العرب بين حضور رقابة السلطة وغياب رقابة المجتمع (*)

الدكتور عبدالله تركماني

 

ما من أمة تزدهر بدون توافق بين سلطة الدولة والمجتمع المدني، وفقا لدستور ديمقراطي ينظم العلاقة بين الحاكمين والمحكومين. ولأنّ السلطة في أغلب الدول العربية تميل إلى اختصار المجتمع بالدولة، وتطلب من مواطنيها وضع خياراتهم جانبا وإخضاع استقلاليتهم لضوابط وقيود قاسية من أجل " الخير العام "، فإنّ التمييز بين المجتمع وسلطة الدولة يصبح ضروريا، إذ يبقى المجتمع هو الأساس لكل التوافقات التي منها تنبثق الصيغ المشتركة لخير الأمم وتقدمها، والمكان الذي منه تنطلق الحكومات للمطالبة بشرعيتها فيتم الاعتراف بها أو رفضها.

معوّقات التوافق بين سلطة الدولة والمجتمع

ثمة مجموعة معوّقات متضافرة في أغلب الأقطار العربية تساعد على حضور رقابة السلطة وغياب رقابة المجتمع، وتأتي في مقدمة هذه المعوّقات تلك النابعة من الهيكل القانوني والتشريعي في الأقطار العربية، إضافة إلى البنية الثقافية – الاجتماعية.

ففي مقابل التوسع المضطرد لسلطات أجهزة الدولة، كان هناك إضعاف متعمد لدور السلطات الرقابية، بدءا بالرقابة القضائية ومرورا بالرقابة البرلمانية، وانتهاء بالرقابة الإعلامية ودور الرأي العام.

فقد جرى إدخال تعديلات على التشريعات المنظمة للسلطة القضائية في البلدان العربية تمس استقلالها. كما جرى غرس أنماط من المحاكم الاستثنائية مثل " المحاكم الخاصــة "، و" المحاكم العرفية "، و" محاكم أمن الدولة " مما فتح ثغرة كبيرة في نظام العدالة العربي. وفي ظل هذه الثغرات جرت وتجري العديد من المحاكمات التي تفتقر إلى شروط العدالة والإنصاف وفقا للمعايير المتعارف عليها، إذ هناك انتقاص شديد لدور المحاكم العادية، وتغييب المراجعة القضائية المستقلة عن الإدارة والسلطة التنفيذية. وبذلك تشكل المحاكم الاستثنائية ومحاكم أمن الدولة، خاصة في ظل حالات الطوارئ، أكبر خطر يهدد استقلالية القضاء والرقابة المجتمعية على سلطات الدولة.

كما أنّ السلطات المطلقة لرئيس الدولة هي من أهم العوامل التي تحد من رقابة المجتمع على أداء السلطة، وهو الأمر الذي يحيّد الدور الأساسي الذي من المفترض أن تضطلع به السلطات التشريعية والقضائية، مما يضع عقبات من شبه المستحيل تخطيها أمام ممارسة المواطنين العرب لحقهم في المشاركة بإدارة الشؤون العامة لبلدانهم.

وبالمثل عانت الرقابة البرلمانية من ضعف مماثل، فبعض الدول العربية لا تعرف أية هيئات تمثيلية، ولم تعرف بعد طريقها إلى صناديق الانتخاب. فيما افتقدت أغلب المجالس القائمة في البلدان الأخرى للدور الرقابي المضمون في النظم البرلمانية كلية، أو جرى تقييد هذا الدور بدرجات متفاوتة في باقي المجالس البرلمانية. ولم تعرف العديد من الدول العربية حياة انتخابية محلية أو نيابية نزيهة وشفافة، لكنها عرفت انتخابات مطعون في صدقيتها ونزاهتها لأنها إما عرضة لتزوير فاضح يسرق إرادة الشعب المعبّر عنها في الاقتراع ويتلاعب بأصواته وولاءاته، وإما عُرضة للإفساد من قبل مافيات المال السياسي الذي يشتري ذمم الناخبين مستغلا عوز الغالبية منهم، أو عرضة لمنافسات ما قبل وطنية - طائفية ومذهبية وعشائرية - لا تمت بصلة إلى الحياة السياسية العصرية. أما الهدف، فهو تمييع الحياة التمثيلية والادعاء بوجود نظام نيابي في هذه البلدان.

