الدمقرطة
العربية في
أطروحات
مجموعة ابن عقل
د.منصف
المرزوقي *
لقد
تشكلت مجموعة
ابن عقل في
بداية
التسعينات
بصفة عفوية،
انطلاقا من
صداقة نضالية
عميقة نشأت في
ميدان حقوق
الإنسان
الإقليمي
والدولي بين
كاتب هذه
السطور من
تونس وهيثم
مناع من سوريا
وفيوليت داغر
من لبنان. وقد
أطلقت عليها
هذا الاسم
تيمنا بجد الحركة
الحقوقية
العربية التي
اكتشفته صدفة
في "الأغاني".
إنه البدوي
صعصعة بن ناجي
بن عقل الذي
كان يجوب
الصحاري ستين
سنة قبل الإسلام
ليفدي بماله
الخاص الموءودات.
هذا ما يعطيه
في نظري الحق
في صفة أول
مدافع عربي عن
حقوق المرأة
وحقوق الطفل
وحقوق
الإنسان في الحياة
والكرامة
والمساواة.
أسست هذه
النواة
اللجنة
العربية
لحقوق الإنسان
سنة 1998
على قاعدة
الاستقلالية
المادية
والسياسية
التامة
وتوسعت سريعا
لعدد من المفكرين
والناشطين
الحقوقيين،
لهم كلهم باع
طويل منذ
السبعينات في النضال
ضد الاستبداد.
لقد
اعتبرت
المجموعة أن
نشر البيانات
والتقارير عن
حالة حقوق
الإنسان
العربي جزء من
مهمة أوسع،
ألا وهي نشر
ثقافة حقوقية
ديمقراطية محلية.
هكذا دخلت
مرحلة
"تصنيع" فكر
ديمقراطي
حقوقي عربي،
عبر الكتابة
المتواصلة
لأعضائها
ونشر كل ما من
شأنه أن يدعم
خياراتها
النظرية –
السياسية.
فأصدرت، عبر مؤسسة
النشر التي
أسستها، إلى
حد الآن قرابة
الأربعين
كتابا. كما لها
موقع زاره
أكثر من مليون
شخص لحدّ
الساعة **
،إضافة
للمشاركة
النشطة
لأعضائها في
مساجلات
الهوائيات
والصحف
والندوات
المتكاثرة بصفة
منعشة، تعبر
عن صحوة فكرية
حقيقية.
قد يكون
من الصعب
تلخيص
الأفكار التي
تناضل المجموعة
لغرسها في
الوعي
العربي، لكنه
يمكن رصد
أهدافها
الرئيسية
الثلاثة، بما
سيمكننا في
نفس الوقت من
فهم أدق للقوى
المتصارعة حاليا
في الساحة
الفكرية
السياسية
العربية.
فكّ
ارتباط
الدمقرطة
بسياسة كبرى
الدول
الغربية
إن
الإعاقة
الكبرى التي
يعاني منها
المشروع الحقوقي
- الديمقراطي
العربي، في
تحليل مجموعة
ابن عقل، هو
ارتباطه في
ذهن العرب
بمصدره الليبرالي
والغربي.
وطالما لم يقع
فكّ هذا الارتباط
في الوعي
الجماعي، فإن
حظوظه في
الحياة شبه
معدومة.
وعليه، يصبح
دور
الديمقراطيين
العرب من
مفكرين وإعلاميين
بلورة تيار
فكري سياسي
مبني على التذكير
الدائم أن
الديمقراطية،
مثل
الإعلامية،
تقنية فعالة
ومتقدمة في
حكم الشعوب،
يجب أن لا
نتركها بحجة
مصدرها وإلا
حكمنا على
أنفسنا
بالتخلف
الأبدي. كذلك
أنّ أكبر ديمقراطية
في العالم هي
الهند، وأن
الغرب حارب
الديمقراطية
من منتصف
القرن التاسع
عشر إلى منتصف
القرن العشرين
بأشكال
متواصلة. كما
وأنه هو الذي
أعطى للعالم
أفظع الديكتاتوريات،
وأن حكومات
كبرى الدول
الغربية (لا
مجتمعاته
المدنية
حليفتنا
الطبيعية) كانت
ولا تزال أكبر
حليف لكل الدكتاتوريات
في العالم،
وأننا لا ننقل
الديمقراطية
عنها وإنما
ننتزعها منها
ونفرضها عليها،
وأنها ضد
انتصاب
الديمقراطية
عندنا لأن هذا
سيضرب
مصالحها في
الصميم، وأنه
من الغباء
انتظار أي
عطية
منها لا تخدم
مصالحها.
