الإسلام والحداثة السياسية في التجربة التركية (*) (1)

 الدكتور عبدالله تركماني

 

يمثل حزب العدالة والتنمية التركي أنموذجاً يستحق الدراسة والتأمل، خاصة في البلدان العربية حيث تتطلع شرائح فاعلة في مجتمعاتها للبحث عن أنموذج يجمع بين الإسلام والحداثة، ويتزامن هذا الاستحقاق مع حاجة الكثيرين لتفهم طبيعة الإسلام السياسي في تركيا وحدود حضور الإسلام في الحياة الخاصة والعامة للأتراك. لذلك فإنّ مبعث اهتمامي بالتجربة التركية، في السنوات الأخيرة، يرجع إلى انشغالي البحثي بتجارب الانتقال الديمقراطي في مختلف البلدان، بهدف المساهمة في بلورة المشروع الحضاري العربي التوافقي بين التيارات الفكرية والسياسية الرئيسية، الذي يمكن أن يساعد على خروج الأمة العربية من مأزقها الراهن.

إنّ مشروع هذه القراءة للإسلام والحداثة السياسية في التجربة التركية يقوم على الفصل المنهجي بين ميداني العقيدة الدينية ( العقائد والعبادات ) والمنجز الحضاري للحداثة، بما هو تراكمات ( المعاملات ) حصلت عبر التاريخ في مجالي المجتمع والسياسة.

إننا بصدد تجربة متميزة في المجتمع التركي‏,‏ تقدم إسلاماً آخر غير إسلام الجمود والانغلاق. إنه إسلام متعايش مع العصر، منفتح على العالم، معترف بالحداثة، حريص على الهوية الإسلامية بلا تعصب وبلا إكراه وفرض، وبلا اغتيال للعقل، وبلا تكفير للمجتمع وللعالم.

ومهما يكن من أمر فإنّ التجربة التركية أعادت إلى الأذهان - من جديد - إمكانية التوافق بين الإسلام والحداثة، باعتبارها من أهم المسائل المطروحة على جيلنا والجيل الذي سيليه وربما أكثر.

في أهمية الموقع الاستراتيجي لتركيا

تركيا تشكل دولة محورية كبيرة في الشرق الأوسط الكبير، بما فيه جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، إضافة إلى كونها الجسر الجغرافي والحضاري بين أوروبا والعالم الإسلامي. مما أتاح لها، وفرض عليها في الوقت نفسه، الكثير من المزايا والالتزامات. وقد جمعت تركيا تاريخياً بين الحضارتين الهيلينية والإسلامية، وفي حال تحولها نحو تحسين وتطوير ديموقراطيتها، قد تستطيع زيادة فرص التفاعل بين العالم الخارجي والشرق الأوسط، لأنها دولة كبيرة وتشغل حيزاً استراتيجياً مهماً يطل على رقعٍ استراتيجية هامة. وفي حال نجحت تركيا في تحقيق حلمها بالانتماء إلى أوروبا، يمكن أن تلعب دوراً فاعلاً في محيطها الإسلامي، وأن تتحول إلى قوة مؤثرة وفاعلة في نظام الشرق الأوسط الكبير الذي تم الإعداد له بمشاركة أمريكية – أوروبية، خاصة وأنها البلد الإسلامي الكبير الذي له علاقة شراكة استراتيجية مع إسرائيل.

لقد أصبحت تركيا ميدان اختبار لفكرة توافق الإسلام والحداثة. صحيح أنها تمثل, ضمن العالم الإسلامي, حالة خاصة، فهي العضو الإسلامي الوحيد في حلف الناتو، وهي مندمجة في المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية للغرب إلى درجة أكبر بكثير بالمقارنة مع أي بلد إسلامي آخر. لكنّ هذا لا يعني أنّ ما يحدث في تركيا لا يكتسب أهمية بالنسبة إلى المسلمين في أماكن أخرى.