أما دور الإعلام كجهاز رقابي، فيعاني من ضعف مزمن حيث تفرض معظم البلدان العربية قيودا عديدة قانونية وتنظيمية، تختلف درجتها من بلد لآخر غير أنها تجمع في معظمها على سمات مشتركة. ففي معظم البلدان العربية تمتلك سلطة الدولة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وتفرض أنظمة لمراقبة الصحافة بدقة. كما تفرض بعض البلدان قيودا على المطبوعات، وتراقب الكتب والصحف والمطبوعات الواردة من الخارج، وتمنع تداول بعضها، كما تجيز بعض القوانين إخضاع المراسلات والاتصالات الهاتفية للرقابة.

وما زالت السلطة في معظم الدول العربية تنظر إلى المنظومة الإعلامية على أنها أداة لتثبيت شرعيتها، وبسط نفوذها، وتمرير خطابها السياسي بعيدا عن طموحات الشعوب العربية. إذ أنّ السلطة في أغلب الأقطار العربية ما زالت بعد لم تستطع بناء المؤسسات اللازمة لضمان وجود رأي عام قوي وفعال، وما زالت لم تدرك بعد أنّ حرية الصحافة هي أساس كل الحريات في المجتمع، وهي حجر الأساس لأي بناء ديمقراطي.

وتستكمل هذه الحلقة المعيبة من توسيع الصلاحيات وإضعاف الرقابة القضائية والشعبية، إضعاف مؤسسات المجتمع المدني في البلدان العربية، فتقيد معظم البلدان العربية حق التنظيم الحزبي والنقابي والحق في تكوين الجمعيات. وأما الأقطار التي تأخذ بالتعددية الحزبية، فقد وضع بعضها كمًّا من القيود يستحيل معه إجازة حزب دون اللجوء للقضاء، كما فرض بعضها شروطا سياسية تكاد تجعل من التماثل مع الحزب الحاكم شرطا للتأسيس.

وتوجد تعددية حزبية في أكثر من نصف الدول العربية، لكن بلادنا العربية لم تعرف بعد المعنى الحقيقي لتلك التعددية. ذلك أنّ قسما كبيرا من الأحزاب، المسموح لها بالعمل السياسي، إما واجهات للسلطة وأدوات سياسية وانتخابية لها، وبعضها خرج إلى الوجود عن طريق الإدارة ووزارات الداخلية، وإما " أحزاب " لعصبيات ما قبل وطنية تعبّر عن عشائر وقبائل وطوائف ومذاهب مشروعها هو نقض دولة الحق والقانون، وإما مجموعات مصالح تنتج مقاولات سياسية للدفاع عن مقاولاتها التجاربة والاستثمارية. والنتيجة إخراج فسيفساء سياسية لا وظيفة لها سوى تزوير معنى الحزبية ومعنى التعددية، وإفساد الحياة السياسية، والتضييق على الأحزاب الحقيقية ذات التمثيل الاجتماعي الأصيل.

كذلك تحظر بعض السلطات العربية حق التنظيم النقابي، وبينما يعترف البعض الآخر بهذا الحق ويصّرح بقيامه قانونا، إلا أنه يضع له أطرا قانونية تتناقض أحيانا مع الاعتراف القانوني، فلا تعترف بحق العمال في إنشائه وتتولى نيابة عنهم هذه المهمة. ويرصد المراقبون مظاهر عديدة للتدخلات الحكومية والحزبية في إنشاء أو عضوية هذه المنظمات، وفي نشاطاتها وعلاقاتها الإقليمية والدولية، وتخضع أغلب ممارسات المنظمات النقابية والمهنية والاجتماعية للرقابة والمراجعة والتوجيه الحزبي أو الحكومي.

ويعطي موقف الحكومات العربية من منظمات حقوق الإنسان، كمؤسسات شعبية رقابية على حقوق الإنسان في بلدانها، مؤشرا بالغ الوضوح حيال هذه الحالة، فأغلبية البلدان تنكر بشكل حاسم الحق في تكوين جمعيات لحقوق الإنسان.

