النص الكامل لحوار جريدة "الحياة" مع الرئيس السوري بشار الاسد  دمشق – غسان شربل

 

في الطريق الى مكتب الرئيس بشار الأسد تتزاحم الأسئلة في ذهنك. المنطقة تغلي والجروح مفتوحة. هدير الازمة النووية الإيرانية يثير القلق في أكثر من عاصمة عربية مرفقاً بأسئلة عن عمق العلاقة بين دمشق وطهران. الوضع في العراق لا يحتاج الى شرح أو تفسير، وثمة من يرى ان أي استعادة للدور العربي لا بد من ان تبدأ من هناك. الوضع الفلسطيني في غزة والضفة صعب وخطير، فعلاوة على الحصار الإسرائيلي المرفق باعتداءات يومية، هناك مخاطر الانزلاق الى حرب أهلية. العلاقة اللبنانية – السورية لم تخرج بعد من صدمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري وقد سبقتها وتبعتها حزمة قرارات لمجلس الأمن الدولي استهدفت الضغط على سورية وطالبتها بخطوات معينة. وهناك القطيعة الأميركية - السورية والقطيعة بين الرئيس جاك شيراك ودمشق. كل هذا فضلاً عن اسئلة اخرى تتعلق بالجهود العربية والعلاقات العربية – العربية.
على مدى ساعتين حاورت «الحياة» الرئيس السوري حول أبرز الملفات المطروحة وهنا نص الحوار الذي شارك فيه مدير مكتب «الحياة» في دمشق الزميل ابراهيم حميدي:

> سيادة الرئيس، أتيتُ الى دمشق من عمان ولمست لدى الملك عبدالله الثاني قلقاً عميقاً مما يعتبره تراجع الدور العربي لمصلحة الدور الإيراني في المنطقة، فهل لديكم انطباع بأن هذا الدور تراجع الى هذا الحد؟
- أولاً، علينا أن نحدد إن كان الدور العربي موجوداً أم لا. لا أعتقد بأننا كنا نرى دوراً عربياً مهماً عدا الدور الشكلي. الدور الإعلامي في ما يخص لقاءات وزيارات الوفود والتصريحات يظهر دوراً عربياً. لكن لا اعتقد أنه كان هناك دور عربي حقيقي في المضمون. في كل الأحوال ليس هناك ما يمنع أي دولة اخرى في المنطقة أن تلعب دوراً فاعلاً، ومنها إيران كدولة مهمة. لكن الأهم من ذلك اذا كنا نقلق أو نخشى أو نعترض على دور أي دولة في هذه المنطقة فالحل هو بأن يكون هناك دور عربي. كي نبتعد عن الطريقة العربية التقليدية، وهي البكاء على الأطلال، فلنتحرك في شكل فاعل وليكن هناك دور عربي. لا أحد يمنعنا من ان نقوم بدور عربي فاعل. اما الدور الإيراني فأعتقد بأنه دور مهم وإيران دولة مهمة في المنطقة ودورها ضروري لاستقرار المنطقة بالتكامل مع دور عربي وليس بديلاً عن دور عربي. الدور العربي مهم جداً بالتوازي مع أي دور آخر لإيران أو لغيرها، لكن بشرط أن نقرر نحن أننا نريد أن نلعب هذا الدور. إذا لم نقرر هذا الشيء لا يحق لنا أن نتحدث عن أي دور آخر، سلباً أم ايجاباً.
> هل نستطيع القول إن الدور الإيراني في المنطقة ضروري لاستقرارها لكنه ليس بديلاً عن الدور العربي؟
- تماماً
> سألتُ الملك عبدالله الثاني عن سبب الفتور في العلاقات السورية - الاردنية، وإذ به يفاجئني بالقول إنه قبل نصف ساعة كان في محادثة هاتفية معكم؟
- صحيح
> هل هناك توجه لإعادة شيء من الدفء الى هذه العلاقات؟
- العلاقات العربية ـ العربية في شكل عام ينقصها التواصل. نقوم بعملنا ونحتفل به. وإذا كان هناك حدث أو أكثر، سواء كان لقاء قمة أو اجتماع لجنة مشتركة او اتصالاً هاتفياً، فلا تكون له متابعة وتبقى الامور على مستوى القمة. لذلك في أغلب العلاقات يظهر هذا الفتور ليس فقط بين سورية والأردن وإنما في معظم العلاقات العربية - العربية. نحن نسعى لإعادة الحيوية الى هذه العلاقة، خصوصاً أننا مقبلون على اجتماع اللجنة المشتركة السورية - الأردنية، لكن الهدف منه ان نستمر بمتابعة هذا الاجتماع من خلال علاقة بين الملك والرئيس. وأنا دعوت الملك عبدالله الثاني في هذا الاتصال لزيارة دمشق في الوقت الذي يراه مناسباً.
> هل العتب الأردني على سورية ينطلق من ملفات أمنية؟
- أحياناً لا نرى سبباً لخلاف جوهري بين الدول العربية. لا يوجد خلاف جوهري بيننا وبين الأردن. لدينا وجهات نظر في السياسة تختلف قليلاً أو كثيراً مع الأردن أو مع غيره. هناك علاقة بين الأجهزة الامنية تتأثر سلباً وإيجاباً، بحسب الأداء المشترك بين هذه الأجهزة. لا أعتقد بوجود عتب لأن الهدف مشترك. لا يوجد عتب فعلاً. في الموضوع الأمني تحديداً كل الأنظمة العربية الآن لديها القلق نفسه، وخصوصاً بعد حرب العراق، هناك تطرف وهناك إرهاب ينتشر، الجميع يعاني منه. ففي الملف الامني لا توجد خلافات، بل أخطاء تحصل نحمّل مسؤوليتها لموظف أو مسؤول بمستوى معين. يحصل هذا الشيء وتتم تسويته. الآن نحاول إعادة الحرارة من خلال الملف الاقتصادي والعلاقة السياسية، وأيضاً الملف الأمني.
الحوار المصري - السوري

 


> هل لمستم لدى الرئيس حسني مبارك نوعاً من القلق من تصاعد الدور الايراني في المنطقة في لقائكما الأخير؟

 