وبداية، يجدر بنا أن نشير إلى نقطة ضعف أساسية تعتري ديموقراطية تركيا: الدور الرئيسي الذي تلعبه مؤسسة الجيش في المفاصل الأساسية من الحياة السياسية، وهذا ما يحد من اعتمادها على عقلها السياسي الحداثي/البراغماتي في حل مشكلاتها.

كيف نفسر صعود نجم حزب " العدالة والتنمية "

يصعب تحديد مجمل الأسباب التي أدت إلى صعود حزب " العدالة والتنمية " إلى الخريطة السياسية التركية خلال أقل من عام ونصف العام على تأسيسه، ولكنّ أحداً لا يستطيع تجاهل عاملين أساسيين مباشرين، إضافة إلى عوامل عميقة المدى سنتناولها لاحقا، وراء هذا الصعود: أولهما، أنّ الشعب التركي لم يعد على استعداد لإعطاء النخبة العلمانية التقليدية فرصة أخرى بعد ثلاثة أرباع القرن من العنف والانقسام الداخلي والتوتر والتأزم الاقتصادي المستمر. وثانيهما، أنّ الناخب التركي أمل أن يحقق صعود الحزب إلى الحكم إعادة التوازن إلى إشكالية الهوية والثقافة، التي نخرت الجمهورية التركية وأقامت تلك الهوة العميقة بين الدولة والمجتمع.

وهنا يجدر بنا معرفة أنّ العلمنة التركية لم تكن ناتجة عن صراع جدلي خلاق للذات مع ذاتها، إذ لم تكن ناتجة عن تفاعل خصب بين قيم الإسلام وأفكار الحداثة والعقلانية. فالتغيّرات لم تشمل رأس مال المجتمع الرمزي والذي تجسد في الدين والتقاليد والبنى الثقافية العامة. ذلك أنّ إعلان الجمهورية في العام 1923، واستبدال مؤسسات التعليم الديني بمدارس عامة، ووضع القبعة محل الطربوش، وإعلان المساواة بين الرجل والمرأة، وكتابة اللغة التركية بالحروف اللاتينية، واعتبار المجتمع التركي مجتمعاً متجانساً، جاءت كلها بقرار من أتاتورك من دون سجال تاريخي داخل المجتمع الذي كان مكبلاً بشروطه الداخلية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية القاسية.

إنّ الكمالية، كصياغة علمانية متطرفة للهوية، لم تأخذ الموقف المحايد من الدين كما في السياق التاريخي الغربي,‏ بل عادته على المستوى الاجتماعي والثقافي‏,‏ وقد استفزت منذ الخمسينيات نزعة إحيائية عميقة. ويبقى التمييز الأكبر بين العلمانية التركية والعلمانية الأوروبية أنّ الأولى توسلت الديكتاتورية وسيلة لوضعها موضع التطبيق، فيما شكلت الديموقراطية الإطار الذي ازدهرت فيه العلمانية ونمت في أوروبا. ولهذا السبب فإنّ تيار الإسلام السياسي عاد إلى الظهور من جديد، وبكل قوة، حتى بعد مرور ما يقرب من خمس وسبعين سنة على فرض النظام العلماني.

إنّ العلمنة التركية كانت مجرد قشرة سطحية تلتصق على سطح المجتمع من دون أن تنفذ إلى أعماقه أو تترسخ فيه، ولذا فإنها كانت مهددة دائماً من قبل تيار جارف صادر من الأعماق. ولولا أنّ مؤسسة الجيش حمتها بالقوة، وكذلك دور بعض النخب السياسية والفكرية المتأثرة بأفكار الحداثة الأوروبية، لربما كانت تزعزعت وانهارت كلياً. بهذا المعنى فإنّ الخصوصية التركية تذوب، وتصبح تركيا كأي بلد عربي أو إسلامي آخر، أي تصبح بلداً لم يستطع أن يحسم مسألة الصراع بين قيم الماضي وقيم المستقبل بشكل جذري. ولكن يبقى صحيحاً القول: إنّ تركيا مرشحة، بعد صعود نجم حزب " العدالة والتنمية " لأن تفرز تياراً فكرياً قادراً على تحقيق المصالحة التاريخية المنشودة بين القيم الخصوصية وقيم الحداثة الكونية.

