الصراع على الشرق الأوسط

بقلم: داوود الدّيك

 

في سياق الحرب المفتوحة على لبنان، تسعى الإدارة الأمريكية إلى خلق شرق أوسط جديد أو كبير. إن ما يجري في لبنان وفي فلسطين وفي العراق وما قد يتمخض عنه سيفضي فعلا إلى شرق أوسط جديد.  الكلّ يريد شرق أوسط جديد، بشروط ومواصفات وقواعد لعبة جديدة ومختلفة عن السابق.  لكن، لمن ستكون الغلبة؟! للمشاريع الأمريكية والإسرائيلية الاستعمارية، أم للحركات الوطنية وللمقاومة؟!  وفي خضم هذا الصراع المحتدم، لا يوجد مكان للحياد.

عندما طرحت الإدارة الأمريكية مشروع الشرق الأوسط الكبير عام 2004، فإنها رفعت شعار التنمية كمتطلب أساسي للدمقرطة. وعندما طرحت وزيرة الخارجية الأمريكية مؤخرا فكرة الشرق الأوسط الجديد، فإنها تسعى إلى القضاء على حركات المقاومة في المنطقة حتى لو تم ذلك من خلال التحالف مع أنظمة سياسية سلطوية وغير ديمقراطية.  وهذا يعني أن الديمقراطية أو الدمقرطة لم تعد هدفا للسياسة الخارجية الأمريكية، بل هي أداة من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية.

 

عندما طرح مشروع الشرق الأوسط الكبير، كان المستهدف فيه أساسا هو البلدان العربية، على الرغم أن المشروع كان يضم بلدان العالم العربي، وباكستان، وأفغانستان، وإيران، وتركيا، وإسرائيل.  كما أن البعض رأى فيه عدة إشكاليات ومغالطات، من أهمها:

1.     استند المشروع إلى إحصائيات عن العالم العربي فقط، ولم يورد إحصائيات عن الدول الأخرى المنضوية تحت الشرق الأوسط الكبير، أي أن المشروع موجه  بالأساس للبلدان العربية.

2.     يدمج المشروع "إسرائيل" في نسيج الشرق الأوسط الكبير، علما بأن المشروع يهدف إلى دمقرطة الشرق الأوسط ، وإسرائيل كما ورد في المشروع هي البلد الديمقراطي (الحر) الوحيد في الشرق الأوسط الكبير، أي أن إسرائيل ليست بحاجة إلى إصلاح ودمقرطة، فلماذا يتم زجّها في المشروع؟!.

3.     المشروع عبارة عن تأثير وتدخل خارجي مباشر دون التشاور مع أصحاب الشأن من القوى الحية في العالم العربي، ومع الحكومات أيضا، وفقا لمبدأ الإصلاح من الداخل.

4.     المشروع يتجاوز الحكومات ويخاطب الشعوب والمجتمعات مباشرة.

5.     المشروع يتعامل بانتقائية مع الإحصائيات والبيانات والحقائق التي وردت في تقريري الأمم المتحدة حول التنمية البشرية العربية.  فمثلا أغفل المشروع التأثير الناتج عن الاحتلال الإسرائيلي والسياسات الأمريكية العدوانية والمنحازة لإسرائيل على البلدان العربية.  حيث شدد تقرير التنمية العربية لعام 2002 على أن "الصراعات الخارجية والنزاعات الداخلية عقبات خطيرة في وجه الأمن والتنمية، وأن أكثرها ضررا هو الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية الذي يتنكر لأهم الحقوق الإنسانية للفلسطينيين.

 

وبالعودة إلى مصطلح "الشرق الأوسط"، يتبين أن الباحثين الغربيين، ومنذ الحرب العالمية الثانية، يصرون على استخدام مفهوم الشرق الأوسط للدلالة على المنطقة العربية. إن هذا المفهوم الغربي ينطوي على عدة اعتبارات ذات دلالة، لعل من أهمها أن هذه المنطقة لا تسمّى باسم ينبثق من خصائصها أو طبيعتها، بل سميت دائما من حيث علاقتها بالغير.  كما أن مصلح الشرق الأوسط ليس من المناطق الجغرافية المتعارف عليها، بل هو تعبير سياسي يترتب عليه دائما إدخال دول غير عربية في المنطقة، وفي أغلب الأحيان إخراج دول عربية منها.  إن الشرق الأوسط في الكتابات الغربية عبارة عن منطقة تضم خليطا من القوميات والسلالات والأديان والشعوب واللغات، فالقاعدة فيه التنوع والتعدد والاستثناء هو الوحدة.

