قانا الحسناء ، ما قتلوك و إنما خلدوك

المصطفى صوليح*

El Mostafa Soulaih

فتح قوس :

 وجهُ قانا..
شاحبٌ كما وجهُ يسوع
وهواءُ البحرِ في نيسانَ،
أمطارُ دماءٍ ودموع  نزار قباني .

تقديم :

مدينة قانا الحالية ، في جنوب لبنان ، هي مدينة قانا الجليل الإنجيلية . و يروي التاريخ أن موقعها قد شهد وقوع أولى معجزات السيد المسيح : تحويل الماء إلى خمر وشفاء ابن قائد المائة.  و يحكي التاريخ أيضا أنه في قانا هاته أظهر السيد المسيح مجده فآمن به تلاميذه. ونزل بعد ذلك إلى كفر ناحوم هو وأمّه وإخوته وتلاميذه، فأقاموا فيها بضعة أيّام ، كما تكشف الحفريات  و الكتابات القديمة المستكشفة بها عن أن قانا هي مدينة وديعة و مسالمة و كانت بارعة في عمارتها الكنائسية ... فهل من علاقة بين المجزرتين اللتين تعرضت إليهما هذه القرية / المدينة في 18 أبريل 1996 و 30 يوليوز 2006 من قبل الدولة الصهيونية و بين الإستراتيجية التاريخية للعبرانيين الرامية إلى تقويض كل الشواهد المادية عن أسطورية فكرة   أرض الميعاد   ؟ و هل من علاقة بين ذلك و بين ملامح شخصية الشرق الأوسط الجديد التي ما فتئ الحديث حول رسمها يجري ، على الأقل ، منذ مطلع العقد الأخير ؟ بطبيعة الحال ، لن أغامر بالقطع في هذا الصدد ، فأنا لا أفسر الأحداث و الوقائع بالعامل الواحد . و لكني إذ أتساءل و أكتب فإنما لأؤكد أن ما يحدث في لبنان و في فلسطين كما في كل منطقة الشرق الأوسط لا يحدث بشكل عرضي أو اعتباطي .

ــ مجزرة قانا - الخميس 18 أبريل 1996 :

ما الذي حدث ، بالضبط ، في هذا اليوم ؟ في إطار العملية العسكرية المعروفة باسم " عناقيد الغضب " التي كانت إسرائيل قد أطلقتها ضد لبنان ، تحين مركز القرار الصهيوني فرصة لجوء قرابة 800 من السكان اللبنانيين المدنيين هربا من جحيمها إلى مركز قيادة فيجي التابع ليونيفل في مدينة قانا فأعطى تعليماته حوالي الساعة 14:00بقصف هذا المركز ، الأمر الذي أدى إلى مقتل 106 مدني وإصابة الكثير بجروح غالبيتهم نساء وأطفال.،مع العلم بأن أربعة من جنود الأمم المتحدة أصيبوا هم أيضا بجروح من جراء ذلك .

عن هذه المجزرة يكفي إدراج ما كتبه أحد الصحفيين الإسرائيليين قائلا : "إننا مقتنعون إلى درجة لا تقبل الشك أن حياة الآخرين ليست بالأهمية التي نوليها لحياتنا طالما أن البيت الأبيض ومجلس الشيوخ وصحيفة نيويورك تايمز طوع بناننا. ونحن نؤمن إيمانا مطلقاً انه، طالما أن لدينا ايباك (اللوبي اليهودي الرسمي في أمريكا) وبرونفمان (رئيس المؤتمر اليهودي العالمي) ورابطة الدفاع اليهودية وديمونة (المفاعل النووي) وياد فاشيم (نصب ضحايا المحرقة) ومتحف المحرقة، من حقنا أن نبلغ 400 ألف شخص أن أمامهم ثماني ساعات لإخلاء منازلهم ومن حقنا أن نتعامل مع منازلهم بعد انقضاء الساعات الثماني كأهداف عسكرية ومن حقنا أن نلقي ستة آلاف قذيفة على المناطق الآهلة والقرى والبلدات ومن حقنا أن نقتلهم من دون أن نشعر بأي ذنب".

هل أبدت إسرائيل نوعا من الأسف على مجزرتها هاته ؟ الواقع أن إسرائيل في هذه المرة لم تبذل أي جهد من أجل إخفاء طبيعتها العنصرية ، فحكومتها لم تأمر بإجراء أدنى تحقيق حول مجزرتها ، و شككت في محتوى تقريرين دوليين صدرا في شأن المجزرة ، و حالت دون وصول أخبار الضحايا إلى الإعلام معتبرة و كأن الذين قتلوا بسبق إصرار و ترصد منها بواسطة سلاحها ما هم سوى ثلة من جمهور غفير لا بد من قتله جميعه ...

و ماذا كان ، آنذاك ، موقف الجهاز الأممي الموضوع أصلا لحماية الأمن و السلم في العالم ؟ بالفعل ، فيما وقف العالم مشدوها أمام فظاعة الجريمة و طالب شرفاؤه بإجراء تحقيق حيدي و اعتبار ما وقع بمثابة جريمة حرب و محاكمة المسؤولين عليها و تمكين الضحايا من تعويضات مستحقة لهم ، اجتمع أعضاء مجلس الأمن لاستصدار قرار يدين إسرائيل ولكن الولايات المتحدة أجهضته باستخدام حقها في النقض (الفيتو)، و بالتالي استمرت الصبية إسرائيل المدللة من قبل هذا المجلس تعيث في المنطقة تدميرا و في أهلها تقتيلا .