بهذا
الصدد، كتبت
في جريدة
"الحياة" عند
الغزو الأمريكي
للعراق أن هذا
الغزو قد يكون
قبلة الموت
للمشروع
الديمقراطي
العربي. وأخشى
ما أخشاه أنني
لم أكن مبالغا
في تشاؤمي.
فقد دمّر هذا
الغزو المجرم
حصاد سنوات من
العمل البطيء
الذي حققته
الحركة
الديمقراطية
العربية بدءا
من نهاية
السبعينات.
إلا أن التدخل
للإدارة الأمريكية
الحالية مسح
جلّ
المكتسبات،
بل وأعطى للدكتاتور
المخلوع ظروف
تخفيف رجعية
وحتى صكّ براءة،
وهو يظهر
نظامه رحمة
بالمقارنة مع
الجحيم الذي
يعيش فيه
اليوم الشعب
العراقي. أضف
إلى هذا
السيرك
التعيس
المتواصل تحت
أنظار ملايين
المشاهدين
العرب في كل
نشرة أخبار
لديمقراطية
مبنية على
أحزاب طائفية
وانتخابات
"حرة " تحت
الاحتلال،
ومهزلة حكومة
لا تتكون إلا
بعد أشهر
وعاجزة عن
توفير أبسط
متطلبات
العيش. ربما
شكلت
الانتخابات
الفلسطينية مرحلة
حاسمة في ضرب
صورة كبرى
الدول
الغربية للمشروع
الديمقراطي
العربي وهي
تظهر خساسة أخلاقية
منقطعة
النظير وغباء
سياسيا لا حد
له في قضية
تعاطيها مع
الخيار الحرّ
والقانوني
للشعب
الفلسطيني..
هي التي تتشدق
بسيادة الشعب
والقانون.
أضف إلى
هذا التأثير
المدمر الآخر
لرهط من الديمقراطيين
راكبي
الدبابات،
خالصي الأجر، مستوردي
ومروجي خطاب
المحافظين
الجدد عن
الحرب على
الإرهاب
والمعززين
بكرههم لشعوبهم
العداء لحوار
وتفاعل
الشعوب
والحضارات، يجاهرون
بكرههم
الشديد لكل ما
هو عروبة وإسلام
و
يتعيشون من
التمويل
الأمريكي.
مجموعة
ابن عقل هذه
تدين هؤلاء
الناس بشدة لأنهم
يبغضّون
الديمقراطية
للعرب أكثر من
مموّليهم الأمريكيين،
معطين عنها
أبشع الصور. ؟
بناء
الجسور بين
الديمقراطية
والإسلام
لا
تتموقع
مجموعة ابن
عقل في موقع
نقدي صارم من
فصيل
الديمقراطيين
الليبراليين
المتأمركين
الموجودين
بكثرة في
الشرق العربي
فحسب، وإنما
ضدّ فصيل آخر
يتكوّن من
الديمقراطيين
اليساريين أو
اللائكيين
(العلمانيين)
المتشددين
والاستئصاليين،
المتواجدين
أساسا في
المغرب
العربي. وليس
غريبا أن يوجد
هذا التيار في
منطقة نفوذ
النموذج
الفرنسي الذي
لا يتصور
الديمقراطية
إلا في قطيعة
مطلقة مع
الدين.
المشكلة أن
العرب ليسوا
فرنسيين. وهنا
أتذكر أبي
الذي كان يسخر
من تجاهلهم
لهذه
البديهية
قائلا في وصف
آبائهم: لقطاء
حضارة، أمهم
فرنسا وأبوهم
مجهول النسب.
قد أدركت
المجموعة،
التي
تعتبر نفسها
دوما جزءا
باكرا من
التيار
العلماني،
عمق الضرر
الفادح الذي
يلحقه هؤلاء
الناس بحظوظ
الديمقراطية.
