لتحيا المقاومة

سعاد جروس: الكفاح العربي 22/7/2006

بعد أكثر من ثلاث سنوات على احتلال العراق, مضت بكل مرارة وإحباط وتسليم بالقضاء والقدر الأميركي, جاءت المقاومة اللبنانية مضيئة بلون الشمس, لتهدي حياتنا العربية الحالكة فجراً جديداً, ونصراً بطعم الشهد. نعم, المقاومة على طريق الحقيقة اليوم, وقريباً النصر, حتى لو لم تحسم المعركة بعد, وأياً كانت النتائج العسكرية على الأرض, فالانتصارات الأهم تحققت.
أولها, على صعيد الداخل العربي, أن حزب الله الذي دخل المعركة وحيداَ وبكل بسالة وتحد, قبل بخوض حرب مفتوحة وشرسة مع عدو مدعوم دولياً, لم ينقصه أيضاً الدعم العربي, في ظرف باتت تُفصَّلُ كل القرارات الدولية الخاصة بالمنطقة على مقاس وقاحته وغطرسته. هذه الخطوة الجبارة, تعتبر بحد ذاتها نصراً لا مخاطرة أو تهوراً, فقد تمكن حزب الله خلال عشرة أيام من تبديد أوهام عمرت أكثر من 58 عاماً, وفضح كذبة ضعف العرب وعجزهم عن مواجهة الترسانة الإسرائيلية. كذبة روجتها الأنظمة من أجل بقائها, وشكل دوام إسرائيل كعدو متربص خلف الحدود دواماً لعروشهم وتسلطهم, واستمراراً لنهب خيرات البلاد. نعم, من مصلحة الأنظمة بقاء البعبع الإسرائيلي قائماً لستر عورات استبداد طال واستفحل وتمكن, لذلك كان التآمر هذه المرة على مقاومة الشعوب العربية واضحاً لا لبس فيه, فلا تكهنات ولا اتهامات, ولا تسميات للأشياء مستعارة من دهاء دبلوماسية باتت مكشوفة. فالأنظمة كما ثبت بالدليل القاطع لا تحارب, وإنما الشعوب, وما من معركة دخلتها كان حليفها النجاح كما حال معركة المقاومة الآن. إذ ما من معركة خاضتها الجيوش النظامية, إلا وتم التوافق على لفلفتها. وكانت إما تحريكاً لمواقف راكدة, أو إحرازاً لنصر جزئي, أو تُمنى بهزيمة شعواء. وحدها المقاومة المتحررة من المؤسسات المحلية والدولية آمنت بالمواجهة, رغم عدم التكافؤ. وها هي انتفاضات الشعب الفلسطيني والجنوب اللبناني البطل تشهد.
الانتصار الثاني على صعيد المخططات الدولية, جاء من قفزة جريئة لحزب الله, بإعادة تعريف العدو الأول للعرب بأنه إسرائيل, بعد سنوات من تفتيت الجبهات في مختبر العراق الجهنمي, بعد فرزه شعبه وفق اصطفافات طائفية ومناطقية وقومجية, ليتم تصديرها إلى دول المنطقة بهدف خلق أعداء غير إسرائيل في المنطقة, ولنصبح أعداء بعضنا بعضاً, فبات هناك عدو شيعي وسني ومسيحي, ومثلهم عربي وكردي, تضاف إليها عداوات إقليمية, ليغدو اللبناني عدو السوري... وهلمجراً. أما إسرائيل فعدو مختلف على عداوته, والأصح ضمن مجموعة صديقة على رأسها اميركا, لاسيما بعد إسقاط النظام العراقي, فلم تعد إسرائيل تظفر إلا بنصيب مشكوك فيه من عداء بات قديماً, والأجدى التغاضي عنه, عداء أخذ بالتضاؤل إلى درجة التلاشي بعد اغتيال الرئيس الحريري, حتى بلغت الجرأة بالبعض وبكل وقاحة حد إسقاط صفة العدو عنها. إلا أن المقاومة التي جذبت قلوب العرب وأرواحهم أعادت توجيه الدفة نحو إسرائيل, وإلا كيف نفسر هذا التلاحم والتعاطف الشعبي العربي من المحيط إلى الخليج مع حزب الله على الرغم من محاولات الإعلام المتأمرك المقيت على التذكير بأنه حزب ديني شيعي؟ وما تفسير تخويف العلمانيين ومعهم المتدينون من الطوائف الأخرى من الصبغة الدينية لحزب الله؟
ومما يؤسف له انخراط بعض النخب الثقافية والسياسية من المثقفين اليساريين بهذه اللعبة السخيفة رغم إدراكهم لعدم جدواها, فنراهم يناقضون أنفسهم حين يتحدثون بمنطق طائفي بغيض عن المقاومة في وقت يدعون فيه العلمانية.
ما يدفعنا إلى التفاؤل هو ارتقاء الشارع العربي بشعوره الوطني والقومي فوق كل عمليات التفتيت, والتفافه حول المقاومة في هذه المرحلة الصعبة والقاسية, رغماً عن انف كل المخططات المشبوهة. وإذا تكلمنا عن السوريين حسبنا القول أن بنك الدم فاض بدماء المتبرعين من كل الطوائف والانتماءات, وأن أعلام حزب الله ارتفعت في كل مكان حتى في أشد الأحياء السورية حرصاًُ على إشهار رموزها الدينية المتنوعة. وحسبُ المقاومة شرفاً وتفوقاً أنها جرت الشارع العربي إلى خندق المواجهة المباشرة مع المخطط الأميركي الكبير, على الجبهة الأشد منعة وفي العمق.
الإنجاز الثالث على صعيد العلاقات السورية ـ اللبنانية, إن مجرد تفويض اميركا والمجتمع الدولي لإسرائيل بمهمة سحق حزب الله, يعني فشل الجهود الحثيثة التي استمرت لأكثر من عام في تطبيق القرار 1559, ليس فقط من جانب نزع سلاح المقاومة, بل أيضاً وهو الأهم من جانب فصل عرى البلدين والشعبين سوريا ولبنان, فمؤامرات عام ونصف العام ضيعتها عشرة أيام من المقاومة الباسلة, وهاهو لبنان يرتقي بجراحه وفوق أشلاء جثث أبنائه, ليندفع مكللاً بالدماء نحو سوريا لتحتضنه وتكفكف دموعه وتمنحه بسخاء حباً وتعاطفاً قلّ نظيرهما, وعفا الله عما مضى من شتائم مقذعة واتهامات باطلة, ولتعود سوريا الأخت الكبرى, فضاء لبنان المشرع على العالم, ولن يطول الوقت حتى يعود لبنان رئة سوريا النقية, وخاصرتها المنيعة.
هذه الانتصارات والانجازات هي التي تبقي جذوة المقاومة متقدة في نفوس الشعوب. مرة أخرى يحس العرب بأنهم يستردون كرامتهم المهدورة, وإذا كان هذا الانتصار قد أحياها, فالركوع هو الذي يذهب بها.
في العام 1920 كانت هزيمة الجيش السوري في معركة غير متكافئة أمام جيش الانتداب الفرنسي بقيادة الجنرال غورو. لكنها كانت معركة شكلت إعلاء لكرامة السوريين ورصيداً لمقاومتهم التي نجحت في إجلاء الفرنسيين عن سوريا في عام 1946.