هل هي بداية العودة إلى السياسة؟

احمد شاهين   السفير

 

جاءت عملية حزب الله على الحدود اللبنانية مع فلسطين، التي أسفرت عن أسر جنديين اسرائيليين، عدا عددا من القتلى والجرحى، عملا رديفا، نوعيا، للعملية الفلسطينية التي نفذها مقاومون فلسطينيون، قبل أكثر من أسبوعين، وأسروا خلالها جنديا إسرائيليا، طالبوا بعدها بمقايضته بعدد من الأسرى الفلسطينيين، الذين كانت اسرائيل تختطفهم على مدار سنوات الاحتلال. ورفضت حكومة اسرائيل العرض الفلسطيني، وقدرت أن الضغط العسكري، قصفا وحصارا لقطاع غزة، سيجبر الفلسطينيين على الاستسلام، واخلاء سبيل الجندي جلعاد شاليط بلا مقابل.
ومن غير مبالغة، يمكن اعتبار العمليتين اللتين نفذهما المقاومون الفلسطينيون واللبنانيون عمليتين سياسيتين بامتياز، قياسا على مقولة كلاوزفيتس <الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى>، كما أن العمليتين أخلاقيتان بمقاييس الحرب، على عكس ما تقوم به قوات الاحتلال الاسرائيلي تجاه الفلسطينيين باختطافها مدنيين وشخصيات سياسية منتخبة ووزراء، وعلى عكس ما تقوم به قوات الاحتلال الأميركي في العراق، وفي أفغانستان.
وقد أعلن زعيم حزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله استعداد الحزب لمبادلة الجنديين الاسرائيليين بأسرى لبنانيين وفلسطينيين وعرب، لكن رئيس الحكومة الاسرائيلية، ايهود أولمرت، رد كما رد في الحالة الفلسطينية بالرفض والتهديد باستعمال أقصى درجات العنف ضد اللبنانيين، وحمل الحكومة اللبنانية مسؤولية ما حصل، كما سبق وحمل السلطة الفلسطينية مسؤولية أسر الجندي الاسرائيلي في قطاع غزة.
ويأتي على رأس قائمة الأسرى الذين يطالب حزب الله باطلاق سراحهم الأسير سمير القنطار، وهو لبناني شارك في عملية فدائية نفذتها جبهة التحرير الفلسطينية في بلدة نهاريا منذ ما يقارب 28 عاما، بمعنى أن هناك ترابطا بين العملين المقاومين الفلسطيني واللبناني.
ولم يربط السيد حسن نصر الله بين العملية التي جرت على الحدود اللبنانية الفلسطينية، وعملية غزة، وقال إن تنفيذ العملية تم بناء على قرار سابق من الحزب بأسر جنود اسرائيليين بعد أن فشلت عملية التفاوض مع الاسرائيليين لاطلاق سراح من بقي من الأسرى اللبنانيين، وإن التوقيت جاء مصادفة، وقد كان السيد نصر الله أعلن أن العام 2006 هو عام الأسير.
وبغض النظر عما اذا كانت العملية مصادفة، أو مساندة للفلسطينيين، فالعملية غيرت معادلة التعامل مع الوضع المستجد في المنطقة، حيث السيناريوهات مفتوحة لسبل استخدام القوة التي تتمتع فيها اسرائيل بقوة عسكرية تعتبر الرابعة في العالم، والمدعومة سياسيا من الولايات المتحدة الأميركية، انما في المقابل تواجه هذه القوة ارادة شعب صاحب حق، وقد تجاوز حاجز الخوف، بمعنى أن الاستخدام المفرط للقوة من قبل اسرائيل أفقد تلك القوة قوة الردع، فقوافل الشهداء الفلسطينيين أفقد الموت رهبته الى درجة أن ظاهرة <الاستشهاديين> أصبحت حضورا سياسيا في معادلة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي؛ كما تفتح العملية اللبنانية مع أختها الفلسطينية بوابة سيناريوهات السياسة.
