نزع سلاح حزب الله والإصلاح السياسي مسألتان متلازمتان

د. جيمس زغبي: رئيس المعهد العربي ـ الأميركي في واشنطن


في سياق الحرب الراهنة التي تشنها اسرائيل على لبنان، وتجدد الضغوط الأميركية لفرض تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1559 الذي يدعو ـ إضافة الى أمور أخرى ـ الى نزع اسلحة الميليشيات في لبنان، فإنه لمن المهم مراجعة نتائج استطلاع زغبي انترناشيونال لآراء الجمهور اللبناني في شهر ابريل .2005
لقد اجرينا الاستطلاع بعد صدور قرار 1559 والانسحاب السوري من لبنان، ووجدنا في الاستطلاع ان الشارع اللبناني منقسم حيال عدد من القضايا، لا سيما منها نزع سلاح حزب الله، ووجدنا أيضا اجماعا حول العديد من المسائل التي لو تم العمل فيها، لأمكن تقوية الحكومة والديموقراطية في لبنان.
لقد عارض 41 في المائة من كل اللبنانيين نزع سلاح الحزب مقابل تأييد 6 في المائة فقط، وقال 31 في المائة انهم يوافقون على نزع سلاح حزب الله اذا وافق الحزب على ذلك، ولكن من المهم ملاحظة ان 79 في المائة من كل الشيعة (الذين يشكلون حوالي 40 في المائة من اجمالي سكان لبنان) يعارضون نزع سلاح الحزب.
وحين سئلوا ما اذا كان يتعين على الولايات المتحدة الضغط على سوريا من أجل نزع سلاح حزب الله، أيد هذا الطرح 26 في المائة فقط من كل اللبنانيين، وعارضه 65 في المائة، وحظي حزب الله بتأييد ثلاثة أرباع كل اللبنانيين و90 في المائة من السكان السنة والشيعة.
وحين طلب من اللبنانيين تقييم تأييدهم أو معارضتهم لعدد من الدول، حصلت سوريا على تأييد 37 في المائة، بينما لم تحصل الولايات المتحدة سوى على 30 في المائة وبرز ثمة انقسام عميق حول هذه المسألة، حيث يفضل الموارنة أميركا، بينما يفضل الشيعة والكثير من السنة، سوريا، وأبدى كل اللبنانيين معارضتهم لاسرائيل.
موقف موحد
ويمكن ان نلحظ موقفا لبنانيا موحدا حيال ثلاث قضايا مهمة، فقد أيد الحوار الوطني وتطبيق اتفاق الطائف، الذي يدعو في احد بنوده الى الغاء الطائفية السياسية، 85 في المائة من اللبنانيين و80 في المائة من كل طائفة بعينها، وحين وجه اليهم السؤال تحديدا حول ما اذا كان ينبغي تغيير النظام الراهن للحكم في لبنان، الذي يضمن هيمنة الموارنة والسنة على حساب المجتمع الشيعي الذي يشكل الأغلبية، ابدى ثلثا الشعب اللبناني تأييدهم لنظام 'رجل واحد صوت واحد لاختيار رئيس الجمهورية'.
وعلى ضوء نتائج هذا الاستطلاع، يجب ان نأخذ حقيقتين اثنتين بعين الاعتبار:
الأولى، انه بعد 22 عاما من الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان، هناك استياء واسع النطاق من اسرائيل، وبالتالي من الولايات المتحدة التي ينظر اليها كداعمة للسلوك الاسرائيلي في لبنان، وخلال هذه الفترة، اكتسب حزب الله ـ لمقاومته الاحتلال ـ تأييدا شعبيا قويا كحركة مقاومة.
الثانية، الذي يعزز هذا الاتجاه استمرار الاحساس لدى الكثير من الشيعة بأنهم مجموعة محرومة في لبنان. ومع استمرار مجموعات أخرى في الامساك بالمراكز المهمة في البلاد، وفقا لتوافق جرى قبل 70 عاما، فإن استقلالية 'حزب الله' العسكرية وقوته السياسية، منحت الشيعة مزيدا من النفوذ والقدرة على التعبير عن النفس داخل النظام اللبناني، صحيح ان هناك بعدا سوريا ـ إيرانيا للمسألة، ولكن من الخطأ التركيز عليه واهمال الدينامية اللبنانية الداخلية.
ما الذي يجب عمله؟
من الواضح ان من المتعذر الدفاع عن الوضع الراهن، فالأعمال المتهورة الأخيرة التي قام بها حزب الله، اعطت اسرائيل الذريعة لشن هجوم واسع وغير متكافئ على لبنان، مما أدى الى مقتل المئات من الأبرياء اللبنانيين والحاق ضرر هائل بالبنية التحتية والاقتصاد، ولأن الحزب تصرف دون تنسيق مع الحكومة المركزية، فقد تعرض للانتقاد من رئيس الحكومة والأغلبية في الحكومة، وذلك قبل ان يتضح حجم الهجوم الاسرائيلي.