- لا يمكنني أن أتحدث نيابة عن الرئيس حسني مبارك. طبعاً، أنا والرئيس مبارك نتحدث بصراحة في كل الأمور، وقد تطرقت الى الدور الإيراني في الجواب عن السؤال الأول. وتحدثت مع الرئيس مبارك حول الدور العربي، وقلت بصراحة إن هناك من يتحدث عن دور ايراني في شكل سلبي، فالحل يكون في وجود دور عربي، لذلك دعونا نتحرك عربياً في الاتجاه العراقي لأنه هو المحور الأساس للحديث عن الدور الإيراني. وتحدثنا في الموضوع الفلسطيني، لكن هذا كان المدخل الى موضوع الدور الإيراني من خلال الحديث عن دور عربي.
> هل لنا أن نعرف المزيد عن لقائكم مع الرئيس مبارك؟ هل حاول بذل جهود لتحسين العلاقة السورية - الاردنية؟
- تحدثنا بهذا الموضوع، لكن كان الاتصال بيني وبين الملك عبدالله الثاني قد حصل قبل ذلك بيوم، فكانت الامور تسير في شكل طبيعي باتجاه إعادة الحرارة، كي لا اقول تحسين العلاقة وهي ليست سيئة إنما فيها بعض الثغرات. لكن الرئيس مبارك كان حريصاً، من خلال حديثه على الاطمئنان على هذا الجانب وشرحت له أن الامور تسير باتجاه طبيعي.
> لا شك في ان موضوع العلاقات اللبنانية ـ السورية كان حاضراً في القمة؟
- مرور الكرام. كان الحديث الأساسي الموضوع الفلسطيني والعراقي. قد تتساءل لماذا، ليس لأن لبنان غير مهم. إنه مهم لسورية ولمصر ولكل الدول العربية والجميع يحاول الاطمئنان على العلاقة السورية ـ اللبنانية في شكل عام. لكن الحقيقة ان اداء كثر من السياسيين، أفقد لبنان على المستوى السياسي الصدقية على الساحة العربية. والشيء الذي نسمعه من اغلب الرؤساء والملوك والأمراء العرب الذين زاروا سورية اخيراً يصب في هذا الاتجاه. هذا ليس محوراً سياسياً وإنما موضوع يتم تداوله في شكل عاجل.
> هل تمنى الرئيس مبارك مجدداً عليكم استقبال رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة؟
- الرئيس مبارك يتحدث ويسأل دائماً: ماذا تستطيعون ان تفعلوا لتحسين هذه العلاقة؟ وأنا اشرح له. أما بالنسبة الى السنيورة، فالكل يعرف أننا قلنا له تفضل مرتين. المرة الأولى عندما كنا في القمة العربية وقال لي بعد السلام: اريد أن آتي الى دمشق. فقلت له: أهلاً وسهلاً، لكن ضع جدول أعمال واصدقوا معنا وأهلاً وسهلاً بكم. فلم يأت ولم يضع جدول أعمال ولم يطلب أي موعد. في المرة الثانية بعد زيارة رئيس مجلس النواب نبيه بري. قال الرئيس بري: نريد أن يأتي الرئيس السنيورة ومن دون جدول أعمال. قلنا: لا مانع بعد جلسة الحوار التي كانت تجرى في ذلك الوقت حيث أعلن الرئيس بري للإعلام ان أبواب دمشق مفتوحة، ولم يأت الرئيس السنيورة، فماذا تفعل سورية أكثر من ذلك؟
> هل نفهم ان مسؤولية عدم حصول الزيارة تقع على الرئيس السنيورة؟
- طبعاً. سورية رحبت به مرتين على لساني أنا. لم يكن هناك شخص ثان أو ثالث، لم يكن هناك وسيط في هذا الموضوع.
> الرئيس نبيه بري قال ان ابواب دمشق مشرّعة أمام كل اللبنانيين وكان يقصد الرئيس السنيورة. هل أبواب دمشق مشرعة أمام العماد ميشال عون؟
- طبعاً. بكل تأكيد.
> هل هناك اتصالات لترتيب مجيئه الى دمشق؟
- ليس بعد، خصوصاً أننا ننتظر نتائج الحوار اللبناني. أحياناً نبتعد عن بعض التفاصيل لئلا تتهم سورية بأنها جزء من الحوار. وبالتالي ستتهم بأنها الجزء المعرقل في حال حصلت عرقلة أو انها توقف الحوار أو أي شيء من هذا القبيل. لكن، كمبدأ، أبواب سورية مفتوحة بكل تأكيد. 
الرئيس الأسد يتحدث الى «الحياة» وبدا الزميلان غسان شربل وابرهيم حميدي (الحياة)
> هناك جلسة قريبة للحوار، لو سألناكم نصيحة لإنجاح الحوار من دون أن نضعها في خانة التدخل السوري في الشؤون اللبنانية، ما هي نصيحتكم للمتحاورين اللبنانيين كرئيس لدولة مجاورة؟
- أولاً، أن يكونوا صادقين. ثانياً، أن يكون الحوار انطلاقاً من الإيمان بلبنان الوطن وليس لبنان الطائفة، ولا لبنان المصالح المحلية التي ربما لا تتجاوز بضع حارات. هذا هو المبدأ الأساسي. هذا لا يعتبر تدخلاً وكل شيء يصب في هذا الاتجاه سيكون جيداً.
> نُقل اليوم عن النائب سعد الحريري قوله للرئيس جاك شيراك او تلميحه، ان سورية تحاول تعميق الانقسامات في لبنان؟
- هل الانقسام الحالي الموجود في لبنان هو وليد الأيام والاشهر والسنوات الأخيرة؟ انه جزء من تاريخ لبنان. لم ينشأ لا في الحرب الأهلية ولا في وجود سورية. انه موجود قبل الوجود الفرنسي نفسه. فأولاً، الحديث عن الانقسام مستحدث ومختلق وهو كلام غير واقعي. النقطة الثانية، ماذا تربح سورية؟ هذا سؤال بسيط. أول سؤال يجب ان تسأله: ما هي مصلحة سورية في تعميق الانقسام؟ سورية دفعت دماء في لبنان. لم تقبض أموالاً بل دفعت دماء، وهي أغلى شيء، وتحملت ضغوطاً دولية لعقود من اجل لبنان. فلنفترض الآن أنها ستقوم بهذا العمل - أي تعميق الانقسام - وهذا سيعني أن يؤدي الوضع من جديد الى حرب أهلية، فهل كانت الحرب الأهلية عندما بدأت في 1975 ضارّة لسورية واليوم أصبحت مفيدة لها؟ هذا كلام غير منطقي، أي انقسام مع تبعاته هو ضرر مباشر لسورية.
> لو تولى سعد الحريري رئاسة الحكومة، هل يبقى كلام الرئيس بري عن الأبواب المشرّعة صالحاً؟
- نعم. وهذا الكلام طرح علينا منذ خمسة أو ستة أشهر وقلنا الكلام ذاته بمعزل عن المنصب. طُرح الكلام حول إذا أتى، تحديداً، سعد الحريري الى سورية، فهل يُستقبل، فقلنا طبعاً. لم يكن يشكّل لنا مشكلة. نحن في سورية لن ننزل في سياستنا الى مستوى التصريحات اللبنانية. أبقينا أنفسنا أعلى. ودائماً في السياسة لا توجد عوامل شخصية وإنما مصالح عامة.
> هل نفهم أن جهة عربية حاولت ترتيب العلاقة بينكم وبين النائب سعد الحريري؟
- لم تصل الى مستوى ترتيب العلاقة، وإنما طُرح هذا السؤال كما هو، أي: هل تستعدون لاستقباله؟ ولم نكن نعرف إذا كانت هناك رغبة حقيقية فعلاً بأن يأتي أم كان مجرد استفسار. لا أعرف ولا نسأل بالتفاصيل.
> حتى نكمل المحور اللبناني، أشادت سورية بتقرير المحقق سيرج براميرتز وبمهنيته وحرفيته، وهناك رأي بين منتقدي سورية يقول إن لبنان قرر الفصل بين التحقيق والعلاقات اللبنانية ـ السورية، لكن سورية لا تزال قلقة من التحقيق. هل هذا صحيح؟
- القلق ليس من التحقيق حتى الآن. صدرت اربعة تقارير حتى الآن، اثنان منها أيام اللجنة السابقة وكان الهدف منها إدانة سورية، ومع ذلك التقريران الأول والثاني لم يتمكنا من إدانة سورية. اتهما سورية من دون أي شيء وبالتالي كان التقرير ضعيفاً. والتقريران الآخران يبدو أنهما مهنيان كما تقول سورية ولم يتهما سورية. إذاً، في المضمون سير التحقيق بمراحله المتناقضة هو مطمئن لسورية وليس العكس. أنا اقول أحياناً ان القسم الأول مطمئن ربما كالقسم الثاني لأنه عندما أتى بهدف الإدانة لم يتمكن من ذلك. فعندما يكون مهنياً سيكون طبعاً لمصلحتنا أكثر. لكن القلق ليس من هذا الموضوع لأننا اتخذنا موقفاً منذ البداية ولن نغيره منذ اتهام سورية في المرة الأولى، وإنما القلق هو من حجم الضغوط الدولية التي تحصل من أجل حرف مجرى التحقيق. نتمنى ألاّ ينجحوا في التدخل وفي حرفه عن المهنية وهذا هو القلق الوحيد. نحن لسنا قلقين من سير التحقيقات، لأننا نرى الامور تسير باتجاه توضيح أن سورية ليس لها يد في هذا الموضوع، خصوصاً مع ازدياد الاحتمالات. وهذا هو السير الطبيعي للتحقيق أن تكون هناك احتمالات مختلفة كما يوردها التقرير الأخير.
> بما فيها الاحتمال الانتحاري؟
- كل الاحتمالات، نحن لم نقل أن لا يضعوا سورية كاحتمال، لكن ليس من المعقول أن تكون سورية الاحتمال الوحيد. هذا هو الفرق بين التقرير الحالي وبقية التقارير.
> سيادة الرئيس، اعلنتم انه إذا ثبتت علاقة أي شخص سوري سيسلّم؟
- هو خائن، وقبل ان يسلّم سيحاسب بالقانون السوري، والقانون السوري قاسٍ جداً تجاه هذا الموضوع.
> هل هناك زيارة جديدة لبراميرتز الى سورية، هل طلب المجيء؟
- كلا، لم يطلب.
> هل كنتم مرتاحين بعد لقائكم معه؟
- قبل اللقاء وبعد اللقاء، لأنه، بالأساس، كان توجهنا نحن كسورية بأن المحقق عندما يأتي ليسمع وجهة نظرك فأنت رابح. فميليس طلب مرتين أن يلتقي بي ورفضت في المرتين. حتى اننا لم نعطه جواباً، بغض النظر عن أي وضع دولي وغيره، مثل مجلس الأمن لأن الهدف معروف. عندما أتى براميرتز كان الوضع مختلفاً بالنسبة إلينا، إذ كنت أنا شخصياً متحمساً لأن الخلفية السياسية مهمة في مثل هذا النوع من التحقيقات. كنت مرتاحاً قبل اللقاء وخلاله وبعده. وكان اللقاء جيداً.