ــ مجزرة قانا فجر الأحد 30 يوليوز 2006 :

من عملية " عناقيد الغضب " في سنة 1996 إلى عملية " استرجاع الجنديين المأسورين " مع " اجتثاث الإرهاب و الشر من جذورهما " في سنة 2006 ، لم يوفر إرهاب الدولة الصهيونية لأهالي قانا مزيدا من الوقت يسعفهم في أن يبرأوا من مأساة فقدانهم لأفراد من أسرهم و مواطنيهم و في أن يعيدوا ترميم مبانيهم ، فبحجة تدمير منصة لإطلاق صواريخ يسددها حزب الله تجاه الشمال الإسرائيلي عادت إسرائيل أثناء عدوانها الأخير على لبنان إلى تركيز قصفها الهمجي ، خلال فجر يوم الأحد 30 يوليوز 2006 ، على عمارة في قانا متألفة من ثلاثة طوابق ، كان قد لجأ إليها نازحون من قرى مجاورة ، خاضعة للقصف بدورها، انضموا إلى سكانها ، مما أسفر عن مقتل ما يفوق 60 لبناني و لبنانية أكثر من نصف هذا العدد ، أي 37 ، كان من الأطفال الصغار .

و رغم أن العالم أفاق على أبشع جريمة جديدة ضد الإنسانية ، أغلب ضحاياها أطفال أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم لبنانيون أراد آباؤهم حماية حياتهم من بطش " مشروع الطيبة " العسكري الإسرائيلي ، فأودعوهم في الطابق السفلي من العمارة إياها ، و رغم أن دولا عديدة شجبت الفعل الإجرامي الإسرائيلي ، و رغم أن الأمين العام للأمم المتحدة ، المسكين ، لم يطلب من مجلس الأمن ، في جلسته الطارئة القصيرة المنعقدة بطلب من لبنان ، سوى إصدار إدانة للغارة الإسرائيلية و دعوة إلى وقف إطلاق للنار تساوي بين إسرائيل و حزب الله ، فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم يفتها التأكيد على أن إسرائيل ستحتفظ بحق مهاجمة المواقع التي يتم فيها الإعداد لشن هجمات على أراضيها ، كما لم يفت إسرائيل نفسها الإلحاح على أنها لن تستسلم لمسلحي حزب الله الذين يطلقون الصواريخ على أراضيها ، و ذلك بعد أن ردد رئيس وزرائها ، إيهود أولمرت ، كلاما لقادة عدوانه مفاده " إن قانا بؤرة لمسلحي حزب الله الذين اتخذوا من المدنيين دروعا بشرية." و " إنه تم تحذير السكان منذ عدة أيام بمغادرة المنطقة ".

و حتى حين وافقت إسرائيل على تعليق غاراتها الجوية على جنوب لبنان لمدة 48 ساعة اعتبارا من الاثنين 31 يوليوز 2006 بدعوى السماح للتحقيق في مقتل أكثر من 60 شخصا، معظمهم من الأطفال في قانا، فإنها تزعم بأنها تنسق مع الأمم المتحدة من أجل إفراغ جنوب لبنان خلال أجل لا يتعدى 24 ساعة ممن تبقى من سكانه و إن قواتها البرية لم تتوقف عن التوغل في شتى قرى الجنوب اللبناني ، بل إن عددا من هذه القرى أضحت فارغة بالتمام إلا من جثث انتزعت أرواحها قذائف المدفعية الصهيونية .

ــ المجزرتان ، هما معا ، جريمتان من جرائم الحرب : إن المجزرتين معا تتوفر فيهما مختلف الأركان التجريمية المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني و أعرافه ، فقد تضمنتا هجومات عسكرية استهدفت مدنيين و شملتا بعثات لحفظ السلام و وسائل لنقل الأفراد و لإسعافهم و مباني لإيواء أشخاص عزل بمن فيهم أطفال و نساء و عجزة ،، و تجمع شهادات الضحايا الناجين منهما و حالات الأفراد الذين هلكوا بسببهما أنهما تخلوان من أي من الأهداف العسكرية الممكن تحقيقها . و تشير كل المؤشرات الميدانية و كذا التصريحات الرسمية لمسؤولين إسرائيليين ، سياسيين و عسكريين هم أنفسهم بالإضافة إلى تقارير البعثات الدبلوماسية و التلفزيونية إلى لجوء إسرائيل إلى إجبار السكان على النزوح خارج قراهم و كذا خارج قانا ... فمتى و كيف يمكن إخضاع مجرمي هاتين المجزرتين لمحاكمة دولية ؟

إغلاق القوس :

كشفت قانا الستائر...
ورأينا أمريكا ترتدي معطفَ حاخامٍ يهوديٍّ عتيق
وتقودُ المجزرة..
تطلقُ النارَ على أطفالنا دونَ سبب..
وعلى زوجاتنا دونَ سبب
وعلى أشجارنا دونَ سبب
وعلى أفكارنا دونَ سبب
فهل الدستورُ في سيّدة العالم..
بالعبريِّ مكتوبٌ لإذلالِ العرب؟؟
هل على كلِّ رئيسٍ حاكمٍ في أمريكا..
إذا أرادَ الفوزَ في حلمِ الرئاسةِ
قتلَنا، نحنُ العرب؟؟ . نزار قباني

* المصطفى صوليح El Mostafa Soulaih ، كاتب ، باحث ، و مؤطر في مجال التربية على حقوق الإنسان و المواطنة . من أطر اللجنة العربية لحقوق الإنسان .

elmostafa.soulaih@menara.ma