(1) – البنية الاجتماعية

عند ولادة الجمهورية التركية في عشرينيات القرن الماضي، كان 80 % من الشعب يعيشون حياة تقليدية في الريف، وكان فهم الإنسان والمجتمع والدولة والطبيعة والتاريخ مشبعاً - إلى حد كبير - بالمفاهيم الدينية. ومنذ الستينيات أصبح سكان المدينة الجدد، الذين راحوا ينزحون من منطقة الأناضول ويبنون تجمعات مدينية جديدة ويدخلون إلى شبكات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المدينة، يشكلون العمود الفقري للإسلام السياسي. وفي انتخابات مارس/آذار 1994 بدا ناخبوه الأكثر مدينية في تركيا.

وبالنسبة لبنية حزب " العدالة والتنمية " أخذت تقوى وتكسب لها قاعدة جماهيرية واسعة، تمثلها الأوساط الاجتماعية المتوسطة والفقيرة خصوصا في آلاف القرى والمدن والقصبات التي تنتشر في طول البلاد وعرضها. وقد استفاد الحزب، ليس من الانقسام السياسي التي تمثله كل من النخب العلمانية والفئات الإصلاحية، بل استفاد أيضاً من حالة التجزؤ الاجتماعي بين سكان المدن الكبرى في غرب البلاد وسكان الأرياف والمدن الصغرى في شرقها. ويمكننا القول، من خلال متابعة كل عوامل صعود نجم الحزب، إنّ ثمة توظيفاً للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، التي مرت بها تركيا، والتي استفاد منها سياسياً، وخصوصا مؤثرات التشرذم الحاد في اقتصاديات البلاد بين الطفيليين وأصحاب رؤوس الأموال والفقراء والعاطلين والمهمشين والمهاجرين.

 

(2) - خصوصيات الإسلام السياسي التركي

من المهم أن تكون هذه الخصوصية التركية محل اهتمام وبحث معمقين، كي لا تختلط وتتداخل المفاهيم والتصورات، وتفضي إلى نوع من التشوش الفكري والسياسي، يصعب معه تمييز الفروق الواضحة بين الحركة الإسلامية التركية من جهة والحركات الإسلامية الأصولية المعروفة في العالم الإسلامي. فالحركة الإسلامية التركية لا تنتمي إلى الجماعات الأصولية المتطرفة التي ازدهرت في العالم الإسلامي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بل تختلف - نوعيا - عنها في قضايا أساسية تتعلق بالمرجعية الفكرية وبأشكال وأساليب العمل السياسي والحزبي، وارتباطاً بهذا الاختلاف النوعي دخلت الحركة الإسلامية التركية مرحلة ازدهارها الكبير في اللحظة التي انتقلت فيها الحركات الأصولية الإسلامية إلى نوع من الانكفاء والتراجع، أو الميل نحو الإرهاب والتطرف.

  ويبدو ذلك الاعتدال الإسلامي واضحاً من خلال تيار التجديد الديني الرسمي، الذي يتخذ من العلم مناراً وهادياً في قضايا الإسلام وتنفيذ شرائعه، وقد شرحته رئاسة الشؤون الدينية في بيانها الصادر عن مجمع المفتيين في ختام اجتماعهم بتاريخ 13 يوليو/تموز 2000 بالقــول " إنه نظرة جديدة للإسلام في إطار التجديد والحداثة من أجل فهم الإسلام على حقيقته ولتنفيذ شرائعه - أصولاً وفروعاً - باللغة التي يفهمها المؤمنون بها، مع فتح باب الاجتهاد وتفسير القرآن الكريم وفق مفهوم العصر وفي ضوء متطلبات المجتمعات الإسلامية، وفي إطار القيم الإسلامية في احترام حقوق الإنسان وحرية العقيدة والوجدان وحماية حقوق المرأة وإنقاذ الشباب من العادات والممارسات السيئة، وحل مشكلات المجتمع بالحوار والتسامح باحترام أسلوب كل فرد في الحياة في إطار الديموقراطية مع الاعتراف بالرأي الآخر، وإعادة النظر في كتب الفقه والحديث لتنقيتها من الشوائب والخرافات التي تتضمنها الأحاديث الموضوعــة ". 