> كم دام اللقاء؟
- حوالى الساعة.
> هل لديه طلبات من سورية لم تلبّ بعد؟
- كلا، كان واضحاً في التقرير عندما قال إن تعاون سورية مرضٍ. وفي ظل الظروف السياسية الحالية هذا جيد. لا يمكن أن يقول ان التعاون مرضٍ وسورية لم تتعاون ولو في بند واحد ولو كان بنداً بسيطاً. كان سيذكر عدم تعاون سورية، عندما لم يذكر عدم تعاون سورية فهذا معناه ان سورية تعاونت في كل شيء، وهذا التعاون مستمر ومفتوح ضمن إطار التحقيق وضمن إطار المهنية في التحقيق.
> لماذا هناك مخاوف من ان تكون القوى الحليفة لسورية في لبنان تسعى الى إسقاط الحكومة لتعقيد قصة المحكمة الدولية في المرحلة المقبلة؟
- لم اسمع بهذا الكلام باستثناء طروحات غير واسعة. ولكن في شكل منطقي هدف المحكمة الدولية هو الوصول الى نتائج بنيت على تحقيقات. لم تنته التحقيقات. عادة عندما تحصل جريمة تأتي الشرطة أو المحققون ويعطون المعطيات للمحكمة، كيف تُشكل المحكمة ولم ينته التحقيق ولا توجد معطيات بناء على أي شيء. الهدف منها سياسي، واللعبة واضحة.
> إذا تولى غداً رئاسة الحكومة سياسي لبناني صديق لسورية، فهل نرى سفارة لسورية في لبنان؟
- بالنسبة الى موضوع السفارة، أنا الذي طرحت موضوع السفارة في الاجتماع الأخير للجنة العليا السورية - اللبنانية عندما كان الرئيس إميل لحود والرئيس بري والرئيس (عمر) كرامي في دمشق في آذار (مارس) 2005، ولم تكن هناك ضغوط لبنانية، وقلت: نحن لا توجد لدينا مشكلة، إذا كنتم تعتقدون بأن هناك حاجة لسفارة ادرسوها ولنر ما هو التعارض بينها وبين المجلس الأعلى السوري - اللبناني. نحن كمبدأ لا نرفض سفارة، ومن غير المنطقي ان ترفض سفارة او تقول لا يجوز أن تكون هناك سفارة، وسورية لم ترفض في يوم من الأيام فكرة سفارة في لبنان، بل كانت تقول ليست ضرورية، خصوصاً أن المسافة بين بيروت ودمشق هي أقرب من المسافة بين دمشق وحمص. هذا هو المبدأ، أي ان العلاقات تسير من دون هذه السفارة، إذاً لا يوجد مبدئياً اعتراض على السفارة، لكن لا يمكن أن تأتي السفارة بفرض، لا دولي ولا محلي ولا اقليمي، هذه هي وجهة نظرنا بالنسبة الى السفارة.
> يُطرح موضوع ترسيم الحدود، والقرار 1680 يطالب سورية بترسيم الحدود، ما هو موقفكم؟
- في تشرين الثاني (نوفمبر) قبل القرار، جاء الرد مباشرة من رئيس الوزراء السوري على رسالة الرئيس السنيورة بموافقة سورية على ترسيم الحدود. لكن اللعبة واضحة، حتى عندما وافقنا كنا نعرف ما هي اللعبة التي يرغب بها السنيورة. كان الموضوع في ذلك الوقت موضوع مزارع شبعا. بالنسبة إلينا مزارع شبعا لا يمكن تحديدها الآن. عليك أن تبدأ من الشمال أولاً أو أي مكان آخر. لكن ليس مزارع شبعا في ظل الاحتلال الإسرائيلي. هذا هو موقفنا في شكل واضح. أما موضوع ترسيم الحدود فكما تعلم حصل ترسيم حدود مع الأردن منذ سنتين ولم تكن هناك أي مشكلة.
> الوزير وليد المعلم تحدث في القاهرة عن لجان تعمل، هل هناك فعلاً لجان تعمل أم ماذا؟
- بحسب المعلومات، هذا موضوع قديم، منذ عقود. فعلاً كانت هناك لجان، لا أعرف الآن إذا كانت تجتمع أم لا. لكن فعلاً هذا الموضوع أعتقد انه من السبعينات. كمبدأ لا توجد لدينا مشكلة، لكنهم يريدون خلق مشكلة من هذا الموضوع.
> عودة الى الموضوع اللبناني، هل ستنتظر سورية نتائج الحوار اللبناني أم ستنتظر تدهوراً في لبنان والطلب إليها لاحقاً ان تسهّل لملمة الأوضاع في لبنان؟
- عندما كانوا يطرحون سؤالاً عن كيفية تعاملنا مع لبنان، حتى قبل الخروج السوري، كنت أقول لهم أي لبنان؟ بالنسبة إلينا من خلال الطبقة السياسية نرى لبنانات. فالآن عندما نتحاور مع طرف لا يعني ذلك أننا نتحاور مع بقية الأطراف. على اللبنانيين أولاً أن يوحدوا أنفسهم. وهذا الكلام أعتقد بأنك تسمعه حتى في بعض الإعلام العربي وفي مقالات صحافية أو غيرها، لأن المشكلة هي في لبنان. أولاً، على اللبناني أن يحسم مشكلته ويضع تصوراً واضحاً ونحن مستعدون عند ذلك للقيام بمبادرة للتعامل معه باتجاه معين. لكن هناك الآن اتجاهات وتناقضات في ما بينها، وأي اتجاه تتعامل معه يعتبر الطرف الآخر أنك تتعامل مع الطرف الذي لا يمثله. عندما يتفق اللبنانيون على الشكل النهائي والتفاصيل النهائية لكل المواضيع المطروحة، تستطيع سورية عند ذلك ان تتعامل معه وهي مرتاحة من دون عقد.
> هل أدى خروج القوات السورية من لبنان إلى تغيير في علاقة دمشق مع «حزب الله»؟
- لا، أبداً. العلاقة لم تكن مبنية على الوجود العسكري إطلاقاً.
> معنى ذلك ان الحرارة التي ميزت علاقتكم بالسيد حسن نصر الله ما زالت مستمرة؟
- مستمرة كما هي ولم تتغير على الإطلاق، على الإطلاق.
> هل قلّت الأوراق التي في يد سورية بعد انسحابها من لبنان؟
- بالعكس، لأننا كنا نحمَّل كل السلبيات، حتى ولو لم تكن لنا علاقة بها. الآن من الصعب تحميلنا كل السلبيات بكل التفاصيل. الآن واضح تماماً أين هي المشكلة على رغم الاتهامات الإعلامية، لكن في المضمون بالنسبة الى المواطن في لبنان فهو يعرف أن سورية لم تعد لها علاقة بمعظم الأمور. وحتى إن كانت هناك أخطاء، تحدثتُ عنها في السابق، فهي غير موجودة الآن. كانت هذه الأخطاء موجودة عندما كنا موجودين في لبنان. الآن غير موجودة، إذاً من يتحمل الأخطاء؟ الأمور لم تتحسن ولم يظهر أن هذه القضايا التي كانت تُحمّل لسورية، أن سورية مسؤولة عنها. بل على العكس أنا أعتقد، حتى بالنسبة الى الشعب السوري، كان البعض منهم يسأل ماذا نفعل في لبنان؟ الآن أصبح الجواب واضحاً، أين تكمن المشكلة.
> هل كانت ليلة اتخاذ قرار الخروج من لبنان صعبة؟
- لا. ليس لأن القرار صعب، وإنما لأن ظروف الخروج كانت على خلاف مع القواعد اللبنانية وليس مع السياسيين. السياسيون لهم مصالحهم ويبقون محدودين، لكن عندما تكون لديك شريحة واسعة من الشعب اللبناني تعتقد بأنك سبب مشكلة في لبنان أو بأنك خلف اغتيال الحريري، أو بأنك كنت محتلاً، أو كل هذه الاتهامات... فهذا بكل تأكيد يسبب جرحاً لكل سوري من دون استثناء. ومن يقول لك غير هذا الكلام يكذب عليك. هنا كانت الصعوبة. وعندما كنا نقرر خروج القوات السورية على مراحل، فإن وجود القوات في أي مكان هو عبء. عبء على القوات وعلى الدولة وعلى البلد الآخر. هذا شيء طبيعي، ومن الطبيعي ان تعود القوات. كلما سحبنا المزيد من القوات كنا نرتاح أكثر بالممارسة، لكن شكل العلاقة مع الشعب اللبناني هو الذي آذى السوريين كثيراً.
> هل نستطيع القول ان سورية لا تحنّ للعودة إلى لبنان، سواء كان عسكرياً أم إدارياً؟
- أقول لك لو سألت العسكريين السوريين سيقولون لك لا، قبل غيرهم. لأنها كانت مهمة صعبة، كانت مسؤولية كبيرة ولم تكن قضية نزهة. إذا كان البعض مرتاحاً، فلا يعني ذلك أن عشرات الألوف من المقاتلين السوريين كانوا مرتاحين. كانوا يعيشون في العراء ولم تكن هناك لا مخيمات ولا شيء في العراء. عندما يوجدون في بلدهم تكون هناك معسكرات وتأمينات مستمرة، أما في لبنان فعلى العكس كانت الظروف صعبة. طبعاً هذا لا يعني أن سورية لن تقف مع لبنان، أنا لا أتحدث الآن عن الشكل السياسي. لكن أقف عند كلمة الحنين. الحنين شيء وأن تقوم سورية بمساعدة لبنان في ظرف ما شيء آخر. لكن ربما يخلط القارئ بين الاثنين. فقضية الحنين بمعنى أنها قضية عاطفية، لا. كانت لدينا مهمة وسورية ستبقى مسؤولة عن مهماتها في المستقبل في أي ظرف.
> هل التواصل مع الرئيس اميل لحود قائم؟
- لم يتوقف ولم يتغير، كل سبت نتصل صباحاً، واليوم صباحاً تحدثنا مع بعضنا بعضاً.
> كيف أحواله؟
- لم يتغير. الرئيس لحود معنوياته لا يمكن أن تنزل تحت اي ظرف من الظروف.
> لو تساعدونني في مسألة بسيطة: من سيكون الرئيس المقبل في لبنان؟
- الآن نستطيع ان نجيب بكل سهولة لأنه لم يعد واضحاً الآن. الحوار هو الذي سيحسم مستقبل الأمور في لبنان. لا أعرف إذا كانوا لم يتفقوا حتى الآن حول أي موضوع من القضايا الجوهرية. ولنقل على سبيل المثال موضوع قانون الانتخاب. الشرخ الطائفي كان موجوداً حتى خلال وجود سورية وحتى بعد الطائف. ونراه يكبر الآن. كيف سيتعاملون مع كل هذه المواضيع؟ الطائف لم يطبق منه أي بند من بنوده، وفي مقدمها إلغاء الطائفية. كل هذه الأمور ستلعب دوراً في تحديد شكل لبنان وسرعة انتخاب الرئيس المحتمل. ولا أعتقد بأن هناك أحداً يستطيع أن يحدد من هو الرئيس المقبل، ومن المبكر الحديث عن هذا الموضوع.
العلاقة مع لحود

