إذا أهملنا التاريخ... فالمستقبل يهملنا [2]

كلوفيس مقصود   النهار

ما العمل؟ في خضم الأوضاع الراهنة للحال الفلسطينية يصعب علينا تجاوز الحاضر المأسوي لاستشراف خطة مستقبلية من اجل اخراج الفلسطينيين من مصيدة اتفاقات اوسلو وتداعيات سياسات التطبيع التي تتبعها انظمة عربية متكاثرة. وهذا معناه ان كل مجهود يجب ان ينصب على درء المزيد من المعاناة والمآسي الانسانية التي يختبر شراستها اهالي قطاع غزة، كما يتحمل تداعياتها شعب فلسطين بأسره وكذلك العرب عند استرجاع وعيهم من حالة التخدير التي هم فيها.
ان الجهود الحالية لاخراج الازمة من تنامي الاحتقان هي جواب آني عن السؤال: "ما العمل؟" مع احتمالات استمرار التدهور في مؤسسات الخدمات الغذائية والطبية وآثارها المفجعة على الاوضاع الانسانية لا بل من المعالجة الفورية وتحريك المجتمع الدولي عمليا وانسانيا لدرء ما يستتبع العدوان الفاقع من تجويع وتفشي للامراض وتقتيل للمدنيين وتلوث خطر للبيئة، اضافة الى ما ينطوي عليه المخطط الاسرائيلي من شطب والغاء لما تبقى من القضية الفلسطينية.
وتشير الى الاستمرار في الجهد للتوصل الى ما سمي "صفقة"، علما ان ما ينبثق منها لن يكون حلا وان موقتاً - بل حلحلة لتخفيف وتيرة المعاناة الانسانية ووسيلة لالتقاط الانفاس كي يتمكن الفلسطينيون والعرب من ارساء مستلزمات التوازن الاستراتيجي الذي وحده يوفر للشعب الفلسطيني الحد الادنى من حقوقه الوطنية والانسانية التي صاغها قرار قمة بيروت بمبادرة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله. ولكن حتى هذه المبادرة بقيت بدون متابعة، وبالتالي بقيت مشروع نستحضره كلما قيل للعرب ان لا سياسة "واقعية" لديكم لانهاء الصراع العربي الاسرائيلي. وهكذا توقف قرار القمة عند اعلانه وتحولت نقطة الانطلاق نهاية مطاف.