(3) - الانتقاد الذاتي الإسلامي وانشقاق تيار أربكان

وضع حل  حزب " الفضيلة " في يونيو/حزيران 2001 حداً لاحتكار نجم الدين أربكان الأحزاب ذات التوجه الإسلامي في تركيا، فأسس رفاق أربكان فورا حزب " السعادة " لكنّ الغالبية الساحقة من نواب حزب " الرفاه " السابق لم ينضموا إلى الحزب الجديد بل فضلوا الدخول إلى حزب " العدالة والتنمية " الذي أسسه محافظ استنبول السابق طيب رجب أردوغان في أغسطس/آب 2001.

في هذا الإطار، اكتسب الجدل بعداً أعمق أدى إلى انشقاق داخل الإسلام السياسي التركي. فقطاع مهم من شباب الحركة الإسلامية دفع الجدل إلى أقصاه، وغيّر مجراه تماماً، عندما صاغ تساؤلات أساسية حول طبيعة المشروع السياسي للحركة الإسلامية المعاصرة. فقد تساءل هؤلاء: لماذا لا نتخذ من العلمانية إطاراً نظرياً للدولة, لا باعتبار ذلك تكتيكاً فرضته موازين القوى داخل تركيا, ولكن إيماناً صادقاً، لكونه مخرجاً للمأزق الإيديولوجي الذي تعانيه الحركات الإسلامية منذ ميلادها ?

وأجابوا بوضوح: الاعتدال في السياسة والفكر والسلوك، ثم شرحوا مغزى ذلك الاعتدال بالتفصيلات التالية (*):

1-سوف لا تتمحور حركتنا الجديدة حول المشاعر والعقائد الدينية، وإنما على الأسس الديموقراطية والشفافية والحوار والتعاون.

2- لن تعمل حركتنا وفق أسلوب العمل السياسي القائم على الطاعة العمياء للزعيم أو الرئيس، كما كان جارياً في عهد أربكان، وإنما وفق أسلوب العمل الجماعي أو أسلوب عمل الفريق في السياسة والإدارة والحكم.

3- إنّ حركتنا سوف تنشغل بمعالجة القضايا التي تشغل بال مجموع الشعب التركي، الذي يشكو من البطالة وعدم المساواة في توزيع الثروات والنمو والعدالة الاجتماعية. ولذلك فقد وضعت برنامجاً طموحاً للحزب يتجسد في تحقيق دولة الرفاه، من خلال إصلاح نظام التعليم وتوفير الخدمات الصحية وتحقيق الضمان الاجتماعي في خطاب سياسي جديد موجه لكل المواطنين.

4- لسنا من دعاة المماحكات السياسية، وإنما بالعكس من ذلك فإنّ حركتنا الجديدة تدعو إلى المصالحة الاجتماعية والحوار والتعاون، لأنّ ثمة نقاطاً كثيرة مشتركة بيننا وبين الآخرين.

5- ثمة حقائق تركية وظروف موضوعية خاصة، لذلك فإنّ حركتنا سوف لن تكون خطراً أو تهديداً على النظام القائم، لأننا سوف لن نتّبع السياسات التي تشكل مثل ذلك التهديد.

6- سنلبي رغبة المواطنين في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وسنقوم بتهيئة الظروف المناسبة لذلك الانضمام في إطار مصلحتنا الوطنية.