 


> هل لديكم شعور بأنه يمكنكم أن تقيموا مع العماد ميشال عون علاقة شبيهة بتلك التي تقيمونها مع الرئيس لحود كونهما عسكريين؟
- نحن لدنيا مبدأ بالنسبة الى الرئيس لحود، يعني لم تكن علاقة شخصية. المبدأ بالنسبة إلينا هو مبدأ مؤسساتي. الرئيس لحود حقيقة كان من أصعب الاشخاص الذين من الممكن لسورية أن تتعامل معهم، على عكس ما يعتقد الآخرون، وهو يستطيع أن يشرح لك الكثير من المواقف التي حصلت بين سورية وبينه.
معروف عن الرئيس لحود أنه صلب لا يتراجع عن مواقفه بسهولة، ولا يقوم بعمل غير مقتنع به. هذه هي الميزة الأولى للرئيس لحود، والميزة الثانية انه وطني، والثالثة أنه غير طائفي، والرابعة أنه، طبعاً بمعزل عن التسلسل، يؤمن بالعلاقة العربية وبلبنان العربي. كل هذه الأمور أساسية لاستقرار لبنان. أي رئيس يأتي بهذه المواصفات سنتعامل معه بالحد الأقصى. أما بالنسبة الى العماد عون، فأنا لا أعرفه شخصياً، ولكن لو أجرينا مقارنة منطقية، فمن كانوا يسمون أنفسهم حلفاء سورية هم الذين يتآمرون على سورية.
العماد عون كانت علاقتنا به غير جيدة وصدامية في بعض الأحيان، هو لا يحاول الانتقام من سورية، ولا الإساءة إليها. على العكس يدافع عن سورية، وهذا شيء لا نستطيع إلا أن نراه، ولا نستطيع ان ننكره، وبالتالي لا نفكر هنا بالمنصب وإنما بالشخص أولاً.
> هل هناك مشروع زيارة لعون الى سورية، وهل هناك اتصالات معه؟
- الآن، كما قلت، نحن قبل أن ينتهي الحوار اللبناني لا نحاول أن نقحم أنفسنا بعلاقات واسعة جداً مع الأطراف اللبنانية، ولكن لدينا مصلحة في أن نقيم أوسع العلاقات مع اللبنانيين، وطبعاً مع تياراتهم السياسية المختلفة، ومنها العماد عون.
> هل باب العلاقات مقفل نهائياً مع النائب وليد جنبلاط؟
- لم نقفله، هو من أقفله. أُقفل سياسياً ومن ثم أُقفل أخلاقياً. تم تجاوز كل الحدود. لا يوجد أي اتصال على الإطلاق.
> ألا يوجد مجال لذلك؟
- صعب.
> يتحدث جنبلاط كثيراً عن مخاوفه الأمنية.
- هذه مشكلته.
> في موضوع آخر، هل من الصعب على رئيس الجمهورية العربية السورية إقامة علاقات نديّة مع لبنان كالتي يطالب بها الرئيس السنيورة؟
- على العكس، عندما تكون العلاقات ندية، فمعنى ذلك أن لبنان ليس بحاجة الى أمهات حنونات، أي يصبح عربياً. أما عندما لا يكون ندياً فسيبقى الوضع على هذا الشكل. على العكس، سورية كانت دائماً، حتى خلال الوجود العسكري، تحاول أن تبني هذه العلاقة الندية، لكن قسماً كبيراً من السياسيين اللبنانيين لا يؤمن بقوة بلده أو لا يراها ربما أو لا يهتم. هذه هي المشكلة لدى بعض السياسيين في لبنان وليست المشكلة في إيمان سورية. يريدون من سورية أن تؤمن باستقلالية لبنان، هل يؤمنون هم باستقلالية لبنان؟ هم أنفسهم الذين يتحدثون عن الندية، هل هم نديون بعلاقتهم مع فرنسا أو مع أميركا. يأخذون الأوامر من السفراء أو من بعض المسؤولين، فقضية الندية هي عبارة عن كذبة، قناع. كان يقال ان الرئيس السوري لا يزور لبنان لئلا يحيي العلم، لأنهم (السوريون) لا يعترفون بلبنان. فقمت أنا بزيارة لبنان عام 2002 ونزلت في المطار وحييت العلم. انتقلوا الآن الى موضوع السفارة. لكنهم هم أنفسهم هؤلاء المجموعة. نحن لا نخسر من وجود سفارة، لكن ربما هم يقولون ليتنا لم ننشئ سفارة.
> نفهم من كلامكم، ان العلاقة مع فرنسا لا تزال سيئة جداً؟
- تحديداً فقط مع الرئيس (جاك) شيراك. أما مع المؤسسات الفرنسية فالعلاقات جيدة، وهذا هو الشيء الغريب لم تتأثر العلاقة مع فرنسا ككل.
> هل هناك شق سياسي ممتزج بشق شخصي في موقف الرئيس شيراك؟
- هذا ما نسمعه في شكل مستمر من أصدقاء الرئيس شيراك الأجانب والعرب.
> إذاً، العلاقات السورية - الفرنسية تنتظر انتهاء عهد الرئيس شيراك؟
- لا يهمنا هذا الموضوع ونعتبره شأناً داخلياً فرنسياً. قلنا للفرنسيين في شكل واضح في أكثر من رسالة: لا يمكن ان نسمح لعلاقتنا مع أي دولة أخرى بأن تمر عبر دولة ثالثة. وبالتالي إذا كانت فرنسا تريد ان تبني علاقة جيدة مع سورية فيجب أن تبنيها مع سورية وليس عبر لبنان. هذا هو جوهر المشكلة. أما بالنسبة الى الجانب الشخصي أو غير الشخصي، فأنا لا أعرف في هذا الإطار تحديداً.
> الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أرسل رسالة الى الرئيس جورج بوش يدعوه فيها للحوار، هل من الممكن أن تدعو الرئيس بوش الى الحوار؟
- نحن دائماً ندعوهم الى الحوار، بمعزل عن شكل الدعوة، سواء برسالة أم عبر طرف ثالث، أم بتصريحات إعلامية، نحن في أغلب خطابنا السياسي نتحدث عن ضرورة الحوار وتحديداً مع أميركا، لكن هل هذه الإدارة قادرة على الحوار؟ هذا هو السؤال الأهم. حتى الآن لا يبدو أنها قادرة.
> هل الباب مقفل تماماً حالياً، لا يوجد تبادل رسائل أو تبادل إشارات، وسورية بارعة في الإشارات؟
- هناك تبادل رسائل، لكن هذا النوع من الرسائل هو الذي يعطي الفرصة للطرف الرسمي بأن يقول لا علاقة لي بهذه الرسائل. أي يتبرأون منها لئلا يغيروا موقفهم بأنهم مع سياسة عزل سورية أو عدم التعاطي معها. لكن في الواقع هناك وفد أميركي جاءنا الأسبوع الماضي، على سبيل المثال، وطلب ألا يكون اللقاء علنياًً، فوافقنا، وجلس ساعتين وقال اعضاؤه: الادارة تستمع الى رأينا، وربما يكون نصف الوفد من الادارة، الله أعلم، لكنه يأتي تحت أسماء مختلفة.
> هل تشعر سورية بأنها في حال من العزلة نتيجة الضغط الدولي الشديد عليها؟
- كلا، في الحقيقة موضوع العزلة عرّفته في خطابي الأخير أمام المحامين العرب. قضية العزلة قضية شكلية، عندما نبحث عن دور شكلي نكون الآن في حال عزلة. وسورية لم تكن تسعى الى دور شكلي، دائماً كانت تسعى الى دور حقيقي فاعل. بالنسبة الى العرب اصبح دورهم في السنوات الأخيرة تحديداً، خصوصاً بعد 11 ايلول (سبتمبر)، شكلياً. لم يعد هناك دور عربي حقيقي. حالياً تبدو سورية معزولة في الشكل، لكن في المضمون لم يتغير شيء على الإطلاق. ما زال دورنا هو دورنا وعلى العكس اصبح الدور السياسي السوري الآن أفضل من قبل سنوات قليلة بكثير. والسبب في ذلك أن الرؤية السورية تثبت أنها كانت صحيحة.
> هل أنتم قلقون من الملف النووي؟ هل ترى أن احتمالات الحرب واردة، أي حرب أميركية - إيرانية؟
- إذا فكرنا في شكل منطقي، لا أرى هذا الاحتمال، لأن لا آفاق واضحة له. ولا أحد يستطيع أن يحدد اين تنتهي الأمور، لا بحدودها الجغرافية ولا بحدودها التدميرية، بالمعنى النوعي وليس بالمعنى الجغرافي. لا اعتقد بأن هناك عاقلاً الآن في الولايات المتحدة وغيرها يعتقد بأن هناك إمكاناً لحسم الأمور في هذا النوع من الحرب. في البداية كان الحوار مرفوضاً، الآن بدأ الحديث عن الحوار ونتمنى أن يبدأ الحوار في شكل فعلي. الأمور تسير بالاتجاه الصحيح كما نراها.
> أليس لدى سورية مخاوف من حدوث صفقة إيرانية ـ أميركية تتضمن اعتبار إيران لاعباً اقليمياً كبيراً، ما يعني تهميش دور سورية والعرب إقليمياً؟
- كلا، خصوصاً بالنسبة الى سورية. لا أريد ان اتحدث عن بقية العرب. سورية لديها دور في القضايا المطروحة المختلفة وخصوصاً في موضوع العراق، وسيكون لها دور إيجابي لمصلحة العراقيين الذين نستقبل كثيرين منهم. سورية كدولة عربية وكدولة مجاورة للعراق لا يمكن تجاوز دورها. لئلا اقول كلمة صفقة، فهذه الكلمة لها معنى سلبي أو انتهازي أحياناً. لنقل تسوية. أي تسوية بين أميركا وإيران. أعتقد بأنها إيجابية لأنها تخدم الاستقرار وتخدم الوضع السوري بكل أبعاده. لذلك أقول نحن لسنا قلقين أبداً ونقول ان الحوار جيد، الحوار في النتيجة هدفه الوصول الى تسوية، وليس الحوار لمجرد الحوار.
> هل يمكن أن نرى ذات يوم أن سورية تدخل الى الحوار مع أميركا من النافذة الإيرانية؟
- كلا، في الواقع الحوار مع أميركا يجب أن يكون حواراً مباشراً. لكن أعود الى الفكرة نفسها، إذا كانت أميركا مستعدة للحوار مع ايران فهي الآن قادرة وستكون قادرة على الحوار مع كل العالم. الآن هي غير قادرة على الحوار مع حلفائها الاوروبيين والعرب. وهذا الكلام نسمعه من الحلفاء الذين يقولون إنهم غير قادرين على الحوار مع اميركا. عندما تصل الى الحوار مع ايران فبكل تأكيد ستكون قادرة على أن تحاور سورية أو غيرها.
> هناك من يتحدث عن سيناريو كارثي في المنطقة، بمعنى أن يستيقظ أهل المنطقة ليروا الطائرات الاميركية تضرب المفاعلات النووية الإيرانية. وتتمة السيناريو تقول بأن «حزب الله» في لبنان سيمطر إسرائيل بترسانة من الصواريخ، وان «حماس» تستكمل هذا الدور في الأراضي المحتلة. هل تخشى سورية مشهداً من هذا النوع يطرح أمن النفط وأمن المنطقة؟
- بكل تأكيد.
> هل سورية جزء من هذا السيناريو، سيناريو الرد في حال هجوم أميركي على ايران؟
- لا، لسنا جزءاً من سيناريو الرد. لكن بكل تأكيد عندما تدخل المنطقة في هذه الفوضى فمن غير المعقول أن تبقى الأمور مستقرة لديك. فربما تدفعك الأحداث كي تكون جزءاً من هذه الفوضى، عندها سيكون الموضوع كبيراً وخطراً جداً. لكن هناك السؤال الأهم، بمعزل عن السيناريوات العسكرية، عندما تقوم بهذه العملية فأين تذهب المواد المشعة؟ ماذا يحصل؟ أنت إذا فكرت بضرب دولة لديها قدرة نووية، تخيل فوضى في دولة نووية ماذا تعني؟ الموضوع أخطر بكثير من قضية مجرد رد عسكري هنا وإطلاق صاروخ هناك. إنه أخطر بكثير من الحديث عن موضوع مضيق هرمز.
> إذا صنعت ايران قنبلة نووية، فهذا يعني أن العرب يقيمون بين قنبلتين، إيرانية وإسرائيلية، هل تخشى ان يكون في الشرق الأوسط الجديد تقاسم للأدوار بين تركيا وإيران وإسرائيل؟
- يجب عدم التشبيه بين الدول الثلاث كدور وكأهداف، لكن هذا يعيدنا الى السؤال الأول. إذا لم تكن هناك رغبة بدور عربي فلن نكون موجودين. هذا هو الذي يحدد هذه الصورة التي تتحدث عنها. إذا اردنا أن نكون هامشيين لا نستطيع ان نطلب من الآخرين أن يكونوا هامشيين كي نبقى أقوياء. يجب أن نكون أقوياء وعندها لا نقلق من الأدوار التي تتحدث عنها. لكن على ما يبدو هذه الدول لديها الرغبة في لعب دور. وأقصد تركيا وإيران ولا أتحدث عن إسرائيل، فهذا موضوع آخر، لأنها دولة احتلال ومبادئها مختلفة. وهذا شيء وطني أن ترغب هذه الدول بلعب دور اقليمي. وكل دولة يجب أن تتمنى أن تلعب هذا الدور، لكن ليس بالتناقض في ما بينها.
> هل الموضوع الايراني حاضر في لقاءاتك او اتصالاتك مع المسؤولين السعوديين؟
- نتحدث فيه ايضاً. بكل تأكيد بالمنطق نفسه الذي نتحدث به مع الرئيس مبارك. أعود دائماً للحديث عن أن المشكلة هي الدور العربي وليس عن طبيعة الدور الإيراني، بمعزل عن المدح او الهجوم او الدفاع عن الدور الإيراني. القضية هي أين هو الدور العربي؟
> لكن، هناك عتب عربي على سورية بأنها ذهبت بعيداً مع ايران ووقعت اتفاقات أمنية معها في ظل الأزمة والمخاوف من الطموحات النووية؟
- إذا كان المطلوب عزل إيران، فلماذا بدأت هجمة المسؤولين العرب باتجاه إيران أخيراً، هذا أولاً. وثانياً هذا يعني أننا كنا نرى الامور الى أين تذهب، وأنا تعرضت لهجوم شديد عندما زرت ايران في الشهر السابع من العام الماضي.