وإذا ما أردنا التعامل مع مشروع الشرق الأوسط الكبير على أنه مشرع تنمية ومن ثم دمقرطة، فإن ذلك يعيدنا إلى نظريات قديمة كنظرية الحداثة أو التنمية، التي وضعها علماء السياسة في أمريكا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي لتعزيز الهيمنة على دول العالم الثالث وإخضاعها.  لقد تصور هؤلاء أن محاكاة النموذج الغربي بمؤسساته وقيمه هي السبيل الأوحد للتنمية في العالم الثالث وبالتالي الدمقرطة.  لقد رفض العالم الثالث تلك النظريات واعتبرها أداة من أدوات الصراع في الحرب الباردة وشكلا آخر "للاستعمار الجديد"، وأثبتت التجارب التاريخية فشل تلك النظريات.  فقد حققت دول لم تسمع بالديمقراطية تقدما سياسيا واقتصاديا مثل اليابان، وحققت دول أخرى تقدما في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في ظل نظم استبدادية مثل كوريا وسنغافورة والصين.

 

أما على الصعيد السياسي، فإن المشروع ما هو إلا برنامج سياسة خارجية للإدارة الأمريكية.  وهذا يثير علامات استفهام كبيرة بشأن مصداقية وجدّية الإدارة الأمريكية في تصوراتها للديمقراطية في العالم العربي. بعبارة أخرى، فإن الإدارة الأمريكية غير جادّة في توجهها لدعم الديمقراطية في الشرق الأوسط.  وقد جاء هذا المشروع لتحقيق جملة أهداف سياسية منها: إيجاد مبرر سياسي لشرعنة الحرب على العراق ولإرهاب دول الجوار بهدف عدم التدخل في الشأن العراقي، وتحييدها بل وتجنيدها لمحاربة القوى السياسية المناهضة والمقاومة للوجود الأمريكي في المنطقة.

من جهة أخرى، فإن القوى التي تقود أميركا (من اليمين المحافظ حتى الفريق البيروقراطي) متفقة على أهداف الولايات المتحدة الرئيسية:تحقيق المصالح الاقتصادية الأميركية بعيدة المدى في آسيا وأوروبا عبر التحكم بالنفط العربي والعراقي، وعبر خلق قواعد عسكرية أميركية شرق آسيا أو آسيا الصغرى أو أوروبا، ضرب بؤر "الإرهاب" من خلال خلخلة الوضع السياسي لبعض الدول العربية.

 

باختصار، فإن مشروع الشرق الأوسط الكبير أو "الجديد" ما هو إلا أجندة خاصة لليمين المتطرف داخل الإدارة الأميركية يهدف إلى إعادة صياغة الشرق الأوسط وفق المصالح المشتركة التي يتطلبها التحالف الاستراتيجي بين إسرائيل وأميركا.  وأن المحرك الأساسي وراء المشروع هو حماية إسرائيل كهدف حيوي من خلال تفكيك العراق ودول أخرى، وبالتالي ضمان هيمنة إسرائيلية مطلقة ومنفردة على المنطقة.

إن حالة التخلف الاقتصادي والتنموي العربي التي ينطلق منها مشروع الشرق الأوسط الكبير، إنما هي نتاج الواقع العربي الذي نما في ظل حالة من القهر والإغلاق المحكم من قبل الأنظمة الاستبدادية العربية المدعومة من الغرب.  إن الخروج من هذه الحالة إلى حالة من التنمية والدمقرطة يتطلب فضّ التحالف الذي دام في المرحلة الماضية بين الاستبداد (السلطة والنخب) وبين الغرب، وأن هذا التحالف هو الذي قاد المنطقة إلى ما هي فيه.