* * *

في ضوء الاكتفاء العربي بسقف بنود قرار قمة بيروت، اذا ما كان التزامها لا يزال قائما، علينا افتراض ان الاستعداد لتفعيلها لا يزال واردا، او هكذا نأمل. ولكن كي يكون التصميم على التفعيل لا مفر من اتخاذ اجراءات فورية تلبي شروط المطلوب لكون المرغوب مستبعداً حتى اليوم، ومن يدعون له وانا منهم قد يقال عنهم انهم مصابون بمرض "الزهايمر السياسي"، ونظراً الى الحضيض الذي نحن فيه قد يكون "الواقعيون" على حق في هذا الوصف لمن يطالبون بالمرغوب. واكرر انا منهم.
لذا حتى يبقى التحليل لعناصر الاجابة "ما العمل؟" في اطار واقعية ناجعة ومقنعة، في الوقت نفسه علينا ان نأخذ في الاعتبار جدياً وفوراً وبدقة الامور الاتية، اذا ما اردنا وقف نزف دماء المواطنين الفلسطينيين وصدقية المواقف العربية، ولاتمام تفعيل قرارات قمة بيروت التي تلبي الحد الادنى. علينا إعادة النظر جذرياً في صيغة "السلطة الوطنية" والاستمرار في تسميتها. بشقين: "سلطة" متمثلة، برئيس لها، وحكومة ألقاب اعضائها "وزراء" وممثليها "سفراء". ومع احترامي وتقديري الشديدين لكل المشاركين في السلطة، فان هذه الالقاب الملازمة لصلاحيات سيادية اوجدت التباساً في المعاني القانونية كما توحي توقعات عملية مستحيلة الانجاز، وتولد آمالا مغلوطة، وبالتالي خيبات متواصلة، لذا لا بد من إعادة النظر جذرياً في تركيبة "السلطة" من اجل بنائها مجدداً بما يخرجها من المصيدة الخانقة التي اوجدتها اتفاقات اوسلو، ورسخت ادعاء اسرائيل الباطل حق التصرف في الاراضي الفلسطينية التي لا تعترف مطلقا بكونها محتلة. لذا تستشري الاخطاء في المصطلحات المرافقة للمعادلة المطعون بصحتها وبصوابيتها والتي أوقعت كلا من السلطة والمقاومة نفسيهما بها كون منظمة التحرير منحت غطاءها للمعادلة القائمة من خلال موافقتها على اتفاقات اوسلو التي ادت نواقصها الى الانهيار القائم اليوم. وبالتالي يجب اعادة النظر في سبل ادارة التعامل بين الفلسطينيين وسلطات الاحتلال وان تكون اولوية فورية لدى المجلس الوطني الفلسطيني، ويجب ان يكون دور هذا المجلس اكثر شمولية واوسع تمثيلا ويعمل على صوغ معادلة مطلوبة من خلال ضغط دولي ينتزع من اسرائيل اعترافاً واضحاً بأنها تحتل أراضي عربية كي يستحيل عليها الامعان في التشويه الجغرافي والديموغرافي لها والامعان في اجراءاتها الاحادية في اقصاء الفلسطينيين عن حقهم الذي لا يزال معترفاً به دوليا بدولة سيدة عاصمتها القدس. واذا كان لا بد من ان تكون منظمة التحرير هي المؤهلة للتفاوض فعلى اي سلطة تقوم داخل الاراضي المحتلة ان تدير التعامل اليوم ولا اعتراض على حضور هذه السلطة المحلية في مجال التفاوض مع المحتل. والاهم ألا يكون فريق "المفاوضات" هو نفسه من طاقم السلطة المحلية.
لكن علينا ادراك ان انتزاع ضغط محتمل دولي، اميركي خصوصاً، سوف يصطدم بموسم الانتخابات للكونغرس حيث التسابق على ارضاء "اللوبي" الاسرائيلي يكون في منتهى التهافت. لكن هذا التهافت المعيب اضافة الى التحيّز الواضح ليس الى "حق اسرائيل في الوجود" بل الى اهدافها المعلنة في التوسع والضم وحرمان حق العودة، لا يتقلص الا اذا اتخذت الدول العربية الاجراءات التي تخلت معظم دول الجامعة العربية عنها. يستتبع ذلك تحديد ما المطلوب عربيا على الفور، أي ان تعلق مصر والاردن علاقاتهما الديبلوماسية باسرائيل كجزء من كلفة ردع اسرائيل عن التمادي في الغاء مفاعيل القانون الدولية وشرعية حقوق الفلسطينيين. ورغم ان هذه الكلفة لن تكون كافية فلا بد من عودة جادة الى تطبيق قوانين المقاطعة في شكل حاسم، إضافة الى تنظيم حملات ديبلوماسية مشتركة واعلامية قادرة. وعلينا ادراك ان لا اعلام قادراً بدون سياسة موحدة واضحة، ولا تأثير مباشراً اذا لم يقترن الخطاب السياسي بتصميم على تنفيذ ما يستتبع الاجراءات المطلوب اتخاذها فورا.
المهم ان تكون منظمة التحرير قادرة على تعريف نفسها كسلطة مقاومة، فلا تعود سلطة ومقاومة ومن ثم تقع "المقاومة" في شرك الالتباس الذي أوجدته اوسلو والذي كان أحد تداعياته ان السلطة المنتخبة "حماس"حصل لها ما حصل لكونها بقصد او بدون قصد وقعت في شرك "المعادلة" التي افرزتها اتفاقات اوسلو.
كما وعلى الاطار الموسع الجديد لمنظمة التحرير ان يضبط الوحدة الوطنية بما يحول دون تحكم اسرائيل، بتأييد اميركي، في الايحاء انها تستطيع ان تسجن وتحاكم من ترغب وان تغتال من تستهدف وكل ذلك خرقا لاتفاقات جنيف الرابعة التي اعلنت اسرائيل منذ عام 1967 انها غير ملتزمة إياها. واصر على ذلك كل مسؤوليها ومندوبيها في مجلس الامن والجمعية العمومية وجميع هيئات الامم المتحدة. اما اذا تمكنت الضغوط العربية من ان توفر المحفزات لضغوط دولية، اميركية خصوصا، فعندما تتحول محادثات السلطة (المقموعة حاليا) مفاوضات منتجة قد تكون لها فرصة تحقيق قرار قمة بيروت... اخيرا!.
لقد راقبنا بكل أسى وألم كيف ان التطبيع اهّل مصر والاردن للقيام بوساطة، الا ان الوساطة تحولت استجداء بدون أي تلبية ملموسة او ما يحفظ "ماء الوجه" وكرامة الضحايا. فكيف اذا ظل التطبيع كما هو مكبّلا لأي امكانات جماعية لتفعيل مقررات قمة بيروت؟
واذا كان وقف التطبيع. وهو الحد الادنى مما يجب ان نقوم به فورا غير مقبول، فمن غير المعقول ان نتوقع في المستقبل المنظور انجاز الحد الادنى المطلوب لحقوق الشعب الفلسطيني.
واذا ووجهنا بان هذا المطلوب اصبح بدوره خارج عن الواقعية فلعل عدوى الزهايمر المطالبين بالمرغوب بدأ يمس من يطالبون بالمطلوب.
ارجو ألا نكون في وضعنا جعلنا المطلوب الممكن... مستحيلا! وهذا يدل ليس على انهيار سياسي فحسب، بل انهيار اخلاقي ايضاً!