أما الدساتير فهي توجد في معظم الدول العربية، لكنّ العالم العربي لم يعرف بعد - وعلى نحو صحيح - حياة دستورية. فالدستور الموجود ممنوح من النخب الحاكمة ولم  تكتبه جمعية تأسيسية منتخبة. وهو، لذلك السبب، يأتي منسجما مع مصالح مَن وضعوه ليعزز سلطانهم ويكرسه في فصوله ومواده. أما الاستفتاء عليه، فأشبه ما يكون بـ " فولكلور سياسي ". ثم إنه لا يلبث، بعد إقراره، أن يصبح عُرضة للانتهاك اليومي على ما فيه من نواقص، فلا تكون له من وظيفة سوى تأثيث مشهد السلطة التقليدي بلوحات حداثية تقول زورا: إنّ الحياة السياسية في بلادنا محكومة بمرجعية دستورية لا بمزاج وأهواء مَن يتحكمون فيها.

وهكذا، فرغم ما تحفل به الدساتير العربية من مبادئ تكفل الحقوق والحريات وضمانات حقوق الإنسان، إلا أنّ معظمها يضعف هذه الضمانات باستدراكات تخل بها، كما يحيل معظمها تنظيم ممارسة الحقوق المختلفة إلى قوانين، عادة ما تفرغها من كل مضمون، ويضمّن بعضها شروطا سياسية تطيح بالضمانات القانونية التي سبق أن أقرتها. ذلك أنّ معظم بنود الدساتير العربية، المتعلقة بحقوق وواجبات المواطنين، تحيل تفصيل الحقوق وأوجه التمتع بها وحمايتها على القوانين الوطنية التي تنظم هذه الحقوق بشكل ضيق الأفق يفرّغ معظم هذه الحقوق من مضمونها.

ومن جهة أخرى، يثير تطبيق أحكام الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان في التشريعات العربية، بعد الانضمام لهذه الاتفاقيات، عددا من الإشكاليات القانونية التي تعتبر من معوّقات التطبيق الفعلي لأحكام هذه الاتفاقيات، بينما يجب أن تنعكس آثارها القانونية في التشريعات العربية. ومن الإشكاليات التي تستوجب المعالجة الجدية بغية الممارسة الفعلية لحقوق الإنسان يمكن أن نذكر ثلاثا:

1- ما هي وسائل إدراج الأحكام التي تناولتها الاتفاقيات الدولية في النظام القانوني للأقطار العربية ؟

2- ما هي درجة القوة القانونية لنصوص الاتفاقيات الدولية في التسلسل الهرمي القانوني الداخلي للأقطار العربية، وإذا حصل تعارض بين التشريع الوطني النافذ وأحكام الاتفاقيات الدولية فأي نص أَولى بالتطبيق ؟

3-هل تجوز إثارة أحكام الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان أمام القضاء الوطني لدى الدولة العربية المنضمة لهذه الاتفاقيات ؟ وما هي الإشكاليات التطبيقية المتفرعة عنها ؟ 

‏ ويبدو أنّ المشرّع العربي لم يهتم الاهتمام الكافي بدراسة الآثار القانونية لانضمام الدول العربية إلى الاتفاقيات الدولية عامة، وخاصة تلك التي تتعلق بحقوق الإنسان، رغم أنها من أكثر المواضيع حساسية وإثارة. مع العلم أنّ جميع هذه الاتفاقيات تناولت موضوع التزام الدول المنضمة وخلاصته: اتخاذ إجراءات تشريعية وإدارية وقضائية وغيرها من شأنها تمتّع الأشخاص الخاضعين لولاية الدولة المنضمة لأية اتفاقية بالحقوق التي تناولتها الاتفاقية نفسها.

وأخيرا، تشكل البنية الثقافية ـ الاجتماعية لأغلب المجتمعات العربية مصدرا إضافيا للعقبات التي تحول دون تطوير الحريات في العالم العربي، خاصة حيال بعض فئات هذا المجتمع وفي مقدمتها المرأة. فلا يقتصر خلط المفاهيم على الحكومات، إذ من الواضح أنّ ثمة محاور أخرى للخلط لدى الرأي العام العربي.