 

ومهما حاولت الإدارات الأمريكية تجميل مشروع الشرق الأوسط من خلال زجّ موضوع التنمية والديمقراطية كمغريات، إلا أن هذا المشروع يبقى برنامج وأداة للسياسة الخارجية الأمريكية.  حيث تواظب الإدارة الأمريكية الحالية على القول بأن تعزيز الاحترام لحقوق الإنسان يشكل جانبا مركزيا في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وأن هذا الالتزام تمليه القيم التي نشأت عليها أميركا وينبع من مصالحها الإستراتيجية الثابتة.  وأن الولايات المتحدة جاهزة للعمل مع الحكومات الأخرى ومع المجتمعات المدنية لمنع إساءة استخدام السلطة وانتشار الإيديولوجيات التي تجرّد المرء من إنسانيته، وتنتج البؤس واليأس وتقود إلى عواقب دولية سياسية واقتصادية وإنسانية مدمرة.

إن السياسة الخارجية الأمريكية بعد هجمات 11/9 أظهرت أن ترويج الديمقراطية وحقوق الإنسان في ظل "الحرب على الإرهاب" يشوبه التناقض والتوتر لأن استحقاقات الديمقراطية تتناقض مع استحقاقات الأمن.  لقد قلبت أحداث 11 أيلول الموازين، فأين وكيف سيتم ترويج الديمقراطية؟  صحيح أن الحرب على الإرهاب رفعت من شأن الديمقراطية كقضية سياسية، إلا أن ذلك أوجد تناقضين رئيسيين: فالحرب على تنظيم القاعدة يتطلب التخلي عن القيم والمعايير الديمقراطية، والتعاون مع أنظمة سلطوية غير ديمقراطية في الشرق الأوسط وآسيا مثل السعودية وباكستان ودول آسيا الوسطى.  في نفس الوقت بدأ المسئولون الأمريكيون والمحللون والخبراء السياسيون يعتقدون أن غياب الديمقراطية في هذه الدول يوفر مناخا خصبا لنمو ظاهرة التطرف الإسلامي.

وللتدليل على هذا التناقض في السياسة الخارجية، لا بد من ذكر عدة أمثلة. باكستان، على سبيل المثال، دليل على هذا التناقض وهذا الانفصام في السياسة الخارجية.  فالتعاون مع باكستان في الحرب المزعومة ضد الإرهاب، جعل إدارة بوش تثني على "برويز مشرّف"، وتمتدحه وتغدق عليه المساعدات والامتيازات، مع دعوات خجولة لتعزيز الديمقراطية. في حين أن تعزيز الديمقراطية يقتضي انسحاب العسكر من الحياة السياسية ووضع حد للفساد.

ولو أخذنا آسيا الصغرى، فإن دول هذه المنطقة تشكّل معضلة للسياسة الخارجية الأميركية في مسعاها للتوفيق بين الديمقراطية والأمن.  فحاجة أميركا للقواعد العسكرية والتعاون الأمني جعلها تتقارب مع الأنظمة السلطوية في أوزبكستان وكازخستان وقرغيستان. 

كذلك الحال في أفغانستان، حيث أن الإطاحة بحكم طالبان اعتبرت خطوة نحو تحقيق الديمقراطية والاستقرار.  لكن العمليات العسكرية الأميركية بعد ذلك، تقوض إمكانية إعادة البناء الديمقراطي.  إن دعم تجار الحرب وتجار المخدرات تحت مبرر ملاحقة أفراد تنظيم القاعدة، مكنهم من تعزيز سيطرتهم ونفوذهم على الأرض.  وهذا أضعف حكومة كارازاي وجعلها تفتقد الشرعية والمصداقية في إحلال السلام وتوفير الأمن.  وإذا ما استمرت الأمور على هذا النحو، فإن أفغانستان تسير باتجاه حرب أهلية.  وبهذا تتبخر وعودات أميركا وتتهاوى شعاراتها بشأن جلب الديمقراطية والأمن والاستقرار للأفغان.