 


> ممّن؟
- من الإعلام المختلف، لنقل انه ليس من الإعلام وإنما من نقد بعض المسؤولين العرب في بعض جلساتهم والآن يقومون بالشيء نفسه الذي قمنا به. اذاً، كنا نعرف اين تسير الأمور. القضية ليست أن نذهب مع ايران. نحن لا نذهب مع أحد. سورية لها موقعها وإيران لها موقعها، والعراق بيننا. الآن العراق هو الموضوع الأهم في المنطقة. وكل منا يستطيع أن يلعب دوراً من زاويته من دون تعارض وليس بالضرورة أن يكون أحدنا تابعاً للآخر. لكن ليس المطلوب أن نعزل إيران كي نقول إن سورية تلعب دوراً عربياً نحن نلعب دوراً عربياً بالتعاون مع ايران.
> في الثمانينات لعبت سورية دوراً في تخفيف التوتر بين إيران ودول الخليج. هل تلعب سورية حالياً هذا الدور أم تحاول أن تلعبه أم ان العلاقات الخليجية الإيرانية لم تعد بحاجة الى وسيط؟
- نحن نلعب هذا الدور ونلاحظ في الوقت ذاته أن هناك وعياً لدى الدول العربية بأن الصدام مع إيران ليس في مصلحة أحد. فهم يتحركون إذاً. ونحن نحاول دائماً في كل لقاء وحديث عن إيران، وفي كل لقاء مع إيران وحديث عن الدول العربية أن نرعى هذا الموضوع. العلاقة الإيرانية العربية الجيدة الإيجابية ضرورية لاستقرار المنطقة، نحاول أن نلعب هذا الدور، ولكن كما قلت الدول العربية تتحرك بوعي حول هذه النقطة.
> هل هناك احتمال للعودة الى المثلث السعودي – المصري - السوري الذي كان يعتبر نوعاً من الضمانة لضبط الانهيارات العربية؟
- هذا المثلث مهم ويلعب دوراً، ربما ليس من طريق اجتماع ثلاثي على طريقة القمة أو اجتماع وزراء الخارجية، وإنما التنسيق السوري - السعودي، السوري - المصري، والمصري - السعودي موجود الآن في القضايا نفسها وننسق في شكل مستمر، فهو كمضمون الآن موجود ولكن في شكل مختلف.
> كيف تصفون العلاقات السورية - السعودية الآن؟
- جيدة، خصوصاً مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز. لم يتغير مع سورية، على عكس ما شاع من انطباعات العام الماضي من أن الملك عبدالله غاضب عندما كان ولياً للعهد. طبعاً، هذا الكلام لم يكن صحيحاً. العلاقة مع الملك عبدالله تحديداً لم تتبدل على الإطلاق.
> هل هناك اتصالات سعودية - سورية حالياً؟ وما هي القضايا المطروحة في هذه الاتصالات؟
- طبعاً هناك اتصالات حول كل القضايا العربية. الموضوع العراقي أولاً. والآن الموضوع الفلسطيني بعدما بدأت الصدامات في الأسابيع الأخيرة أصبح من المواضيع المستجدة والعاجلة.
> يقول المسؤولون الإيرانيون إنهم على استعداد لمساعدة أميركا لإخراج قواتها من العراق لأن ذلك في مصلحة الشعب العراقي، هل سورية مستعدة لمساعدة أميركا على الخروج؟
- سورية كانت ضد الحرب بالأساس وبقيت من اليوم الأول وحتى الآن مع خروج القوات المحتلة من العراق في شكل معلن. فمن البديهي جداً، أن نقدم كل مساعدة ممكنة من اجل خروج قوات الاحتلال، أو لنقل كل تسهيل، لأن المساعدة ربما تأخذ معاني أخرى. بكل تأكيد نحن مستعدون.
عروض أميركية

