السياسة خلف الوعد الصادق : مخاطر تبسيط الحقّ الواضح

صبحي حديدي   القدس العربي

 


ليس أيسر، وأوضح بمعني المنطق المقارن البسيط، من القول إنّ الدولة العبرية لا تفهم علي صعيد ملفّ الأسري والمعتقلين إلا اللغة التي لجأ إليها حزب الله في عمليته يوم أمس: أي خطف جنود إسرائيليين لمقايضتهم، أضعافاً مضاعفة في العادة، بعشرات أو مئات المحتجزين في المعتقلات الإسرائيلية. علي المنوال ذاته، ليس جديداً استعادة حقائق عتيقة من نوع صمت المجتمع الدولي عن جرائم إسرائيل، بل تمتّع معظم هذه الجرائم بتغطية ذرائعية أو حتي مساندة مباشرة من قوي عظمي مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، الأمر الذي لا يحول دون ردع تلك الجرائم فحسب، بل تشجّع ارتكاب المزيد منها.
وبالطبع، ثمة الكيل بمكيالين في كلّ ما يخصّ قضايا العرب إجمالاً، والفلسطينيين بصفة خاصة، وكيف صارت ممارسة هذا المبدأ قاعدة دائمة بدل أن تكون الاستثناء، وسقطت عنها جميع محظوراتها القانونية والأخلاقية، ولم يعد يكتنفها أيّ تحسّب أو حرج أو حياء. وإلي هذا وذاك، يجري ترقية حقائق الاختلال الهائل في موازين القوي بين الدولة العبرية وجيرانها، فضلاً عن خصومها وأعدائها وضحاياها، إلي مستوي التسليم شبه المطلق وشبه القدري بأنّ أيّ شكل من أشكال المقاومة هو العبث بعينه، بل يتحدّث البعض (من العرب ليبراليي آخر زمان!) عن لاعقلانية العين التي تقاوم المخرز!
ولكن هل يمكن لأيّ مقدار عالٍ وجليّ من وضوح هذه البساطة، أن يبرّر تبسيط فرضيات معقدة ذات طابع جيو ـ سياسي محلّي وإقليمي ودولي، وفي الآن ذاته يسبغ الشرعية علي كلّ ما ينجم عن ذلك من عواقب وخيمة، سياسية وإنسانية؟ في عبارة اخري، هل يمكن الإتكاء علي حقيقة أنّ إسرائيل لا تفهم إلا لغة واحدة بصدد ملفّ الأسري والمعتقلين، لكي يقوم حزب الله بعمليته يوم أمس؟ وهل يصحّ الركون إلي التبسيط الذي طرحه الأمين العام للحزب، الشيخ حسن نصر الله، من أنّ الأمر بأسره هو: التفاوض غير المباشر، والتبادل، والسلام ؟ أو أيضاً: لا نريد التصعيد في الجنوب، ولا نريد أخذ لبنان ولا المنطقة إلي حرب ؟
هل في وسع السيد أن يُسقط من الحساب، البسيط والواضح والمنطقي أيضاً، أنّ آثار عملية الوعد الصادق لن تقتصر علي عقاب البشر في لبنان (47 قتيلاً، ومئات الجرحي حتي ساعة كتابة هذه السطور)، وتدمير جسور الشوف وإقليم الخروب، القاسمية والزهراني والسعديات والدامور والأولي وسبلين ووادي الزينة والدلهمية وعلمان وجدرا، وتعطيل مطار بيروت، وقصف الضاحية الجنوبية وإنذار سكانها بمغادرتها، والإغارة علي بعلبك، فضلاً عن استهداف البني التحتية، وفرض الحصار الجوّي والبحري علي لبنان...؟ وهل في وسع السيد أن يحصر النطاق الجيو ـ سياسي للعملية في لبنان وحده، وليس أيضاً في سورية وفلسطين وإيران والعراق، إذا تسامح المرء قليلاً فلم يتحدّث عن السعودية ومصر والأردن؟
فعلي صعيد الداخل اللبناني، ورغم المشروعية المطلقة في حقّ استرداد الأسري والمعتقلين، هل توقيت العملية في السياقات السياسية والأمنية والاجتماعية الراهنة يلائم تحقيق هدفها المعلَن، تسهيل إطلاق سراح سمير القنطار ورفاقه، والحفاظ علي الحدّ الأدني من سويّة الحوارات السياسية بين مختلف القوي اللبنانية، لكي لا نتحدّث عن تشجيعها وتطويرها، خصوصاً في المسائل الشائكة التي تخصّ أطوار ما بعد اغتيال رفيق الحريري، وما بعد الإنسحاب العسكري السوري... أم يلائم، وبالتالي يخدم ـ أكثر ربما، وأوّلاً ـ جداول أعمال تتجاوز حدود لبنان؟