7- سوف لن تكون قضية الحجاب - للرأس دون الوجه - سبباً للمماحكات والصراع في برامج حزبنا المقبلة، لأننا سنقوم بحل مثل هذه القضايا في إطار حقوق الإنسان التي ندعو إلى حمايتها، لاسيما أنّ الحجاب لا يشكل المشكلة الأساسية للمرأة التركية، وإنما هي بحاجة إلى حل مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية والمشاركة في الحياة السياسية والتمتع بالحريات والمساواة في جميع المجالات. ولذلك فإنّ المرأة التركية سوف لن تكون رقماً أو زينةً أو لوناً في حزبنا، وإنما على قدم المساواة مع الرجل.

8- إنّ حركتنا سوف لن تمارس النظريات الاقتصادية والسياسية الطوباوية الجاهزة كالنظام العادل والنظرة الوطنية - القومية، التي كان يدعو إليها أربكان، وإنما السياسات الاقتصادية الواقعية والفاعلية والمنسجمة مع ظروفنا والمستجدات الدولية، في إطار نظام السوق الحرة مع حماية ذوي الدخل المحدود مالياً واجتماعياً.

9- ستحافظ حركتنا على أسس النظام الجمهوري ومبادئ أتاتورك، ولذلك لن ندخل في مماحكات مع القوات المسلحة التركية، وإنما سنتبع سياسة واضحة ونشيطة للوصول إلى الهدف الذي رسمه أتاتورك في إقامة المجتمع المتحضر والمعاصر، في إطار القيم الإسلامية التي يؤمن بها 99 % من مواطني تركيا.

تونس في 14/6/2006                         الدكتور عبدالله تركماني

                                          كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

 

(* ) – نشرتها صحيفة " مليّت " التركية في 15يوليو/تموز 2001.

(*) – في الأصل ورقة قُدمت في إطار ندوة " الحركات الإسلامية المشاركة في المؤسسات السياسية في البلاد العربية وتركيا " التي نظمها " مركز الدراسات الدستورية والسياسية " في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – جامعة القاضي عياض – مراكش – المغرب، بالتعاون مع موسسة " كونراد أديناور " الألمانية، خلال يومي 16 و 17 يونيو/حزيران 2006.

الإسلام والحداثة السياسية في التجربة التركية (*) (2)

الدكتور عبدالله تركماني

 هوية حزب " العدالة والتنمية "

يطرح حزب " العدالة والتنمية " هوية مختلفة، فهو يميز بين المؤسسات الدينية، وبين الدولة والحزب كمؤسسات سياسية، فقد استبدل العقائد والمشاعر الدينية ببرنامج سياسي على أسس ديمقراطية وحوار مع الآخر وتداول للسلطة، وبذلك فإنّ الحزب يتكون من ديمقراطيين إسلاميين على غرار الديمقراطيين المسيحيين في الغرب، متدينين كأفراد وليس كتنظيم.

وماذا عن الممارسة السياسية ؟ لا إلغاء للسياسة، ورفض تام للعمى السياسي عند الأصولية الانتحارية أو المتزمتة. وبذلك فهو يمتلك دماغاً سياسياً حداثياً ذكياً، قادراً على إدخال الظروف والمتغيّرات المحلية والدولية في حساباته ورؤاه السياسية. بتعبير آخر، هو حزب واقعي وعملي، يرى العالم كما هو لا كما تريده رؤى إيديولوجية مبسطة، ويتعامل مع ظلمه وعدله بلا حساسية وبلا يأس غاضب، وبلا هجرة هاربة وعزلة خائفة منه، وبلا غريزة الانتقام والإلحاح الجنوني على إرهابه وتدميره، انطلاقاً من الشعور بالدونية وبالعجز عن مجاراته في قوته وعلمه وحضارته.

وكان طيب رجب أردوغان زعيم حزب " العدالة والتنمية " قد صرح في فبراير/شباط 2000، حين كان لا يزال عضواً في حزب " الفضيلة "، قائلا: من الخطأ أن نساوي الحزب بالدين والدين بالسياسة. إنه لأمر خاطئ، رغم أنّ بعضنا قد فعل ذلك في الماضي. إننا لا نهدف إلى تأسيس دولة إسلامية، ولسنا حزباً ثيوقراطياً. أما في حال انخراط الناس الأتقياء في الحياة السياسية مع امتناعهم عن اعتبار المعايير الدينية مرجعاً لهم، فلا يمكننا الحديث عن إسلام سياسي.