وهكذا، تخل مجمل هذه المعوّقات بالتوازن بين سلطات الدولة من ناحية، وبين السلطة والمجتمع من ناحية أخرى، وبالتوازن الاجتماعي من ناحية ثالثة. ففي إطار هذا الخلل المركب كان من الطبيعي أن تستشري أعمال العنف، والعنف المضاد، من جانب السلطة وبعض فئات المجتمع على السواء وأن تتردى العلاقات بين الأغلبية والأقليات العرقية والدينية في الكثير من بلدان العالم العربي، وألا تجد بعض الحكومات أو الجماعات السياسية حرجا من استدعاء العون الخارجي طلبا للاستقواء أو الحماية وأن يتم تطبيع كل هذا الشذوذ في إطار من اللامبالاة أو التجاهل تنذر بأوخم العواقب .

العرب بين حضور رقابة السلطة وغياب رقابة المجتمع (*) (2)

نماذج من حضور رقابة سلطة الدولة

يبدو أن الأمل بخروج الحياة العربية من محنتها الحالية لن تتحقق سريعا كما كان يأمل بعض المتفائلين، فالظن بأنّ التحولات التي يشهدها هذا العالم ستعجل بإطلاق حرية التفكير والبحث والتعبير لتعاطٍ عربي مجدٍ مع المخاطر والتحديات، تتحول - على أرض الواقع - إلى مجرد وهم خلقته كثرة التمنيات بمستقبل بلا سجون أو محاكم تفتيش. إذ أنّ رقابة ومصادرة الكتب أصبحت علامة مميزة للدول العربية، التي يمكن أن تبيح كل شئ باستثناء التفكير الحر، بسبب خطورته المفترضة على سلطتها. فلا يماثل تعدد أجهزة الرقابة علي الإبداع وتكاثرها في عالمنا العربي إلا تعدد عمليات المصادرة لمنتجات هذا الإبداع وتكاثرها‏,‏ فلا يمر يوم إلا ونسمع عن مصادرة كتب في كثير من معارض الكتب‏,‏ أو الاعتراض على فيلم أو مسرحية أو ... الخ

وفي تقديرنا أنّ عقلية المنع والمصادرة شاعت في عالمنا العربي نتيجة طبائع الاستبداد التي تغلبت بمعانيها السياسية والاجتماعية والفكرية والدينية‏,‏ مقترنة‏ (1): أولا‏،‏ بغياب الديموقراطية في الممارسة السياسية وتحول الدولة إلى دولة تسلطية معادية للرأي الآخر‏,‏ قامعة للاختلاف معها أو عنها‏.‏ وثانيا‏،‏ بالبنية التراتبية الأبوية المتصلبة التي تستأصل ما يتناقض ومبناها الهرمي‏,‏ فلا حراك ولا انتقال ولا مغايرة لما هو مستقر من الأعراف أو التقاليد التي جمدت علي ما هي عليه‏.‏ وثالثا،‏ بالتعصب الفكري الذي هو الوجه الآخر من الاستبداد السياسي والتصلب الاجتماعي‏,‏ فلا اجتهاد ولا ابتكار ولا قياس إلا على ما مضى وما هو مقبول في الأعراف المفروضة‏.‏ ولا ينفصل التعصب الفكري‏ عن التعصب الديني الذي هو من نواتج التطرف في التقليد الذي يتحول إلي قمع موازٍ للقمع السياسي للاستبداد‏,‏ ومتآزر معه‏,‏ وملازم للتصلب الاجتماعي والفكري‏.‏

وتتأصل عقلية المنع والمصادرة في المجموعة الحاكمة‏,‏ متلازمة لطبائع استبدادها المستنسخة من المستبد الأول في كل مجال‏,‏ المستبد الذي يزرع استبداده في النخبة المحيطة به فترعاه‏,‏ وتشيعه فيما حولها‏,‏ وذلك على النحو الذي ينتقل من القمة إلى السفح بما يعدي الجميع‏,‏ وبما يجعل من طبائع الاستبداد طبائع للأمة كلها‏.‏ وعندئذ‏,‏ تغدو طبائع الاستبداد الأصل في عقلية المنع والمصادرة التي تتجاوب ما بين الحاكمين والمحكومين تجاوبها ما بين السبب والنتيجة التي سرعان ما تغدو سببا لنتيجة أخرى غيرها إلى ما لانهاية‏.‏