هم يعتبرون
أنه إذا كان
النظام الاستبدادي
خصم المشروع
الديمقراطي،
فعدوه الرئيسي
والأول هو
البعبع
الإسلامي. وقد
أدى هذا
الموقف إلى
التحالف في
الجزائر
وتونس مع الخصم
ضد العدو. مما
جعل هؤلاء
الديمقراطيين
العجيبين
يقفون جنبا
لجنب مع جلادي
أقبية
التعذيب. كل
هذا لبغض شديد
ظاهريا
للتطرف
الإسلامي وفعليا
للإسلام نفسه.
على عكس
هذا التيار،
تعاملت
مجموعة ابن
عقل منذ بداية
التسعينات مع
الظاهرة
الإسلامية بالتفريق
الجذري بين
مستويين،
تعلق الأول بالفصل
بين الحقوقي
والسياسي.
لهذا تجندت ضد
الانتهاكات
المسلطة على
الإسلاميين
ونادت بحقهم
في محاكمات
عادلة حتى للأقلية
التي تورطت في
إرهاب لا
أخلاقي وعديم الجدوى.
أما المستوى
الثاني، فهو
الفصل الجذري
بين الإسلام
والإسلام
السياسي.
فالمجموعة
واعية أن
مواجهة
الإسلام
بالديمقراطية
سيكون نحرا
للمشروع
الديمقراطي وجزا
له في معارك
سطحية وغبية
تهدف لقطع
أوشاج
التواصل بين
الإنسان
وعالمه
الروحي. فالديمقراطية
ليست دينا
يصارع دين
-كما هو الأمر
في النموذج
اللائكي
المتشدد
الفرنسي-
وإنما نظاما
سياسيا يصارع
نظاما سياسيا
آخر.
وبالتالي،
فعدو الديمقراطية
في تحليلها هو
الشق
الاستبدادي
في الإسلام السياسي
وليس الإسلام
السياسي ككل،
فما بالك
بالإسلام. ومن
ثمة اعتبرت أن
من أهم
مهماتها ربط
الجسور
الفكرية بين
الفكر
الديمقراطي
والفكر الإسلامي
الوسطي
و"بيعه"
مقولتها
الأساسية، أي
أن الاستبداد
مسألة
تنظيمية
وليست مسألة عقائدية...فبوسع
الإسلام أن
يفرز نظاما ديمقراطيا
أو أن يتعايش
معه مثلما هو
قادر على أن
يمثل أحسن
غطاء للنظام
الاستبدادي.
كذلك تعتبر
المجموعة أن
لقاء
الديمقراطيين
العلمانيين
المعتدلين
والإسلاميين
المعتدلين ضرورة لوطن
مطالب في نفس
الوقت
بالحفاظ على ثوابته
وبالتطور،
بالتوفيق بين
معتقداته الدينية
وبين نظام
سياسي جديد لا
يصادره
المستبدون هذه
المرة باسم
الدين... وهو ما
سيكون الطامة
الكبرى
بالنسبة
للديمقراطية
وبالنسبة
للدين على حدّ
السواء.
ربط
الديمقراطية
بقضية الأمة
المصيرية
استعمل
فيصل القاسم
تعبيرا بالغ
الأناقة وثاقب
الرؤية عندما
تحدث عن
العوربة التي
حققتها
الفضائيات
العربية.
والحال أن الجميع
كانوا
ينتظرون
العولمة أي
الأمركة من المد
التكنولوجي
الذي نعيشه.
فلولا وحدتنا
الثقافية
الصماء
المتجذرة في
أربعة عشر
قرنا من التاريخ
الحيّ
وتواصل
بنائها
وتجديدها عبر
انتشار
عمودها
الفقري الذي
لا يكسر أي لغة الضاد،
لما وجدت
العوربة
تربتها
الخصبة.
المأساة
أنه في الوقت
الذي يعمل فيه
النظام الثقافي
من قديم
الزمان،
والآن النظام
الإعلامي،
على توحيد
العقول
والقلوب، عمل
النظام السياسي
الفاسد ولا
يزال في
الاتجاه
المعاكس:
مبغّضا العرب
للعرب
والعروبة
للجميع، خاصة للذين ابتلوا
بالأنظمة
القومجية،
وجاعلا
الحديث عن
العروبة
والوحدة
العربية
مسخرة
المساخر.