ويركز حزب " العدالة والتنمية "، في مجال الاقتصاد، على مفاهيم المنافسة الحرة والعقلانية وحس المسؤولية وشفافية السياسة الاقتصادية التي تتبعها الدولة. ويدعو إلى مجتمع منفتح، وثيق الصلة بنشاط المؤسسات غير الحكومية التي ستحد من اندفاع الدولة إلى السيطرة على كل أصعدة الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. ويمثل الحزب حركة تنتمي إلى الطبقة الوسطى وتجتنب الراديكالية، لأنها تتطلع إلى الاندماج في النظام وإلى تغييره تدريجياً لا إلى زرع الفتنة والاضطراب فيه.

إذن هو انقلاب على مفهوم الإسلام السياسي التقليدي، أطروحة إيديولوجية - سياسية لإسلام سياسي حديث، متولدة عن حراك اجتماعي عميق وجدل ثقافي، أو قل صدام ثقافي، متفاعل ما بين التراث والحداثة. صورة مغايرة لخطاب إسلامي خشبي، متشنج، تستهلكه المظاهر والتفاصيل والوثوقية الشمولية المحنطة. فمع حزب " العدالة والتنمية " نكاد لا نميز فيه شيئاً مخالفاً لصفة الحزب العلماني، فبرنامجه برنامج انتخابي سياسي صرف لا وجود لمسحة دينية فيه، وهو يعلن التزامه الكامل بالعلمانية، وبفصل الدين عن السياسة، وذلك لا يعني فصل الدين عن المجتمع أو الدولة، لأنّ، كما يقول عبد الله غول " الخلط بين الدين والسياسة يضيرهما معا. فالمبدأ الديني محصن بطبيعته من أي تغيير، أما السياسة فتتغير باستمرار استجابة للواقع ".

أما من حيث المضمون فإنّ الحزب عرف كيف يلعب السياسة بحنكة، أي كيف يتعاطى مع مسألة العلمانية والتوازنات داخل تركيا وطبيعة علاقاتها الإقليمية والدولية، فلم يتجاهلها أو يقفز عليها. وفوق ذلك أفلح في توظيف المخزون التاريخي للبلاد وأزمة الهوية ليس في توجه يخيف الداخل والخارج، ولكن في الحديث عن ضرورة حل مشاكل البلاد العديدة مستفيداً من التجارب الإسلامية السابقة.

معالم الأنموذج التركي

تقدم لنا التجربة التركية, منذ وصول حزب " العدالة والتنمية " إلى سدة الحكم في تركيا عام 2002, أنموذجاً يمكن أن نستفيد من بعض معالمه في العالم العربي لوضع برامج للإصلاح والتطوير والعمل على تطبيقها أيضاً، ومن أهم هذه المعالم:

(1) - العلمانية المؤمنة

نجح حزب " العدالة والتنمية " في التوفيق بين مبادئ الدولة التركية العلمانية التي أسسها كمال أتاتورك على أنقاض الإمبراطورية العثمانية, وبين برامجه وأهدافه التي لا تدير ظهرها لتاريخ هذه الإمبراطورية ولا لثقافتها الإسلامية. ولكنّ قيادات الحزب يعتبرون أنفسهم مختلفين عن بقية الأحزاب العلمانية التركية, فعلمانيتهم لا تكتفي بكونها غير معادية للدين, ولكن أيضا هي علمانية مؤمنة تقر بأهمية القيم الدينية في تحقيق الرقي الاجتماعي. كما أنّ علمانيتهم لا تتنكر للهوية الإسلامية للمجتمع التركي, وهي تندرج ضمن محاولات تهدف إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الديني والسياسي بعيداً عن كل أشكال التنازع أو التوظيف. ومما قاله زعيم الحزب أردوغان " إنني لست أصولياً متطرفاً وإنما أنا مسلم مثل بقية المسلمين في تركيا، ومؤمن بتراث الشعب التركي وهويته التاريخية، ولذلك فإننا نحترم طراز حياة كل شخص في بلادنا وأسلوب معيشته ".