وحتى تكون كاملة الحرية والسيادة، يجب على الحكومة اللبنانية ان تبسط سيادتها على كل أراضي الدولة، ولكن لا ردود اسرائيل الوحشية ولا الضغوط الأميركية ستفيد الحكومة اللبنانية، كما انها لن تحطم التأييد الذي يحظى به 'حزب الله' بين شريحة واسعة من اللبنانيين أو تجبره على نزع سلاحه، واذا كان من نتيجة للهجوم الاسرائيلي، فإنها تعميق استياء اللبنانيين، وبالتالي، تعزيز التأييد لحزب الله.
وباختصار، فإنه في حين ان من المهم تقوية الحكومة اللبنانية وتطبيق قرار مجلس الأمن رقم ،1559 الا ان هذه من القضايا السياسية التي تجب معالجتها محليا.
أولا، يجب ان يكون هناك وقف لاطلاق النار وانسحاب اسرائيلي من جنوب لبنان، وترتبط بذلك الكثير من المسائل مثل الوجود المؤقت لقوة دولية للحفاظ على وقف اطلاق النار وتبادل الأسرى، واغلاق ملف مزارع شبعا، ووقف شحنات الاسلحة الى لبنان، والتزام المجتمع الدولي بتقديم مساعدات إنسانية عاجلة، ومساعدة الحكومة اللبنانية في اعادة إعمار البنية التحتية.
بين لبنان وإيرلندا
ولكن حل القضايا الأكثر جوهرية يتطلب التركيز على مساعدة لبنان في اعادة بناء نظامه السياسي والتزام جميع الاطراف في لبنان بتنفيذ الجزء الأخير من اتفاق الطائف والمتعلق باعادة هيكلة النظام السياسي في لبنان ونزع سلاح حزب الله، ويجب السير بكل هذه الاهداف في وقت واحد، ويجب تقوية حكومة لبنان لبسط سيطرتها على كل الأرض اللبنانية، وهو الأمر الذي لن يتأتى الا اذا نالت تأييد كل شرائح المجتمع اللبناني، بمعنى آخر، يجب على حزب الله نزع سلاحه والتحول الى حزب سياسي، وان تعمل قواته تحت أمرة الجيش اللبناني. وفي الوقت ذاته، يجب ان يفسح النظام اللبناني مساحة أكبر للطائفة الشيعية على كل المستويات.
ان الطلب من الحكومة اللبنانية السيطرة على الجنوب ونزع سلاح حزب الله بالقوة دون تغيير النظام السياسي في البلاد ينطوي على مجازفة احياء الحرب الأهلية. وفي الوقت ذاته، فإن اصرار حزب الله على الاحتفاظ بقواته سيرجئ اي اصلاح في لبنان ويطيل أمد تهميش الطائفة الشيعية.
وبينما هناك اختلافات واضحة، الا ان هذا النهج يشبه عملية السلام في ايرلندا الذي ارتبطت فيه عملية الاصلاح السياسي مع نزع الاسلحة، وحتى يكسب لبنان، فإن هناك ثمنا لا بد ان يدفعه كل طرف.
على مدى الأسبوعين الماضيين، كان كلا طرفي النزاع في الشرق الأوسط يردد مقولة 'أزمة اشتدي تنفرجي' متجاهلين ان الاشياء كثيرا ما تتجه الى المزيد من السوء، لا الانفراج، وربما يكون الأكثر ملاءمة للوضع الراهن هو المثل اللبناني 'لا غالب ولا مغلوب'، فالوسيلة الأمثل لانهاء الصراع هي بوقف اطلاق النار والعمل على حل المشكلات العالقة.
لقد أدى العمل الاستفزازي لحزب الله والهجوم الإسرائيلي الرهيب، الى تعقيد الأمور أكثر فأكثر.. وستحتاج جروح هذه الحروب وقتا طويلا حتى تبرأ، ولبنان اليوم بحاجة الى ما كان بحاجة اليه في عام 1990 في نهاية الحرب الأهلية: نظام سياسي تمثيلي يفتح ابوابه للمحرومين من شيعة الجنوب، وهذا ما يحافظ على خصوصية لبنان كبلد يحمي الحرية لجميع طوائفه.
والحل يجب ان يجده اللبنانيون بأنفسهم دون التهديد باستخدام القوة لا داخليا ولا خارجيا.