 

أما في الشرق الأوسط، فقد عادت أميركا إلى حلفائها السلطويين التقليديين(مصر والسعودية ) في حربها ضد القاعدة وضد حركات المقاومة عموما.  ولم تمارس الولايات المتحدة  في السابق ضغوطا حقيقية على حلفائها، بل نظرت إلى السلطوية كعامل استقرار يحقق مصالحها الأمنية والاقتصادية.  وفي السنوات الأخيرة بدأت تخرج أصوات من إدارة بوش تتساءل عن جدوى الصداقة مع الطغاة في الشرق الأوسط.  وفي أعقاب أحداث 11 أيلول، بدأ ينظر إلى السعودية  على أنها ممولة للتطرف.  وبدأ هؤلاء يطالبون الإدارة الأمريكية بتغيير سياستها في الشرق الأوسط باتجاه تعزيز وترويج الحرية والديمقراطية.  والهدف قطع دابر التطرف من خلال ترويج الديمقراطية في العالم العربي، ليس بطريقة تدريجية وبطيئة، بل من خلال القوة إذا اقتضى الأمر ذلك.

انجذب بوش إلى هذه الفكرة، وجاءت أولى الخطوات من خلال الحديث عن ترويج الديمقراطية في "المناطق الفلسطينية" من خلال ربط المساعدات بمدى التقدم في الإصلاحات وإيجاد قيادة فلسطينية أكثر ديمقراطية.  وثاني الخطوات العمل على تغيير نظام صدام حسين ومساعدة العراق في الانتقال إلى الديمقراطية انطلاقا من أن خلق نموذج ديمقراطي في العراق سيكون له تأثيرات إيجابية على عملية الإصلاح والتحول الديمقراطي في العالم العربي والإسلامي.  وكذلك، زيادة الضغط على الأنظمة السلطوية في المنطقة ومكافأة الأنظمة التي خطت خطوات في مجال الإصلاح مثل البحرين وقطر.

إن هذه التوجهات، مبنية على افتراضات يجب فحصها:

أولا: الإطاحة بنظام صدام وتحويل العراق إلى نموذج للديمقراطية في المنطقة، فرضية مضللة وبدأت تظهر بوادر زيفها وعدم صدقيتها.  نعم تمت الإطاحة بنظام صدام، لكن نجاح الإدارة الأميركية في نقل العراق إلى الديمقراطية أمر لا يزال بعيد المنال وغير مؤكد.

ثانيا:إن تجربة الولايات المتحدة في الإطاحة بالحكام الديكتاتوريين في بنما وهاييتي وغرينادا، أثبتت أن الحياة السياسية بعد التغيير سرعان ما تعود إلى سابق عهدها.

ثالثا:تغيير النظام في العراق ودمقرطة السلطة الفلسطينية سيؤدي إلى موجة ديمقراطية في المنطقة، أمر صعب وبعيد المنال.  إن تغيير النظام في العراق سيذكي نار الكراهية لأمريكا في المنطقة، وسيقوي الجماعات الإسلامية، ويدفع بالأنظمة السياسية العربية إلى مزيد من السلطوية، وسيعطل ويعرقل الانفتاح السياسي في المنطقة.  كما أن دمقرطة السلطة الوطنية الفلسطينية التي هدفت أساسا إلى شطب الرئيس الراحل ياسر عرفات، انتهت بتتويج حركة حماس على سدّة الحكم.

يتضح مما سبق أن سياسة الإدارة الأميركية في العالم بشكل عام وفي الشرق الأوسط بشكل خاص تقوم على تغليف المصالح الأمنية بغطاء الديمقراطية، وبالتالي تخلق تعارضا بين ترويج الديمقراطية وبين سعيها إلى قطف ثمار سياسية لتعزيز المصالح الأمنية.  مثلا هناك تعارض بين الديمقراطية كهدف والديمقراطية كوسيلة خصوصا فيما يتعلق بالضغط الأميركي باتجاه الإصلاح الديمقراطي في السلطة الفلسطينية.كيف؟ الإدارة الأميركية دعمت الإجراءات والتحضيرات للانتخابات الفلسطينية، وجاءت النتائج متعارضة ومتناقضة مع أهداف السياسة الأمريكية عندما أفرزت الديمقراطية الفلسطينية حكومة وبرلمانا حمساويين.

إن اهتمام الإدارة الأميركية بموضوع الديمقراطية يبقى محكوما بسقف المصالح السياسية والأمنية.  ثم إن تحويل مفهوم الدمقرطة إلى مجرد وسيلة أو ذريعة للوصول إلى نتائج سياسية تخدم المصالح الأميركية، يفقد المفهوم شرعيته وقيمته. )داوود الديك:aldeekd@yahoo.com)