين بالمجازر وتدمير كل ما هو على الأرض كان صدفة أو بلا خطة. فكل سيناريو مما اشرنا إليها أعلاه يجعل هذا القتل والتدمير ضروريين وحتميين. ويؤكد أن وقف النار سيكون فاصلاً بين مجزرتين. فما يريده كل طرف لا يقبل به الطرف الأخر. لذلك، ليست المفاجأة هي الحرب السادسة بل هناك مفاجئتان كلتاهما في المستوى العربي:

 

الأولى:  إعادة الاصطفاف الرسمي العربي ووضوح ذلك. لقد وقفت معظم الأنظمة العربية في صف العدو، وتوجتها بفتاوى أدواتها الدينية.

 

والثانية: بروز قوة عربية معنوية وإيمانية لجمت جموح العدو، وكسرت أنفه في الميدان. لذا، كان لا بد له من التميز، ولو بذبح المدنيين بعد ان عجز عن ما تميز به دوماً. وإن كان هذا الذبح والتدمير منسجم مع نظريته المعهودة بالوصول إلى ركوع العرب كلياُ؟ لتمرير ما يريد؟

 

من دمج المفاجئتين معاً، توصل العدو إلى استنتاجين:

الأول: إن ما قامت به الانظمة العربية من حرب أهلية مفتوحة ضد الأمة العربية، ضد الطبقات الشعبية ليس كافياً للإجهاز على المشروع النهضوي العربي والتقدم بمشروع شرق أوسط عميل، ولا بد من تكميل هذه الحرب  بحرب دولية ضد الشعب العربي، والتي ستكون بدايتها قوات دولية في لبنان، قوات دولية ضد لبنان، كما هي قوات احتلال العراق، وضرب السودان وتمزيق الصومال، وتفكيك مصر طائفياً...الخ. وهذا يخالف ما توقعه كثرون، وانا نفسي في بداية هذا العدوان من أنه معركة وقد لا يتحول إلى حرب. أي أن تطورات الموقف العربي الرسمي، أو الكشف عنها، ونذالة العالم الرسمي قد تدفع وتشجع اميركا لتوسيع المعركة إلى حرب ضد هلال الممانعة.

 

والثاني: أن العدوان الحالي على لبنان يمكن توسيعه ليصبح حرباً ضد كل قوى الممانعة أو هلال الممانعة من طهران إلى بيروت. هي الحرب إذن، تبدأ بسيناريو وتنتهي بآخر، حسب التطورات على الأرض. لذا، ليس مستبعداً الهجوم على سوريا وإيران أو جرهما عبر حرق لبنان. وعند وصول هذه اللحظة تكون الولايات المتحدة قد حققت رؤيتها لمعركة مجدو! ولكن الرأسمالية هذه المرة بوشاح ديني مشوه. فهي تدرك أن لا بد من "صنعا وإن طال السفر"- وإن عظم الثمن، لا بد من التحكم بالنفط للتحكم في العالم، ولا تحكم بالنفط إلا عبر احتلال الوطن العربي وتحويله إلى فسيفساء من الانظمة العميلة.

         إن العدوان على هلال الممانعة هام وضروري. فما دامت إيران بصدد امتلاك سلاح نووي، فهذا سيحول دون شرق أوسط عميل. سيحقق توازن رعب، وبعدها يمكن أن تتخذ حروب المنطقة شكلاً اقتصادياً، لكن لهذا حديث آخر.

___________

 

     الآراء الواردة في المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع أو محرري "كنعان".

     عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى "كنعان".

     يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان "كنعان" الالكتروني: mail@kanaanonline.org