 


> إذا عدنا الى العلاقات السورية - الاميركية تقول واشنطن انها لا تريد تغيير النظام في سورية وإنما تريد إدخال تغيير على سلوكه، برأيكم أين العقدة؟ هل هي العراق، لبنان، العلاقة مع «حماس» و «الجهاد»؟ اين العقدة؟
- أفضّل أن اعطيك واقعاً وليس رأياً. الرأي ربما هو تحليلات. لكن الواقع هو ما يطلب من سورية. كان المطلوب أولاً المشاركة في حرب العراق فرفضنا. كان المطلوب لاحقاً العمل على نزع سلاح الفلسطينيين في لبنان ونزع سلاح «حزب الله» وخصوصاً في مرحلة ما بين صدور القرار 1559 واغتيال (الرئيس رفيق) الحريري. هذه المرحلة كانت مرحلة مساومات، بأن سورية تستطيع أن تبقى في لبنان ولكن عليها أن تقوم بكذا وكذا.
> مَنْ طلب ذلك؟ الأميركيون؟
- الأميركيون طبعاً. (المبعوث الدولي تيري - رود) لارسن. البعض من الأوروبيين على شكل وساطات ينقلون لنا رسائل أميركية.
> أي ان سورية تستطيع البقاء في لبنان؟
- كان الطرح بهذا المعنى أيضاً في مرحلة أخرى. بعد الحرب كان المطلوب من سورية أن تسوق «خريطة الطريق». وسورية لم تعارضها، لكن لم توافق عليها. كانوا يريدون من سورية ان تعطيها الغطاء بأنها عملية جيدة وبأنه طرح جيد. نحن لم نكن مخطئين. على الاقل في الاتجاه السوري بأنه طرح غير جيد. كان المطلوب منا أن نحاصر «حماس»، أن نضرب «حماس»، هذا هو التغيير المطلوب في السلوك السوري.
> هل سورية مستعدة لتغيير سلوكها؟
- لو كنا مستعدين، كنا قمنا بهذا العمل منذ زمن طويل.
> بالنسبة الى الوضع الدولي، هل الرهان، إذا كانت الكلمة دقيقة، على الدور الروسي والصيني، أثبت جدواه في مساعدة سورية في شكل عام؟
- في شكل عام لا يوجد شك. كانت هذه الدول تقف معنا في المراحل الصعبة في شكل حازم وواضح. لكن أيضاً من ضمن سياسة سورية أن توسع العلاقات مع مختلف الدول. هذه الدول مهمة من خلال عضويتها الدائمة في مجلس الأمن، لكن أيضاً نوسع علاقاتنا مع دول آسيا في شكل عام ومع دول أميركا اللاتينية، وهذه العلاقات مهمة الآن في هذه الظروف الدولية التي فيها تفرد أميركي في قيادة العالم.
> تردد أن سورية مستعدة لبذل جهود لإقناع «حماس» بقبول مبادرة السلام العربية؟
- لأوضّح هذه النقطة على خلفية القمة المصرية - السعودية التي طرحت الطلب من «حماس» الموافقة على المبادرة العربية. نحن التقينا مع القياديين الموجودين في سورية، وتشاورنا معهم، وسألناهم رأيهم. أنت تعرف أن «حماس» كمنظمة، لديها اعتراضات على المبادرة. هي ترفضها، ولها اعتراضات على أشياء اخرى كثيرة ربما سورية توافق عليها.
لكن نحن كان سؤالنا: «حماس» من موقعها في السلطة كيف ستتعامل مع هذه الطروحات وما هو رأيها؟ طبعاً، لم نكن نتوقع جواباً عاجلاً، لأن هذا الموضوع بحاجة الى حوار وأنت تعرف أن «حماس» جزء منها موجود في الخارج والجزء الأكبر في الداخل. فلا بد من أن يحصل حوار بين الداخل والخارج، خصوصاً انهم لم يكونوا قد اتخذوا موقفاً واضحاً تجاه هذا الشيء.
الآن نحن ننتظر حواراً داخل «حماس» حول هذه الطروحات، لكن من جانب آخر، الموضوع مطروح على أن «حماس» غير مرنة. دعنا نطرح سؤالا أولاً قبل موضوع المرونة. السؤال البديهي هو على أي أساس نستطيع أن ننصح «حماس» أو ان نقنعها أو أن نضغط عليها في موضوع المبادرة العربية والتي لا توافق إسرائيل عليها في الأساس. عندما ننصح يجب أن يكون لدينا جواب على هذه النقطة. حتى الآن لا يوجد لدينا جواب في سورية. فماذا نقول لـ «حماس»؟ لنفترض أنها وافقت، المبادرة تعتبر في حكم الميتة طالما أن الطرف الثاني لا يعتبرها موجودة، ولن يعتبرها على ما يبدو.
نحن نضغط على شيء قد يبدو أحياناً وهمياً، إذاً يجب أن نحدد جواباً لهذه النقطة. النقطة الأخرى، «حماس» في موقعها الجديد في السلطة لم تقم حتى الآن بإلغاء الاتفاقات. وهي طبعاً لا تتحمل مسؤولية الاتفاقات الموقعة، فنحن نعتقد بأن هناك نوعاً من المرونة في موقف «حماس» حتى الآن، لذلك يجب قبل أن نتحدث عن النصيحة أو الضغط على «حماس» أن نقيم حواراً. أن نرى ما هو رأي «حماس»، ونعطيهم الوقت كي يتحاوروا، لأنهم منظمة ولديهم قواعد قبل أن نبدي رأياً نهائياً في هذا الموضوع.
> لوحظ أن مدير الاستخبارات المصرية اللواء عمر سليمان كثير التردد على دمشق؟ هل «حماس» هي الموضوع الأساسي في المحادثات مع سليمان؟
- هذا الموضوع كان للتحضير للمواضيع التي ستطرح مع الرئيس مبارك في القمة، وكما قلت كان الحوار حول الموضوع الفلسطيني والعراقي وكيف نتحرك عربياً. وخلال زيارتي الى مصر تابعنا الحوار وحضرنا افكاراً لهذين الموضوعين.
> فهمت ان هناك توافقاً بين نائب الرئيس فاروق الشرع وخالد مشعل على عدد من النقاط كأساس لتحرك سوري باتجاه الدول العربية، فما هي؟
- نعم، طبعاً واحدة منها تعتمد على رأي «حماس» بموضوع المبادرة العربية. لكنها نقطة تعتمد على ماذا تقول «حماس»، هذا أولاً. النقطة الثانية هي موضوع توسيع منظمة التحرير الفلسطينية، كونها الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني. وبهذه الحالة، في حال انضمت «حماس» وبقية الفصائل الى منظمة التحرير تقلّ فرص الخلاف بين الجهات المختلفة وتصبح منظمة التحرير الوعاء الذي يجمع كل الآراء الفلسطينية ويأخذ القرار الصحيح، أو الذي يعتقد الشعب الفلسطيني بأنه صحيح. كما جرى التوافق على دعم الحوار الفلسطيني – الفلسطيني والعمل على تشكيل حكومة ائتلاف وطني.
> هل تخشون من حرب أهلية فلسطينية؟
- نعم، وهذا الموضوع ليس جديداً، فقد طرحته عندما بدأ رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون يتحدث عن غزة أولاً. قلت لهم: هذا مشروع حرب أهلية فلسطينية بمعزل عن الظروف التي كانت ستأتي. لم نكن نعرف أن «حماس» ستدخل انتخابات ولم نكن نعرف أنها ستفوز. لكن الهدف الاسرائيلي يتطابق مع ما يحصل الآن أو يحضّر له الآن بظروف مختلفة. ونعتقد بأن بعض الفلسطينيين يقدم لإسرائيل من خلال هذه الصدامات ما لم تحلم به منذ وجودها.
> كيف هي علاقتكم مع الرئيس محمود عباس؟
- جيدة. ميزة محمود عباس أنه واضح. هناك وضوح وإن كنا لا نتفق حول قضايا سياسية. فعلى سبيل المثال سورية لا تزال لديها وجهة نظر بالنسبة الى أوسلو وإلى عملية السلام على المسار الفلسطيني منذ بداياتها، لكننا لا نناقش هذه المواضيع. ما يهمنا الآن هو وحدة الفلسطينيين قبل هذه الأمور.
عندما التقيت بالرئيس محمود عباس في مناسبات مختلفة في سورية وفي القمة العربية قلت له: ما يعنينا هو وحدة الفلسطينيين. وعلى هذا الأساس نتعامل مع الرئيس عباس وهو مرتاح لهذا الشيء، على ما أعتقد ونحاول ان نقف في الوسط على مسافة واحدة من الجميع.
> هل تخشى سورية من حرب أهلية مفتوحة في العراق تكون لها جاذبية اقليمية على أبناء الدول المجاورة؟
- بكل تأكيد، نطرح هذا الأمر في شكل مستمر، خصوصاً عندما نشرح للأجانب تأثير التفاعلات التي تأتي على خلفية أشياء من هذا النوع في العراق بالنسبة الى بقية الدول في المنطقة التي تتشارك في البيئة الاجتماعية نفسها سيكون لها تأثير بعيد المدى، وسورية ستتأثر بكل تأكيد، فنحن نحذر دائماً من هذه النقطة.
> هل هناك شيء عملي يتبلور في الاتصالات بين سورية والسعودية ومصر، أي تحرك ما لاستعادة العراق؟
- الآن على الأقل سورية بدأت. ونحن طرحنا مع الأخوان في السعودية وفي مصر أننا سنتحرك لأن اجتماع دول الجوار لم يحقق النتائج المرجوة. طبعاً هناك اجتماع مقبل لدول الجوار ستحضره سورية، لكن بعد ثلاث سنوات، ماذا حقق هذا الاجتماع؟ بيانات. البيانات لا تحل مشكلة العراق، يجب أن تكون هناك أسس معينة نتحرك من خلالها. نلتقي الآن مع كثير من الوفود العراقية خصوصاً في شكل غير معلن، ونأخذ منها الطروحات ونبحث عن شيء مشترك، وهذا الشيء المشترك يجب أن تقوم الدول العربية المهتمة في الموضوع بإيجاد صيغة سياسية تتوافق مع هذا الطرح المشترك وتوحد العراقيين، والصيغ السياسية الموجودة الآن نسمع هناك الكثير من الاعتراضات عليها، البعض يعترض على الدستور وعلى أشياء اخرى، وهناك فئات في المجتمع العراقي تعتقد بأنها خاسرة ورابحة، وهناك فئات تعتقد بأنها مظلومة، هذا شيء خطير بالنسبة الى مستقبل العراق، بمعزل عن وجود الاحتلال وعدمه. فإلى الآن علينا ان نوحد هذه الأمور، ونحن نرى في سورية، وهذا شيء دائماً نضعه كمقدمة في خطاب سياسي، أن عروبة العراق هي الأساس، العراق عربي، وكل شيء يستند إلى هذه العروبة.
