الطبقة الوسطى في سورية – الواقع والدور 2-3/3

معقل زهور عدي

 

باسقاط  الوعي السياسي لايمكن الحديث عن طبقة اجتماعية ، حتى النضالات المطلبية اليومية ليست كافية لتكون الطبقة ، الوعي السياسي هو الذي ينتقل بتشكيلة اجتماعية الى مرتبة طبقة اجتماعية لتتحول من طبقة بذاتها الى طبقة لذاتها ، حين تكف الطبقة عن البحث عن مصيرها في ميدان السياسة ، يتحدد مصيرها خارج ارادتها .

 

خلال المرحلة الممتدة من الاستقلال السياسي لسورية  وحتى الأمس القريب لعبت الطبقة الوسطى في سورية دورا رئيسيا  في السياسة ، ولكنها فعلت ذلك عبر مثقفيها وسياسييها وليس عبر متحدات اجتماعية – سياسية تمثلها بصورة واعية ومباشرة ، لقد افتقرت في الواقع لوعيها بذاتها ، وكانت تنظر لتلك الذات في معظم الأحوال كحالة مؤقتة وانتقالية ، وليس ككيان يستحق ان يكرس للمستقبل .

 

لقد كانت الطبقة الوسطى مستعدة دائما لتقديم هويتها كضحية في المعارك الاجتماعية والسياسية ذات العناوين المتعددة ، من أجل ذلك كان سحقها سهلا دائما ، وكان انبعاثها صعبا وبطيئا .

 

لقد حان الوقت لتخوض الطبقة الوسطى معاركها لخسابها الخاص ، ولتكرس وعي ذاتها كطبقة اجتماعية غير طارئة أو مؤقتة ، وان تبحث عن أدواتها وتعبيراتها المطلبية كما السياسية .

 

وهم الصعود والثراء والتحول باتجاه طبقة رجال الأعمال كان دائما حجر عثرة في طريق وعي الطبقة الوسطى ،هذا الوهم ينكشف اليوم ويتشكل مكانه شعور عميق بضرورة التضامن والكفاح لوقف الانحدار نحو الفقر .

 

بخلاف الطبقة الوسطى الأوربية ذات التاريخ الذي يبتدىء مع عصر النهضة ، والتي تشققت بسرعة وتم استقطاب معظمها لصالح البورجوازية بعد مرحلة التصنيع ، تتمتع الطبقة الوسطى في سورية بتاريخ متصل وقديم ( تاريخ المدن السورية ) ، وهي تعتبر بحق الطبقة الحاملة للميراث الثقافي والروحي للمجتمع ، وبينما يركز البعض نظرهم على الطبقات الحاكمة التي تعاقبت على سورية ، بحيث يبدو تاريخ سورية منذ العصور الوسطى ( تكون الممالك الأيوبية ثم المملوكية وصولا للمرحلة العثمانية فالاستعمار الفرنسي) تاريخ الطبقات والأسر الحاكمة وتفرعاتها ، فان البحث الاجتماعي لابد ان يعيد التركيز على الطبقة الوسطى ( الحرفيون ، التجار ، رجال الدين ) التي كانت دائما ( اضافة لعمال المدن والأرياف ) القوة الخفية التي تصنع التاريخ .

 

في مرحلة مواجهة الاستعمار الفرنسي ظهرت الطبقة الوسطى لتحمل راية الكفاح من أجل الحرية والاستقلال . لعب المثقفون أمثال الدكتور عبد الرحمن الشهبندر دور حملة رسالة الوعي الوطني الجديد وكانوا مستعدين لدفع الثمن ، كانت الطبقة الوسطى هي محرك المشاعر الوطنية وحاضنتها واستمرت كذلك حتى الاستقلال ، فيما بعد تشققت الطبقة الوسطى وانحاز قسم منها للفلاحين حين بدأ الصراع الاجتماعي يتصاعد ، ومنذ العام 1963 حل حزب البعث مكان كل التعبيرات السياسية للطبقة الوسطى ، وحلت منظماته النقابية و( الشعبية ) محل تعبيراتها الاجتماعية ، لكن الوضع الاقتصادي للطبقة الوسطى شهد صعودا مستمرا لغاية الثمانينات .