وبعد أن ذهبت دولة اسرائيل الى السياسة في تعاملها مع الموضوع الفلسطيني في العام ,1993 ووقعت مع منظمة التحرير الفلسطينية ما صار يعرف باتفاق أوسلو، الذي كانت قاعدته تبادل الاعتراف بين المنظمة ودولة اسرائيل، والذي بدا أنه يؤسس لمشروع اقامة دولتين، عادت اسرائيل مع الجنرال أرييل شارون عن تلك الاتفاقات، واعتبرتها ملغاة، معيدة الأمر الى المربع الأول، وذلك بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول ,2001 حيث أعلنت الولايات المتحدة الأميركية حربها الكونية على <الارهاب>، واعتبرت اسرائيل حربها على الفلسطينيين جزءا من حرب أميركا الكونية، بمعنى أن اسرائيل تخلت عن السياسة لصالح القوة، في محاولة لاستعادة روح المشروع الصهيوني الاستيطاني التوسعي. لكن صمود الشعب الفلسطيني أجبر اسرائيل على الانسحاب من جانب واحد من قطاع غزة، كما كانت المقاومة اللبنانية قد أجبرت من قبل اسرائيل على الانسحاب من جانب واحد من الشريط الحدودي اللبناني. وفي حالة الانسحاب من غزة قامت اسرائيل بتفكيك مستوطناتها في القطاع، ونقل المستوطنين من هناك، وتفكيك المستوطنات، بما يرمز، في خطوة كبيرة، باتجاه هزيمة المشروع الصهيوني، مع أن اسرائيل حاولت تغطية ذلك بالقول بعدم وجود شريك فلسطيني للتفاوض بشأن الانسحاب، بينما القراءة السياسية لتلك الخطوة تفيد بأن الحكومة الاسرائيلية لا تريد الاعتراف بوجود الآخر الفلسطيني.
بعد موت شارون السريري والسياسي، يحاول خليفته ايهود أولمرت محاكاته، سواء باستخدام القوة المفرط، أو بطرح موضوع ترسيم الحدود الفلسطينية الاسرائيلية في الضفة الغربية من جانب واحد من غير التفاوض مع السلطة الوطنية الفلسطينية، وذلك بهدف الاحتفاظ بأكبر قدر من المستوطنات التي أقامتها اسرائيل هناك على مدى سنوات الاحتلال. وأولمرت ليس جنرالا سابقا، فقد عمل لزمن طويل رئيسا لبلدية القدس، وبالتالي يبدو أنه لا يعرف قياسات استخدام القوة وحدودها، والحرب كما يقال <من الممكن أن تعرف كيف تبدأها لكن من الصعب معرفة كيفية انهائها>. وليس توفر القوة كافيا للحسم، ففي تاريخ الحروب لم يكن هناك أبدا هزيمة دائمة أو انتصار دائم، باستثناء حالات الابادة، كما جرى في استعمار الأنغلوساكسون لأميركا الشمالية. عدا حالات الابادة، كانت الحروب تنتهي بهزيمة المعتدي، مع مرور الوقت، فروديسيا عادت زيمبابوي بعد أكثر من ثلاثمئة عام من الاستعمار الأوروبي لها، وغادر الفرنسيون الجزائر بعد أكثر من مئة وثلاثين عاما من استعمارها واستيطانها، واستعاد سكان جنوب أفريقيا السود السيطرة على بلدهم، بعد قرون من استعمار البيض لهم، والأمور قياس.
كان الاسرائيليون يطالبون الفلسطينيين بالاعتراف بحقهم في الوجود، وقد قدمت لهم منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات، في حينه، ورقة الاعتراف التي كانوا يطالبون بها، أو ما أسماها الناطق باسم حركة فتح، أحمد عبد الرحمن <القبول بنصف الحق الفلسطيني>، لكنهم قتلوا <نبيهم> اسحق رابين، وعادوا الى شريعة الحرب التي لها حدان: لك وعليك.
من السابق لأوانه رسم سيناريوهات لما هو قادم من الأيام، لكن غداً ليس مثل الأمس، فبعد أن كانت اسرائيل تبحث في كيفية الافراج عن الجندي الأسير في غزة، عليها أن تبحث في كيفية الافراج عن ثلاثة جنود في مكانين مختلفين، مع سابقة التفاوض غير المباشر مع حزب الله على الافراج عن أسرى. وفي رأينا أن العمليتين ستفتحان بوابة العودة الى السياسة، فإذا لم يكن هناك من تتفاوض معه اسرائيل، فقد أصبح هناك الآن ما تفاوض عليه. وعلى العالم، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، أن يدفع اسرائيل الى طاولة التفاوض مع الفلسطينيين، بدلا من الشد على يدها تحت الشعار الكاذب <حق الدفاع عن النفس>.
(?) كاتب فلسطيني