وإذا كانت عقلية المنع والمصادرة تكشف عن طبائع الاستبداد التي هي أصلها‏,‏ في مدى الخوف من تغيير الأوضاع القائمة وفرض الثابت على الناس‏,‏ حماية لهم وسوء ظن بهم في الوقت نفسه‏,‏ فإنّ هذه العقلية لا تخلو من جهالة التخلف الذي يدفن رأسه كالنعامة في الرمل‏,‏ متجاهلا كل ما يحدث حوله من متغيّرات الدنيا الحديثة التي تؤكد انتهاء زمنه وانكشاف عوراته وفساد مبرراته وهوانها على الناس‏.‏

إنّ مصادرة الكتب التي يتصدى لها من لا يدرك أهمية الكتاب تدفع في الألفية الثالثة إلى السؤال: هل ينفع منع الورق عندما تصبح الكتابة هواء يطير من بلد إلى آخر ؟ لأنّ ما يتم منعه رقابيا وشطبه يدويا تنقله لنا شبكة الإنترنت حيث لا حسيب ولا رقيب ولا قرارات منع وتحريم، ولأنّ الرقابة تتبع آليات تقليدية تعود إلى عدة قرون خلت يصبح المنع والحظر والتحريم مجرد عمل روتيني لموظفين لا يعيشون في الألفية الثالثة.

سيوف الرقابة والمصادرة على أعناق الكتب

الرقابة سرطان قديم – جديد، ولطالما حاولت مقصلة الرقيب أن " تعدم " هذا الكتاب أو ذاك، لاسيما في ظل الأنظمة الشمولية التي لم تفتأ ترتكب مجازر " أدبية " لا تُحصى، والطغاة الذين يستغلون نفوذهم لقولبة أذهان الشعوب على هوى هوسهم الديكتاتوري.

فنادرا ما يمر موسم ثقافي عربي على خير، من دون أن نسمع عن منع هذا البحث أو حظر تلك الرواية أو " إخصاء " هذه المسرحية. فهل الرقابة شر لا بد منه، كي لا يخرج قطار الحريات عن سكته في شكل مأسوي ؟ وإذا كان الأمر كذلك، مَن – وماذا - يخول المخولين حق اتخاذ القرارات في هذا الشأن ؟ (2).

تعتبر الرقابة على الكتب من العوائق التي تحد من حركة الكتاب، ففي غياب معايير أو ضوابط محددة لهذه العملية، فإنّ المزاجية أو الفوضى هي التي تتحكم في عقلية الرقيب. كما أنّ مصادرة الكتب هي الوجه الآخر لعملية التعصب أو التطرف، فالمتعصب أيضا يعانى من نفس مرض اليقين بأنك على خطأ وأنه فقط هو الذي يمتلك الصواب.

لقد كانت البداية مع كتاب " الإسلام وأصول الحكم " الصادر في سنة 1925 والذي كتبه الشيخ علي عبد الرازق قاضي محكمة المنصورة الابتدائية الشرعية حينذاك. ولم يكد يمضي عام حتى انفجرت قضية الكتاب الثاني، ففي سنة 1926 صدر كتاب " في الشعر الجاهلي " للدكتور طه حسين المدرس حينذاك بالجامعة المصرية، إذ قامت القيامة على الكتاب ومؤلفه لا بسبب الموضوع بل بسبب منهج الشك الديكارتي الذي زلزل الثوابت والبديهيات، وحاول أن ينفض الكسل العقلي عن المجتمع ويوقظه من تخدير الأفكار الراسخة.  وفى سنة 1959 حدثت أشهر المصادرات وأكثرها غموضا، إنها مصادرة رواية " أولاد حارتنا " لنجيب محفوظ، وهي من أبدع رواياته ومن أهم حيثيات حصوله على جائزة نوبل للآداب في العام 1988 والتي أشير في نصها إلى " موضوع الرواية غير العادية أولاد حارتنا ". وفي أوائل العام 2006 وافق أحد الرموز الإسلامية في مصر المفكر أحمد كمال أبو المجد على كتابة مقدمة للرواية نزولا عند رغبة الروائي نجيب محفوظ الذي أصر عليها، مثل إصراره على نيل رضا الأزهر قبل صدور الرواية في طبعتها " الشرعية " الأولى، بعد قرابة 47 سنة على نشره فصولا منها متسلسلة في صحيفة " الأهرام " عام 1959.