 

في سورية حيث الاقتصاد مازال بعيدا عن التمركز حول الصناعة ، تعتبر الطبقة الوسطى أوسع الطبقات وأكثرها أهمية ، ليس بسبب مركزها في الانتاج ، ولكن بسبب كونها الحاضنة التقليدية للثقافة والوعي السياسي ، وبسبب مكانتها ضمن المجتمع وقوة تأثيرها  .

 

ينبع التهديد للطبقة الوسطى من افتقارها لامكانية الدفاع عن مصالحها في وجه مخاطر ثلاثة :

 

أولا : خطر هيمنة رأس المال المتمفصل مع السلطة السياسية على الاقتصاد الوطني .

ثانيا : خطر العولمة .

ثالثا : خطر انسحاب الدولة من دورها المركزي في الاقتصاد والرعاية الاجتماعية .

تطرح المخاطر السابقة ليس فقط احتمالات تدهور الوضع المعيشي للطبقة الوسطى ، ولكن أيضا احتمالات تدهور وضعها الثقافي وكل مكتسباتها الاجتماعية .

 

في الاسباب العميقة لاستقرار الوضع السياسي في سورية هذه الفترة الطويلة ( لن نتكلم هنا عن آليات الاستبداد المعروفة جيدا ) شعور الطبقة الوسطى بأن مصالحها الاقتصادية مؤمنة ولو في الحدود الدنيا ، وأن النخب الحاكمة تنتمي لتلك الطبقة بطريقة أو بأخرى ، لكن الوضع اليوم قد اختلف ، حيث لم تعد الطبقة الوسطى ترى في النخب الحاكمة ممثلا لها ، بل نخبا غريبة عنها ، لاتعير مصالحها أي اهتمام .

 

هذا الوضع المستجد والذي ما انفك يتكثف خلال العشرة أعوام الماضية بدأ يعطي أثره في استعادة الطبقة الوسطى لوعيها المغيب ، وعيها لذاتها ، لمصالحها ، ولدورها الاجتماعي والوطني ، وفي تبلور هذا الوعي وانتشاره يكمن احتمال استعادة الحس النضالي لتلك الطبقة الرائدة .

         

 

في سورية على امتداد تاريخها الحديث مجموعة من التشكيلات الاجتماعية تتقاطع مع بعضها البعض ، دون ان يتمكن واحد منها من السيطرة على المجتمع وتهميش البقية كما حدث بالنسبة لنمط الانتاج الرأسمالي في أوربة في مطلع القرن التاسع عشر ، هذه السكونية التي امتدت لفترات طويلة لم يتم اختراقها سوى بدخول الدولة حقل الاقتصاد ليس كمنظم للعلاقات بين مختلف التشكيلات الاقتصادية – الاجتماعية ولكن كطرف رئيسي ، هكذا أصبح اقتصاد سورية منذ أواسط الستينات من القرن الماضي أشبه ما يكون باقتصاد الدولة حيث أصبحت الدولة بمثابة المركز بينما احتلت التشكيلات الاقتصادية الأخرى مكان الأطراف ، لكن هذا السياق مالبث ان توقف ، ودخلت سورية منذ أواسط الثمانينات في سياق مختلف تمكنت فيه فئات اجتماعية من التمفصل مع بيروقراطية الدولة وبناء ثروات اسطورية ، معظمها بفضل احتكار السوق ، والصفقات السوداء ، ونهب الدولة ، وضمن هذا السياق الجديد بدأ راس المال المتراكم يضغط على القرار السياسي لايجاد حيز أوسع له للعمل والاستثمار في سورية ، وشيئا فشيئا بدأ ينجح في اعادة توجيه السياسة الاقتصادية للدولة نحو الانفتاح والتخصيص ، وابعاد الدولة عن الاقتصاد .

 

ترافق هذا السياق مع سقوط الاتحاد السوفييتي ، وماظهر وكأنه انتصار مدو لنمط الانتاج الرأسمالي ، وكذلك تشكل نمط جديد لللاقتصاد العالمي هو اقتصاد العولمة ، فمنذ التسعينات بدأت حركة اندماج الشركات الكبرى ، وقفز حجم عدد غير قليل من الشركات العالمية من مئات الملايين من الدولارات الى مئات المليارات ، حيث أصبحت بعض الشركات العالمية متعددة الجنسيات تتفوق في اقتصادها على دول متوسطة الحجم ، وكان ذلك بمثابة ثورة في تنظيم رأس المال العالمي وقوته مما دفعه نحو اعادة تشكيل السياسة العالمية وفقا لمصالحه مستخدما الولايات المتحدة كدبابة ورأس حربة ، وسيتم ترجمة ذلك الجهد في الحقل الاقتصادي لدول المنطقة العربية في توليد ضغوط غير مسبوقة للاندماج مع السوق العالمية ، واعادة هيكلة الاقتصادات الوطنية ، وفي هذا المجال يلعب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي دور التوجيه والاشراف وممارسة الضغوط أيضا .