وهل التوقيت بعيد عن الاجتماع الذي شهدته دمشق مؤخراً، بين نائب الرئيس السوري فاروق الشرع وأمين المجلس الأعلي للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني؟ وهل خدمة جداول الأعمال تلك هي في صالح قضية الشعب اللبناني، بل بالأحري قضايا الشعب السوري، أم في صالح نظام بشار الأسد؟ وهل المآل الطبيعيّ المنتظَر المتمثل في وضع الشعب اللبناني بأسره رهينة الهمجية العسكرية الإسرائيلية، هي الثمن الذي لا يجد حزب الله غضاضة في سداده مقابل تلك الخدمات الإقليمية؟ ومَن، حتي في بلدة عيتا الشعب ذاتها، فوّض الحزب بعقد مقايضة فادحة كهذه، بل تحويلها (لا كما يطلب السيد نفسه، بل كما يفعل معلّقون لبنانيون من أنصار حزب الله ) إلي واجب شعبي شبه مقدّس، دونه خيانة الوطن؟
والحال أن دعم المقاومة اللبنانية بمختلف مستوياته وأنساقه، ومساندة هذه الحصة المقاومة عند حزب الله تحديداً، حتي إذا اختلف المرء مع الكثير من خيارات الحزب السياسية والعقائدية، لا ينبغي أبداً أن ينقلب إلي تفويض مطلق لأيّ طرف في الانفراد بقرارات لا تطال عواقبها الوخيمة مصالح ذلك الطرف وحده، بل تمسّ ملايين المدنيين اللبنانيين في بيوتهم ومدارسهم وأماكن عملهم. وحجب هذا التفويض المطلق يصبح أكثر إلحاحاً، بل ويكتسب صبغة أخلاقية كذلك، إذا كان لا يخدم لبنان والشعب اللبناني بقدر ما يخدم نظاماً مستبدّاً، مثل نظام بشار الأسد، بل يمدّ الاستبداد بالمزيد من أسباب القوّة.
ومن باب تثمين حصّة المقاومة هذه بالذات، لا يجد مواطن سوري مثلي أي حرج في وضع سياسات حزب الله علي خلفية خدمة جدول أعمال النظام السوري، سواء مباشرة وعلانية، أم مواربة واعتماداً علي اللغة الخشبية الكلاسيكية (من نوع الحديث عن صمود النظام السوري ضدّ الضغوط الأمريكية). وفي آذار (مارس) الماضي فقط، وأمام مئات الآلاف في قلب بيروت، فضّل الشيخ حسن نصر الله امتداح سورية ـ النظام قبل سورية ـ الشعب، وسورية ـ الحاكم قبل سورية ـ الجيش، حين اعتبر أنّ احتشاد مئات الآلاف بدعوة من حزب الله هدفه الأوّل هو توجيه الشكر لسورية الأسد، لسورية حافظ الأسد، لسورية بشار الأسد، لسورية الشعب الأبي الصامد، لسورية الجيش العربي المقاوم الذي كان معنا وما زال في كل سنوات الدفاع والمقاومة .
ولعلّ السيد كان، ويظلّ اليوم أيضاً، خير مَن يدرك أنّ هذا الترجيح لـ سورية الأسد و سورية حافظ الأسد و سورية بشار الأسد علي سورية الشعب و سورية الجيش العربي لم يكن أفضل ما انتظره أبناء سورية من زعيم مقاومة يناهض الظلم والاستضعاف والاستبداد والفساد والإفساد. ومن جانبي، لم أجد غضاضة آنذاك في ترجيح من نوع آخر: أنّ ملايين السوريين الذين يحبّون السيد شعروا بغصّة (بعض تجلياتها قد تكون العتب أو خيبة الأمل أو الغضب أو السخط) حين بدا زعيم المقاومة اللبنانية وكأنه لسان حال أهل النظام السوري، أو اللبنانيين الموالين له من أمثال عاصم قانصوه! الارجح، كذلك، أنّ السيد ـ رغم تضحياته الشخصية وسجلّه المشرّف كرجل مقاومة جسور وقائد سياسي محنّك ـ أدهش الملايين حين قدّم هديته الشهيرة (بندقية إسرائيلية غنمتها المقاومة اللبنانية) إلي العميد رستم غزالي، ضابط الأمن السوري المتسلّط المستبدّ الفاسد.