على سبيل المثال السيد مقتدى الصدر طرح وثيقة تتضمن عدداً من المبادئ، ورأينا أن معظم العراقيين يتفق مع هذه المبادئ. إذاً، علينا أن ننطلق من مثل هذه الطروحات كي نخلق حواراً. في الوقت ذاته هناك اجتماع كان سيحصل في الايام المقبلة وأرجئ. كان هناك حوار عراقي - عراقي كانت سورية ستشارك فيه. هذه الخطوات نقوم بها الآن في شكل فعلي لتمتين العلاقات مع العراقيين والمساعدة على خلق حوار متين بينهم. هذا مبدئياً، ولكن هذا الحوار سيحدد ما هي الآليات المقبلة، لا تستطيع أن تضع رؤية كاملة للمستقبل ولا تمتلك الآن سوى معلومات أولية، لا يوجد لديك شيء واضح تماماً.
> كان مقرراً ان يشارك وزير الخارجية وليد المعلم في اجتماع الوفاق الوطني العراقي في حزيران (يونيو)، ويقال الآن ان هناك زيارة قريبة منفصلة للوزير الى بغداد؟ هل هناك اتصالات لاستئناف العلاقات الديبلوماسية بين سورية والعراق؟
- بدأنا اتصالات اولاً لإعادة العلاقات الديبلوماسية يتبعها تعيين سفير أو فتح سفارة، ومن ثم هناك حديث باتجاه لقاءات بين الوزراء. طبعاً لم نحدد بالتفاصيل المواعيد، لكن المبدأ مطروح. لا نقول لا للعلاقات الديبلوماسية، لكن المرحلة ما زالت مبكرة، لأننا نتحدث الآن عن علاقات سياسية ونحن نتطلع لإقامة علاقات ديبلوماسية مع العراق.
> لوحظ في الفترة الأخيرة ان الصدامات بين أجهزة الأمن السورية ومجموعات تكفيرية تتزايد. هل لهذه الاشتباكات علاقة بالمناخات في العراق؟ هل هذه المجموعات تشبه «القاعدة» أم ماذا؟
- العلاقة مباشرة وفي الصميم مع ما يحصل في العراق وهذا من التحقيقات وليس تحليلاً. بحسب التحقيقات جزء كبير منهم لا يرتبط بـ «القاعدة» ولا يرتبط بأحد. أغلبهم حالات تفاعلت مع الوضع في العراق والبعض منهم عبر التلفزيون والبعض الآخر ذهب إلى هناك وتفاعل أكثر وعاد بفكر مختلف تماماً. وأحياناً يخلط هؤلاء بين الكره للأميركي الذي يقتل العراقي وبين ان يكونوا متطرفين ويخرجون عن دينهم ويذهبون باتجاه التطرف. وهو خروج طبعاً عن الدين عندما يتطرف الإنسان في هذا الشكل ويصبح إرهابياً يخرج عن الدين، فهم يعتقدون بأن الأمر واحد وأحياناً يخلطون بين موضوع آخر ثالث وهو انهم يجب ان يقاتلوا كل من ليس مثلهم بالنسبة الى الشعب وإلى الدول. موضوع «القاعدة» يطرح وكأن هناك منظمة لها هيكلية أو كأنها حزب. «القاعدة» هي تيار فكري، وبالتالي أغلب هؤلاء هم عبارة عن مجموعات، إما أشخاص في شكل منفرد وإما مجموعات صغيرة لا يربط بينها شيء سوى الفكر التكفيري. وهذا الفكر, كما قلت، يتأثر بما يحصل في العراق.
> هل يتلقون مساعدات من جهات معينة؟
- لا، أغلبهم لا. أغلبهم يحاول الحصول على أموال لتمويل عملياته، لأنه يجاهد، كما يعتقد، في سبيل الإسلام.
> هل هو أمر مزعج لسورية إذا تبين أن «القاعدة» عثرت على موطئ قدم لها في لبنان؟
- هذا الشيء اصبح أمراً واقعاً.
> هناك وجود لـ «القاعدة» في كل لبنان؟
- عندما كانت سورية موجودة في لبنان كانت «القاعدة» موجودة فيه، لكن في شكل ضيق. وما حصل من أحداث (في منطقة) الضنية في 1998 دليل واضح على هذا الكلام.
> هل لدى سورية معلومات عن تزايد نفوذ «القاعدة» في لبنان بعد خروج القوات السورية؟
- طبعاً. بديهي ان نربطه بهذه القضية، والآن كثير من المجموعات التي نطاردها، جزء منها يفرّ من سورية إلى لبنان لأنه الأقرب والأسهل والطرق جبلية، فلا شك في أن جزءاً من المعلومات الموجودة لدينا يؤكد هذه الحقيقة.
> سيادة الرئيس لماذا تأخر الإصلاح في سورية؟ هل الأسباب الإقليمية الضاغطة، من العراق الى وجود شارون في الحكم فترة طويلة؟ هل صعوبة تبديل الذهنيات في سورية؟
- من حدّد سرعة الإصلاح كي نقول بأنه تأخر. هذا سؤال بديهي. أنا سألت دائماً ولم يأتني أي جواب. ما هي سرعة الإصلاح؟ الإصلاح هو أن تسير بأقصى سرعة بأقل خسائر، ويبقى من يقدر هذا الموضوع بالدرجة الأولى هو المسؤول عن الإصلاح، المسؤول الأكبر في الدولة. هذا إذا أردنا ان نقول ان الإصلاح بطيء أو سريع. أعتقد بأن هذا النوع من التقييمات هو مضيعة للوقت. بطيء أو سريع، كل إنسان يراه في شكل ذاتي.
المهم، هل نسير الى الأمام أم لا؟ هذا أولاً، نحن نسير إلى الأمام بخطوات كبيرة، والدليل، أو أحد الأدلة الرقمية أولاً، أن النمو في عام 2000 كان في حدود الصفر. واليوم، بحسب تقرير صندوق النقد الدولي، فإن نسبة النمو في القطاع غير النفطي هي 5.5 في المئة. لولا الإصلاح لما كنا حصلنا على هذا الرقم من الناحية الاقتصادية. لكن علينا أن نحدد أولويات الإصلاح. أولويات الإصلاح بالنسبة إلينا كانت دائماً الوضع الاقتصادي، وتركيزنا كله على هذا الاتجاه.
الجانب الآخر هل الظروف السياسية تخدمنا؟ لا إنها لا تخدمنا، لأن الظروف السياسية الموجودة لدينا في سورية وحولها الضغوط التي حصلت خلال السنة الأخيرة والعراقيل الواضحة والمباشرة من أميركا وبعض الدول الأوروبية لعملية الإصلاح في سورية، كل هذا يعني أننا استطعنا أن ننجز إصلاحاً على رغم هذه الظروف، فكيف لو كان الوضع طبيعياً أو كان هناك دعم دولي وإقليمي للإصلاح. الحقيقة لا يوجد دعم وإنما توجد عرقلة في شكل مباشر، إضافة الى العرقلة التي تحصل من خلال الظروف السياسية المختلفة. الإصلاح في حاجة الى إبداع، والإبداع لا يمكن ان يكون مع وجود الانغلاق، والانغلاق هنا يُعبّر عنه بالتطرف، التطرف او الإرهاب لأن الهامش بينهما قليل. نحن نسير في عملية الإصلاح، أما من يحدد السرعة فهو الأدوات التي تمتلكها. أنت تسير في باخرة أو سفينة ولكنك لست الربان الوحيد. السفينة هي المنطقة وهناك الكثير ممن يشاركك في هذه القيادة داخلياً وخارجياً. لذلك عملية الإصلاح ليست عملية تقودها أنت في شكل مطلق وتُسأل عنها في شكل مطلق. يجب أن تأخذ في الاعتبار كل هذه الظروف المحيطة.
> في ما يتعلق بالخطة الخمسية العاشرة هي أقرت في البرلمان، هل يمكن القول ان هذه تمثل رؤية سورية في السنوات المقبلة سياسياً واقتصادياً؟ وهل لديكم تفاؤل بأنها ستنفذ فعلاً؟
- طبعاً كتصور بكل تأكيد هي التصور لسورية المستقبلية. لكن إمكان التنفيذ يعتمد على الخطط التنفيذية التي ستطرح والتوافق عليها. وأنا شددت في أحد لقاءاتي الأخيرة مع الحكومة على هذه النقطة.
هذا الموضوع يعتمد على إمكان خلق حوار بين الجهات المختلفة المعنية بهذا الموضوع في سورية، خصوصاً الاتحادات والنقابات والمنظمات، إضافة الى الدولة، والغرف المختلفة. ربما أحياناً نتفق على مبدأ عام، لكننا لا نتفق على الآلية خصوصاً عندما نعرف أن الآلية للوصول الى هذا البند تؤثر في المصالح أحياناً، أو بمعنى أنها تتطلب القليل من شد الحزام، وربما يُرفض هذا الكلام. لذلك لا يكفي ان نتفاءل بأننا أقررنا الخطة. هذا غير كاف. علينا أن نضع آليات للحوار.
> قلتم في حديثكم الأخير الى الـ «بي بي اس» الاميركية ان الأولويات تغيّرت، والآن الأولوية للأمن بحكم الظروف الموجودة في سورية، إلى أي حد يؤثر هذا في الإصلاح؟ وماذا يعني على أرض الواقع؟
- أتمنى ألا يؤثر، لكن في اعتقادي سيؤثر لأن الأولويات هي ان تتحرك بأقصى سرعة وبأكثر قوة باتجاه معين. هذا الاتجاه الذي يتحدد يعتمد على شيئين: الأول، ما هو إمكان الإنجاز في هذا المحور؟ فمن الطبيعي ان تعطي الأولوية لمحور سهل. والثاني، ما مدى الإلحاح والعجالة، بمعنى الخطورة. ما هو التأثير الخطر لمحورها. وفي هذا الجانب نقول إن ما يحصل في سورية من تكرار لعمليات إرهابية وتصدي قوات الأمن لها يجعل هذا المحور حرجاً وعاجلاً تجب معالجته بسرعة وفي شكل أولوي، ولا أستطيع أن اقول إن هذا المحور هو قبل الاقتصاد وقبل الطعام والوضع المادي للناس. لكن الآن اضعه بالتوازي معه، ما فائدة ان تكون شبعاناً اليوم ولكن تجوع غداً، يجب ان تعيش كي تشبع وتشبع وتعيش لكي تحقق تطويراً في المجالات الأخرى، هذا هو المنطقي.
الإسلام والعروبة