لكن
مجموعة ابن
عقل لا تخشى
من المجاهرة
في زمن الجزر
بأنها وحدوية
تتعامل مع
الفضاء
العربي ككل
غير قابل
للتجزئة وذلك
عبر متابعتها
الدقيقة
لمشاكل حقوق
الإنسان
العربي
وحرياته العامة
من موريتانيا
إلى البحرين .
حتى
ديمقراطيتها
مختلفة عن
ديمقراطية
القطريين- وهم
ليسوا
بالضرورة من
المتأمريكين
أو من
المتفرنسين-
لأنها ترى
فيها الوسيلة
الوحيدة
لتكوين فضاء
سياسي عربي
موحّد على
شاكلة الاتحاد
الأوروبي
الذي لم يتكون
إلا على أنقاض
الدكتاتوريات
الأوروبية.
لنذكّر هنا أن
الخطاب
الإسلامي لا
"يرى" الأمة،
وإنما فضاء
إسلاميا يصعب
تصور إمكانية
توحيده،
ليشكل البديل
لعبودية مبرمجة
على هامش إمبراطوريات
المستقبل.
لكن هذه
المجموعة
الوحدوية
ليست قومية.
فكما ترفض
الوطنية باسم
المواطنية،
هي ترفض القومية
باسم عروبة
متفتحة على
عالمية
إنسانية. ومن
ثمة، فهي تدين
الخلط بين
معاداة
الصهيونية
ومعاداة
السامية،
وتنادي
بالاعتراف لكل
القوميات
الموجودة
داخل الفضاء
العربي بكل
الحقوق
الواجبة
للعرب. كما
ترفض العداء
المبدئي
للغرب
ولأمريكا،
مفرقة بصفة
جذرية بين الحكومات
المناصرة
للدكتاتوريات
العربية
وجماعات
الضغط
المصلحية
التي تضرب
الديمقراطية
من داخلها من
جهة والمجتمعات
المدنية،
حليفتنا
الأولى ضدها،
والقيم
الحضارية
التي يوجد
فيها ما يجب
أخذه
وما يجب تركه
من جهة ثانية.
ربما
علينا
التذكير هنا
بأنه حتى
الفكر القومي
نفسه يعتبر أن
العربي من
يتكلم العربي
ومن يشعر أنه
عربي.
وبالتالي
فالعروبة لا
تعرّف
بالانتماء لدين
أو إثنية،
وإنما للغة
وثقافة. لكن
التعريف الأصلي
نسي، لتنقلب
القومية
العربية
الرسمية إلى
غطاء لحكم
الأجهزة وهضم
حقوق الأقليات.
تعتبر
مجموعة ابن
عقل أن اللعب
على العواطف
الجياشة
واستغلال
الضعف العربي
لتنمية فكر
الضغينة
والثأر جريمة
في حق الأجيال
القادمة.
فالمطلوب
التعبير عن
مشاعر القهر
والألم
والظلم التي
تعاني منها
أمتنا. لكن الأهم
هو التوجه
لعقلها
حتى تتجاوز
أزمتها، التي
هي قبل كل شيء
أزمة نظامها
السياسي المتخلف.
إن أخطر مهمة
للمفكرين
والإعلاميين
العرب اليوم
هو إعداد
الأمة لعالم
سيعرف صراع
الحضارات وكذلك
تعاونها.
وعليه، يجب أن
يساهموا في
دعم قواها للصراع
لا في اتجاه
الثأر والهيمنة
ولكن
دفاعا عن هويتها
ومصالحها
المشروعة .
وعليهم حثها
على التعاون
من موقع
الندية
مما يعني
العودة لساحة
الخلق
والإبداع
التي هجرتها
طوال قرون
الانحطاط
لأنها كانت
تسابق أمما
حرة وهي مقيدة
بكل أنواع
السلاسل.
السؤال
بالطبع أي
تأثير
للمجموعة على
الأمد الطويل
داخل الحركة
الديمقراطية
وكيف ستتفاعل
الأفكار
الديمقراطية
والإسلامية
بينها ؟ إنها
أسئلة مطروحة
لعقود في
المستقبل
والرد عليها
في رحم غيب
محمل كالعادة
بكل الأخطار
وكل الوعود.
* مفكر وطبيب. www.moncefmarzouki.net*
** انظر
كتابات
المجموعة على
موقع www.achr.nu
عن
موقع الجزيرة