أبعد من هذا، مع غياب الدولة اللبنانية عن الجنوب، سواء تمثّل ذلك في غياب الجيش الوطني أو في غياب مشاريع الإنماء والتطوير المركزية؛ ومع تعثّر، أو تعطيل، المصالحة الوطنية الشعبية بين مختلف طوائف وفئات الجنوب؛ واستمرار سياسة دمشق الهادفة إلي إبقاء الجنوب ساحة شدّ وجذب وحيدة مع الدولة العبرية (حين يسود الهدوء التامّ سهول وهضاب الجولان المحتل)... هل من الإجحاف القول إن الجنوب اللبناني، في غمرة هذه المعطيات، يبدو بمثابة أرض تحرّرت من الإحتلال العسكري لا لشيء إلا لكي تقع ــ ثانية، ومن جديد ــ أسيرة المعادلات الإقليمية القديمة ذاتها، تلك التي يديرها الآخرون أساساً، أو التي لا تُدار دائماً لاعتبارات تخصّ الأمن العربي أو تحسين شروط الصراع العربي ـ الإسرائيلي؟
وهل من إجحاف كبير في القول إنّ حزب الله ، بوصفه فصيل المقاومة الأهمّ و وارث التحرير الأبرز، هو أيضاً المسؤول الأوّل عن حال كهذه؟ لا أحد، ممّن وافقوا ويوافقون علي موقع الحزب في سيرورة التحرير، ينازعه حقّ استكمال التحرير حتي الإنسحاب الإسرائيلي من مزارع شبعا، سواء أكانت هذه المزارع سورية أم لبنانية. ولا أحد، ممّن باركوا ويباركون دور حزب الله في سيرورة التحرير، ينازعه الحقّ في مواصلة هذا الدور عبر أقنية أخري مثل دعم الإنتفاضة الفلسطينية، مساندة حماس ، أو تأييد الموقف السوري في كلّ ما يخصّ استرجاع الجولان، أو حتي الوقوف مع إيران في معركتها الراهنة مع أمريكا والحلف الأطلسي حول تخصيب اليورانيوم.
ولكنّ أبسط حقوق التحرير علي أبطال التحرير هو الالتفات إلي البشر علي الأرض المحررة، أو استكمال المهمّة عن طريق تحرير الآدمي المقيم علي التراب المحرّر، ومنحه فرصة التمتّع بمغانم التحرير، وتلمّس المعني الإنساني الملموس لفكرة التحرير. هذا حقّ لا يُنازع أيضاً، وهو ثمن طبيعي مقابل التضحيات الجسام التي بذلها معظم اللبنانيين، أينما كانوا وبصرف النظر عن مواقفهم من حزب الله أو حتي من خيار المقاومة بالمعني العريض. والمراوحة هكذا في المكان، بعد خمس سنوات علي التحرير، وبعد المتغيّرات النوعية التي شهدتها المنطقة، لا تبخس اللبناني حقوقه فحسب، بل هي تستبدل معني التحرير النبيل والإنساني بآخر أقرب إلي الاتجار بالمعادلات الإقليمية.
ذلك يعيد طرح الأسئلة القديمة ذاتها، التي تخصّ صعود حزب الله ذاته، ومسارات تطوّره قبل تحرير الجنوب اللبناني، ولكن بعد التحرير أيضاً، حين لاح وكأنّ انتصار المقاومة تحقّق عسكرياً وعملياتياً، ولكنه ما يزال ينتظر التحقّق سياسياً واجتماعياً ومعنوياً أيضاً. بين هذه أنّ حزب الله صعد أوّلاً علي خلفية انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، ثم تبلور وجوده العسكري والعقائدي بعدئذ علي خلفيات الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982، ومجازر صبرا وشاتيلا، واحتلال الجنوب اللبناني. وكان خطّه العقائدي العام مناهضاً علي نحو راديكالي لـ الإمبريالية والصهيونية وعملائهما المحليين كما جاء في البيانات الأولي. وهو الخطّ الذي يظلّ ساري المفعول بدرجة عالية، خصوصاً بعد أن اتسع نطاق توصيفه لطبيعة الخصوم المحليين وشمل حركة أمل والتيارات والمنظمات الشيعية التقليدية الأخري. ساري المفعول، ولكن إلي متي؟ وكيف، في ظلّ انحطاط العرب، واحتلال العراق وازدياد مخاطر الحرب الأهلية الشيعية ـ السنية هناك، والوضع العالق اللبناني ـ السوري خصوصاً بعد اغتيال الحريري، والإنسحاب العسكري السوري دون اقترانه بانسحاب سياسي أو أمني؟
ومن جديد، في هذه السياقات ذاتها، ليس أيسر من التهليل لصواريخ الـ كاتيوشا الساقطة علي صفد، وربما في ضواحي حيفا قريبا؛ أو لإطراء موقف الزعيم الدرزي وليد جنبلاط من العدوان الإسرائيلي، وإشارته إلي أنّ الشوف تحت تصرّف أهل الضاحية الجنوبية، ثمّ الاتصال الهاتفي ـ الدافيء كما تردّد، رغم برود الأسابيع القادمة ـ الذي أجراه نصر الله وجنبلاط؛ وازدياد نغمة الحديث عن الوحدة الوطنية اللبنانية ضدّ العدوّ الصهيوني، وكأنّ السجال الحادّ حول شرعية سلاح المقاومة صار أثراً بعد عين، وطُوي بين ليلة وضحاها. وإلي هذا، ما أسهل أن يبقي الزعماء في مأمن حصين، يتبادلون العواطف والبلاغة اللفظية، ويتضامنون في ما بينهم، ويحيي بعضهم البعض الآخر، ويزجي الجميع التحية إلي الصمود والتصدي ولبنان الكرامة والشعب العنيد...
ولكن... ما أصعب عيش المواطن اللبناني اليوم، امرأة وشيخاً وطفلاً بخاصة، جرّاء هذا الفصل الجديد في كتاب الهمجية العسكرية الإسرائيلية!