 


> في الفترة الأخيرة ظهرت مؤشرات في الخطاب الرسمي السوري حول توافق ما بين العروبة والإسلام؟
- عندما تحدثت امام مؤتمر الاحزاب العربية قلت العروبة مرتبطة بالإسلام، ولا ننسى أن العربية لغة السيد المسيح. بمعنى انها هي التي تربط بين كل الشرائح المختلفة. لكن عندما نرعى العروبة والإسلام فإنهما يتكاملان. فبعد استقلال سورية ومعظم الدول العربية كان هناك مخطط غربي لضرب العروبة والاسلام. لذلك يحصل انقسام في المجتمع، وتكون هناك اضطرابات تلعب عليها هذه القوى. فالربط بين الموضوعين مهم جداً لخلق استقرار داخل المجتمعات.
النقطة الثانية، هناك بعض من يتحدث عن الاسلام وكأن العروبة غير موجودة. وهذا خطير لأن العروبة هي التي تجمع بين مختلف الشرائح الموجودة في مجتمعاتنا، سواء دينياً أو طائفياً او قومياً. دائماً أقول ان العروبة ليست فكرة شوفينية، كما يقال او فكرة عنصرية او عرقية. فكرة العروبة هي فكرة حضارية. ما يجمع بين مختلف الفئات ان الأسس التي يرتكز عليها المجتمع العربي هي عروبة وإسلام، فلا بد من ان يكون هذان المحوران مستقرين كي تستقر بقية المحاور.
> كيف استقبلت القيادة السورية والسلطة السورية موضوع قيام «جبهة الخلاص الوطني»؟
- باستخفاف.
> لماذا باستخفاف؟
- لأن أي عمل تغييري يجب ان يعتمد على الشعب. نحن نعيش في سورية. أنا أعيش مع الشعب وأعرف تماماً كيف ينظر الشعب الى هؤلاء. من يريد أن يقوم بعمل تغييري ويدعي أنه قادر، عليه أن يمتلك الشعب أولاً. أما عن قيام جبهات في الخارج، ودعم دولي، أو نصف دولي، فكل هذا الكلام لا قيمة له. هذا الكلام يؤخذ باستهزاء على المستوى الشعبي أيضاً.
> هل تعتقد بأن «جبهة الخلاص الوطني» تحظى بدعم دولي؟
- نعم. في شكل أو في آخر.
> مالي أم سياسي؟
- لا أعرف إن كان مالياً. سياسي مبدئياً نعم، لكن مالي لا أعرف.
> هل فوجئتم بأن يكون عبدالحليم خدام طرفاً فيها؟ وهل توقعتم ذلك؟
- كلا، لم نفاجأ. وليس بالضرورة أن نتوقع. الأداء واحد والنهج واحد، لا يهم ما هو الشكل.
> هل العاصفة مرت؟
- لا، نعتقد بأن العاصفة طويلة.
> تهديد النظام لا يبدو مقلقاً، او هذا هو الانطباع؟
- هناك فارق بين القول ان الهجمة خفّت وبين اننا عرفنا كيف نتعامل مع الهجمة. الرؤية السورية في الأساس كانت واضحة. الأمور في المضمون مستمرة، لكننا أكثر ثقة بأنفسنا وأكثر قدرة على التعامل مع معطيات جديدة او هجمة جديدة.
> طالما أن سورية واثقة من نفسها، لماذا حصلت الاعتقالات الأخيرة؟
- أولاً، عندما نقوم بعمل داخلي يكون توجهنا داخلياً. أي عمل نقوم به يكون الداخل هو الذي يعنينا ولا ننظر إلى ردود الفعل، أي موضوع داخلي لا نسمح لأحد بالتدخل به.
ثانياً، لا ننظر إلى هذا الموضوع من زاوية إذا كنا نثق بأنفسنا أم لا. وعندما طرح الموضوع، طرح وكأن النظام خائف، الواقع لا. الأشخاص نُبهوا لأن البيان يمس الأمن القومي السوري وحصل بالتعاون مع قوى لبنانية معادية لسورية، في السر والعلن، وبالتالي هذا خروج على القانون وخروج على الحالة الوطنية. من الطبيعي ان يطبق عليهم القانون وهم يحاكمون الآن في محاكمة عادية وليست استثنائية.

"الحياة"