إنه حزب لا يدعو لدستور إسلامي يعتمد الشريعة ولا يسعى لتطبيق الحدود الإسلامية، يطرح ديمقراطية علمانية لا تعادي الدين بل تستلهم قيمه الخيّرة، كبديل لديمقراطية علمانية أتاتوركية تقصي الإسلام وتضيّق عليه، أي تعديل التطرف العلماني دون الانزلاق للتطرف الأصولي، والعمل لمصالحة بين الدين والعلمانية.

وأياً يكن الأمر بالنسبة إلى الحزب، فإن ما يعنيه هو التركيز على رؤى وأفكار يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

- ليس له اعتراض على العلمانية ولا تعارض مع الدستور التركي الذي يقول: إنّ تركيا دولة ديموقراطية علمانية، لكنّ المشكلة هي في التطبيق الخاطئ لمفهوم العلمانية. والديموقراطية كمصطلح يؤكد حق الشعب في الاختيار الحر، ومن أبسط قواعد الديموقراطية، احترام اختيارات الناس.

- العلمانية لا تعني أن تكون حرية العبادة حرية التدين، فعند الحديث عن حق الإنسان المسلم في أن يعيش حراً فإنّ ذلك لا يعني أن حزب " العدالة والتنمية " حزب ديني. ففي أوروبا هناك أحزاب ديموقراطية مسيحية، فهل يعني هذا أنها أحزاب دينية ؟

- هناك قوانين لا بد أن تتغيّر، خصوصاً قانون الزي. فكما يوجد حق للفتاة ألا تكون محجبة في أماكن العمل أو في الجامعات، لا بد - في المقابل - من إعطاء الحق نفسه للفتاة التي تريد ارتداء الحجاب. لذلك يسعى إلى تغيير القوانين المقيدة لحرية الناس، وتقديم الحزب كتيار توفيقي بين العلمانية الديموقراطية والإسلام.

(2) - الخيار الديموقراطي

 حيث أعلن قادة الحزب التزامهم الكلي بقواعد التعددية السياسية, ولم يكتفوا بالتأكيد على مسألة الحريات بل أعلنوا عزمهم على حماية حقوق الإنسان, وعدم التدخل في الحياة الخاصة لمواطنيهم, أو التعسف بتغيير نمط حياتهم عن طريق سلطة الدولة، كما فعل غلاة العلمانية في تركيا وفي غيرها من البلاد فخانوا أول قاعدة في العلمانية وهي احترام حرية المعتقد وحق المواطنين في الاختيار.

ويتلخص برنامج الحزب بتأمين الحريات والحياة الكريمة للجميع والتحديث للبلاد، إذ أنّ هدفه تحسين البناء الاجتماعي أي شؤون الدنيا، وترك شؤون البناء الأيديولوجي، فالهم الأساسي إخراج تركيا من أزمتها الاقتصادية وتأمين الاستقرار لوقف التضخم والغلاء، ومكافحة الفساد ومعالجة مشكلة البطالة وعدم المساواة، وإصلاح النظم التعليمية وتأمين الخدمات الصحية والضمانات الاجتماعية لحماية ذوي الدخل المحدود، وإقامة مجتمع حداثي متحضر يؤمن بالحريات وحقوق الإنسان ويصون القيم الإسلامية.

(3) - نهاية " الإسلام السياسي "

إنّ حزب " العدالة والتنمية " التركي، المحسوب على الإسلام السياسي، قد تخفف من الحمولة الدينية في خطابه وبرامجه، حتى لم يتبقَ لديه من الإسلام السياسي شيئاً يُذكر سوى أصداء عامة خافتة تشكل خليفة أخلاقية كما هو الحال عند الأحزاب الديمقراطية المسيحية الأوروبية. فالحزب