ومن سياسة مصادرة الكتاب الواحد إلى المصادرة بـ " الزنبيل " وقد حدثت هذه المصادرة في منتصف يناير/كانون الثاني 1992 حينما صادرت إدارة البحوث والتأليف بالأزهر ثمانية كتب من معرض القاهرة الدولي الرابع والعشرين للكتاب: خمسة من هذه الكتب للمستشار سعيد العشماوي ( الإسلام السياسي، والخلافة الإسلامية، وأصول الشريعة، ومعالم الإسلام، والربا والفائدة في الإسلام ) والكتب الثلاثة الأخرى: " قنابل ومصاحف " لعادل حمـــودة، و " خلف الحجاب " لسناء المصري، ورواية " العراة " لإبراهيم عيسى.

وفي العام 2000 قام " مجمع البحوث الإسلامية " بمنع ومصادرة رواية " وليمة لأعشاب البحر " للروائي السوري حيدر حيدر. وفي العام 2003 عاد المفكر المصري الدكتور نصر حامد أبو زيد إلى ساحة الجدل مجددا, بعد أكثر من سبع سنوات على صدور حكم قضائي بتكفيره وتفريقه عن زوجته مما جعله يفر من مصر ويلجأ إلى هولندا. إذ أصدر المجمع نفسه قرارا قضى بمنع تداول كتاب أبو زيد " الخطاب والتأويل " في مصر ومصادرة ما وزع من نسخه في الأسواق، بعد أكثر من ثلاث سنوات على صدور طبعته الأولى عن المركز الثقافي العربي بالمغرب.

وفي العام 2004 اتسعت المواجهة بين الكتاب المصريين من جهة وبين الأزهر من جهة أخرى على خلفية قرار أصدره المجمع بمصادرة رواية الكاتبة نوال السعداوي " سقوط الإمـام ". حيث أشاد بيان اتحاد الكتاب الذي حمل عنوان " إدانة واحتجاج " بالسعــداوي لـ " مكانتها الأدبية وريادتها لحركة الإبداع الأدبي في الوطن العربي ". وقال " لأنّ الكتابة وحرية التعبير مكفولتان في الدستور والقانون, فإنّ لجنة الحريات في اتحاد الكتاب راعها العودة إلى مصادرة الكتب الأدبية التي لا يجوز الحجر على إبداعها ولا على أفكارها ", ولفت إلى الطبعة الأولى للرواية التي صدرت منذ 20 عاما, ثم توالت طبعاتها وترجمتها إلى عدة لغات. وفي مارس/آذار 2005 أوصى الأزهر بمصادرة " رواية " لنوال السعداوي أيضا، وقالت السعداوي: إنّ الطبعة الأولى من " الرواية " صدرت عن " دار الهلال " المصرية الحكومية في نهاية العام 2004، وتساءلت: " كم حكومة لدينا ؟ ومع من نتعامل ". كما أصدرت " دار الآداب " في لبنان طبعة ثانية من " الرواية "، التي تؤكد السعداوي أنها لم تحوِ ما يخالف الدين، وأنها " خيال يصور حال الفقر والأغنياء في مجتمعات أبوية تسحق الفقير ".

ومن آخر وقائع المصادرة في أواخر العام 2005 هي منع الأزهر إدخال كتاب بالإنكليزية عنوانه " الإسلام الوهابي من الثورة والإصلاح إلى الجهاد العالمي "، تأليف الأمريكية ناتانا ديلونغ الباحثة في مركز التفاهم الإسلامي - المسيحي في جامعة جورج تاون. إذ أرسل المجمع تقريرا إلى ميناء بور سعيد بمنع تسليم نسخ الكتاب. وفي تقرير المجمع إشارة إلى أنّ الكتاب " يتضمن معلومات لا تتفق ومبادئ الإسلام "، والمفارقة أنّ المؤلفة قد تلقت اتصالات ذات طابع إيجابي من باحثين سعوديين، كما ألقت محاضرة عن الكتاب في السعودية.