 

من تقاطع هذين السياقين الداخلي والعالمي يرتسم مسار اعادة انتاج التشكيلات الاقتصادية – الاجتماعية في سورية ، الرأسمالية الجديدة تبحث عن عوامل بقائها وهيمنتها على الاقتصاد السوري بتكيفها مع نظام العولمة وهي حتى الآن لم تصل لوضع استقرار في ذلك المسعى ، وبخاصة انها ماتزال متمسكة باحتكارها للسلطة ومضطرة لدفع ثمن ذلك التمسك بصورة بطء في الانفتاح وانسحاب الدولة من الاقتصاد ، وسياسة خارجية مشوشة لاتتناسب مع متطلبات الليبرالية على صعيد السياسة العالمية .

 

الرأسمالية السورية التقليدية التي تعتبر نفسها أكثر انسجاما مع متطلبات العولمة بما في ذلك الاستعداد لسياسة ليبرالية تجاه الخارج و التي أنشأت منذ السبعينات شراكة مع النظام السياسي قائمة على مبدأ تقديم الولاء والرشوة مقابل ترك الأبواب مفتوحة لها ، تجد اليوم ان طبقة رأسمالية جديدة خرجت من رحم ذلك النظام تتعملق لتزيحها من مركزها ولاتترك لها سوى الفتات ، طبقة لم يعد من السهل مشاركتها والتعامل معها ، مثلما ان ليس من السهل الوقوف في وجهها لأن ذلك يعني ببساطة الوقوف بوجه النظام بكل قوته.

 

هذا التنافس بين الرأسماليتين في حال تفاقمه سيدشن مرحلة جديدة في تاريخ سورية ، ونظرا للضعف الشديد للرأسمالية التقليدية على الصعيد السياسي فهي تسعى لزج جزء من الطبقة الوسطى في معركتها القادمة .

 

يقدم التيار الليبرالي نفسه كمعبر عن مصالح الطبقة الرأسمالية التقليدية ويعمل على تلميع صورتها ، وابرازها كطبقة مخلصة للمجتمع ، ويستعيد أفضل لحظاتها التاريخية ، لكنه – للمفارقة – لايريد النظر لشراكتها الطويلة مع النظام ، وتحملها مسؤولية دعم الاستبداد ، وانتهازيتها ، هو يريد تسويق صورة زاهية انتقائية للرأسمالية التقليدية وغض النظر عن سقوطها الأخلاقي وواقعها السياسي الانتهازي .

 

خطورة التيار الليبرالي انه يعمل لجر الطبقة الوسطى لخدمة أهداف الرأسمالية التقليدية ، وبالتالي طمس وعيها بمصالحها ومصيرها ومستقبلها .

 

مصلحة الطبقة الوسطى تكمن في تحالفها مع الطبقة العاملة وفقراء المدن والأرياف وتشكيل كتلة سياسية مستقلة ذات برنامج اجتماعي – اقتصادي – سياسي يمثل ذلك التحالف أصدق تمثيل ، وليس في الذوبان ضمن تحالف مع الرأسمالية التقليدية في برنامج ليبرالي تكون مهمته وضع الطبقة الوسطى في خدمة الرأسمالية التقليدية .

 

حقيقة الأمر ان ضعف الرأسمالية التقليدية السياسي وتهافتها وانتهازيتها يجعل من تحقيقها للمهام الوطنية – الديمقراطية والمهام الليبرالية أمرا منوطا بنضال الطبقة الوسطى وحلفائها ، ومن الغريب ان تقوم الطبقة الوسطى وحلفاؤها بتلك المهام دون ان تعي مصالحها المرتبطة بمصالح أوسع الفئات الاجتماعية .

الوعي السياسي هو السلاح الوحيد الذي يمكن الطبقة الوسطى وحلفاءها من توظيف نضالهم الوطني – الديمقراطي لصالحهم بدل تقديمه لرأسمالية خاوية ومفلسة على طبق من ذهب .