هل تتناقض العروبة مع الشرق أوسطية ؟ (*)

الدكتور عبدالله تركماني

 

تثير محاولات فرض الشرق الأوسط الجديد تساؤلات عديدة يبدو أنّ من أهمها: طبيعة العلاقة بين العروبة والشرق أوسطية ؟ لقد رأى بعض الخبراء والمحللين أنّ العلاقة بين العروبة والشرق أوسطية ليست بالضرورة متعارضة، بل هي علاقة تعايش على نحو ما، ذلك لأنّ " النظام العربي لا يقوم في منطقة كلها عربية، وإنما في حيّز جغرافي يضيق أو يتسع طبقا لمنظورات سياسية واقتصادية وأمنية متعددة، يعرف باسم الشرق الأوسط، حيث توجد بلدان غير عربية لها بالضرورة مصالح، بعضها مشروع وبعضها غير مشروع في المنطقة، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإنّ العروبة تسجن وتقيِّد نفسها سياسيا واقتصاديا وأمنيا إذا لم تنفتح بأسلوب واعٍ محسوب الخطى، مع كل ما في إقليمها الشرق أوسطي من حضارات وثقافات وهويات وأسواق، وتتبادل معها المنافع. من هنا فإنّ النظام العربي المسؤول مطلوب منه أن يكون بقوته الجماعية شريكا في نظام إقليمي أوسع، والنظام الإقليمي بدوره ليس بديلا عن أي وضع للنظام العربي ".

وفي الواقع، يتنازع المنطقة وقادة الرأي فيها، فيما يتعلق بالاستراتيجية الأمريكية في المنطقة حول الشرق الأوسط الجديد، تياران: أولهما، يراهن على مصداقية الدعوات الأمريكية الداعية إلى احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة العربية ويرى في الضغوط الأمريكية مخرجا لبعض أزمات المنطقة. وثانيهما، يرى ضرورة تعبئة الإرادة العربية الرسمية والشعبية لتدشين مواجهة ساخنة وحاسمة مع الإدارة الأمريكية، مبررين ذلك بأنّ الأخيرة لا تستهدف فقط قوى التحرر الوطني، بل أيضا وجود الدول العربية ذاته، والتي يراها أنصار هذا التيار مجبرة على الانخراط في هذه المواجهة كمدخل قومي للخروج من الأزمة الراهنة.

ويعيب هذه الرؤية افتقارها للشفافية في معالجة الأسباب والجذور الحقيقية للأزمة العربية، ومن ثم افتقادها القدرة على تمكين الإرادة العربية من التعامل مع الاستراتيجية الأمريكية بصورة تضمن صيانة المصالح العربية العليا. إذ أنّ الرؤية الموضوعية والواقعية تقتضي تجنب الانصياع الأعمى للإرادة الأمريكية وكذلك تجنب الدخول في مواجهة معها باعتبار أنّ الإقدام على أحد هذين الأمرين هو انتحار سياسي، الأمر الذي يقتضي حلا عربيا وسطا يمكّن الأمة من التعاطي مع مخاطر الشرق أوسطية على العالم العربي ويقلل من أضرارها، من خلال الشروع في إصلاحات حقيقية تمكّن الشعوب العربية من حماية حقوقها والمشاركة في تقرير مصير مستقبلها.

ومهما كان الحال، لا يجوز الدفاع عن الأمر الواقع العربي الراهن الذي استنفد طاقة المجتمعات العربية وجعل منها بؤرة للطغيان والإرهاب والفساد. باختصار يدور الأمر حول وحدة معركة الحرية: استقلال الوطن وحرية المواطن والإنسان، التحرر من السيطرة الخارجية لا كبديل عن الحرية السياسية والثقافية وحقوق الإنسان بل كأفضل شرط لتحقيقها.

لا حل أمام هذا الخطر المحدق بالأمة إلا بتفكيك بنية الاستبداد في أغلب الدول العربية، وإجراء إصلاحات عميقة وحقيقية: ديموقراطية حقيقية، احترام كامل لحقوق الإنسان، منع الرشوة والمحسوبية والفساد، المساواة التامة بين المواطنين، المساواة بين الرجل والمرأة، تعميم التعليم والمعرفة. وإذا ما فاتنا تحقيق هذا الإصلاح فلن يأتي البديل بيد "عمرو"، بل لا بديل إلا أن نرى أنفسنا وقد تردت أوضاعنا أكثر بكثير وازدادت اتساعا الهوة بيننا وبين العالم المعاصر.

لقد غدا مطلوبا استعادة خيار القوة، باعتباره خيار مركب من جملة إجراءات وتدابير تمس مجمل حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وخاصة ما يتعلق منها بإطلاق مبادرات المجتمع المدني، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية بفتح المجال لجميع القوى والتيارات الوطنية، بهدف إعادة صياغة المشروع الوطني والقومي على قاعدة ديمقراطية صلبة.

وفي الوقت نفسه، سيصبح ضروريا إعادة تحديد الأولويات ومراجعة الأهداف المزمع تحقيقها، ليتم التركيز على متطلبات الإصلاح السياسي وتكريس القواعد الديمقراطية وبناء المؤسسات الدستورية ومعالجة المشاكل المعيشية وتحديث الهياكل والبنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتحقيق التنمية والارتقاء بمستويات القدرة العربية على الانفتاح على العالم الخارجي والتعامل معها من موقع الشراكة المنفتحة والمجدية، في ظل توجهات العولمة التي لم يعد هناك مجال لتجاهل آثارها على الأقطار العربية.

والأهم من ذلك، سيكون العمل على توفير القدرة العربية على التكيّف الإيجابي مع الأوضاع السياسية والاقتصادية والاستراتيجية الجديدة المحيطة بهم، على المستوى الإقليمي المباشر وعلى الصعيد العالمي الأشمل. وهذا لن يكون ممكنا إلا إذا تمكّن العرب من صياغة استراتيجيات مشتركة تكفل لهم التعاطي المجدي مع التحديات والتهديدات المشتركة، وكذلك اقتناص الفرص المحتملة، بهدف تحقيق الحد الأدنى الممكن من أهدافهم وأولوياتهم ومصالحهم المشتركة.

 

تونس في 31/7/2006 الدكتور عبدالله تركماني

كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

(*) نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية 2/8/2006 .