أما في الأردن فيكفل الدستور حرية التعبير، وتنص المادة 3 من قانون المطبوعات والنشر على أنّ " الصحافة والطباعة حرتان، وحرية الرأي مكفولة لكل أردني، وله أن يعرب عن رأيه بحرية بالقول والكتابة والتصوير والرسم وغيرها من وسائل التعبير والإعلام "، غير أنّ المفارقة أنّ المادتين 31 و35 من هذا القانون تفرضان الرقابة المسبقة على كل مطبوعة تستورد من الخارج أو تنتج في الأردن، وهذا شأن يرى فيه البعض تناقضا من حيث المبدأ. لكن واقع الرقابة في الأردن أكثر مفارقة من ذلك، فإذا صح أن الدستور ديموقراطي في نصه وروحه، فإنّ التجربة العملية للكتاب والناشرين مليئة بالفواجع على صعيد حرية التعبير.

فقد شهد الأردن خلال الأعوام الماضية حالات لمنع كتب تعد نموذجا قويا لواقع الحال، تتصل بموضوعات سياسية ودينية وأدبية، أشهرها ما يمكن وصفه بـ " محنة موسى " التي كان بطلها الشاعر موسى حوامدة، صاحب ديوان " شجري أعلى "، والتي تجاوزت قضيته حدود منع الكتاب، إذ تواصلت محكمته طوال أربع سنوات بتهم أخطرها " الردة عن الدين " بما يتضمنه ذلك من مطالبة بتفريقه عن زوجته بدعوى الكفر. المفارقة أن محنة الحوامدة تجاوزت حدود الرقابة القانونية لدائرة المطبوعات والنشر - التي كانت أجازت المخطوطة الأصلية " استحق اللعنة " بشرط تغيير العنوان مع شطب الجمل الإشكالية - إلى النظر في قضيته التي حركها أفراد لأسباب دينية بحسب ما جاء في ادعائهم.

ومن المفارقات الصارخة في " معجزات " الرقابة أنها كانت قد منعت رواية " سيرة الفتى العربي في أمريكا " للروائية رفقة دودين التي حازت جائزة اللجنة الوطنية العليا لإعلان عمان عاصمة للثقافة العربية 2002، لأسباب بدا أنها سياسية. ذلك أنّ الرواية تؤرخ لزمن انتفاضة الخبز والحرية عام 1989 والتي يسميها الأردنيون " هبة نيسان "، وكانت بداية التحول نحو الحياة الديموقراطية آنذاك، وقد شكل منع الرواية نكتة سوداء في مدينة تحتفل بكونها عاصمة للثقافة العربية.

ولا يفرق الرقيب في منعه بين حدود ما يسمى " المعارضة " و " الموالاة "، فقد منع كتاب " الديموقراطية المقيدة " للدكتور علي محافظة الذي يعتبر واحدا من ألمع الأكاديميين الأردنيين، بل هو ديبلوماسي سابق، وقد تولى رئاسة جامعة مؤتة العسكرية والتي تعد الأبرز في تخريج الكوادر العسكرية.

إنّ الرقابة الأردنية تحرق الكتب بعد مصادرتها، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2003 قامت الرقابة الأردنية متمثلة بـ " دائرة المطبوعات " بمصادر وحرق 300 نسخة من رواية الروائي والشاعر الكردي السوري المعروف سليم بركات " دلشاد "، كما قامت بمصادرة كتاب الكاتب الأردني وهدان عويس " العودة إلى الهدأة "، ومصادرة ومنع كتابين للدكتور شاكر النابلسي " الشارع العربي " و " صعود المجتمع العسكري العربي "، وديوان شعر للشاعر البحريني كريم رضى " أحاديث صيفية " وغيرها من عشرات الكتب.

وفي أوائل العام 2004 أقدمت السلطات الأردنية على مصادرة كتاب " الحركة القومية العربية بعيون عثمانية "، ومنعت تداوله في المكتبات. والكتاب الذي ألفه الباحث التركي حسن قايالي رسالة دكتوراة في جامعة كاليفورنيا في عام 1997، يبحث في ال&