السلام
العربي –
الإسرائيلي
وإشكاليات
الثقافة
السياسية (*)
الدكتور
عبدالله
تركماني
تبدو إسرائيل
اليوم،
مجتمعا ونخبا
سياسية، أبعد
عن السلام من أي
وقت مضى منذ
توقيع اتفاق أوسلو
في العام 1993. إذ
أنّ الأوساط
الصهيونية
الحاكمة تعيش
منذ سنوات حالة
من التخبط
السياسي،
نجمت عن
المأزق
الوجودي الذي
تواجهه إسرائيل،
وهو مأزق يعود
بجذوره
التاريخية إلى
الهوة
الواسعة التي
برزت بين
الآمال التي عقدتها
الحركة
الصهيونية
على " دولة
اليهود " وبين
ما أنجزته هذه
الدولة على أرض
الواقع. ففي
نظر رواد
الصهيونية الأوائل
كان على إسرائيل
أن تتحول إلى
موقع يتجمع
فيه كل يهود
الشتات
ويعيشون فيه
في أمن
واستقرار
بالاعتماد
على قدراتهم
الذاتية، كما
كان عليها أن
تكون مركزا
يعزز وحدة " الشعب
اليهودي "
ويحافظ على " هويته
المتميزة "،
ويحمل رسالة "
إنسانية
وأخلاقية "
للعالم بأسره.
وفي هذا
السياق، من
المهم التعرف
على أطروحات
المدرسة
التأريخية
الإسرائيلية
" ما بعد
الصهيونية "
التي يذهب
روادها في
كتاباتهم إلى
أنّ على
إسرائيل أن
تختار ما بين
حكم قائم على
العرق
والنبوءة الأسطورية
الدينية أو
الديمقراطية
الليبرالية
ما بعد
الصهيونية.
ويرى رواد هذه
المدرسة أنّ
الصهيونية
يمكن أن تتحول
من مخطط لدولة
قومية
متجانسة
عرقيا إلى
مشروع أكثر
تنوعا، مدني –
ليبرالي –
ديمقراطي،
إذا ما
استطاعت
تغيّرات
العولمة تقويض
العلاقة بين
الإقليم
والجماعة
والانتساب
لهما.
وهكذا،
يمكن تفسير الإحجام
الإسرائيلي عن
الاستجابة لاستحقاقات
عملية السلام بانقسام
المجتمع الإسرائيلي
على نفسه في هذا
الموضوع. فعلى
رغم الإجماع الإسرائيلي
على أمن إسرائيل
وهويتها اليهودية
ورفض حق العودة
للفلسطينيين والتمسك
بالقدس عاصمة موحدة
لدولة إسرائيل
والعلاقة مع الولايات
المتحدة
الأمريكية، فإنّ
ثمة طيفا واسعا
من الخلافات في
شأن مساحة الأراضي
التي ينبغي الانسحاب
منها وقضايا الحدود
والمستوطنات والدولة
الفلسطينية والتعاون
الإقليمي.
ومن كل ذلك
يتبين أنّ عملية
السلام
العربي –
الإسرائيلي ليست
سهلة أو مسلما
بها، فثمة إشكاليات
عدة تعاني منها
إسرائيل وتجعلها
حذرة وأكثر ميلا
إلى الإحجام عنها:
إنّ الصراع بين
الفلسطينيين والإسرائيليين
ليس صراعا بين
الشعب الفلسطيني
والدولة الإسرائيلية
المغتصبة، فحسب،
وإنما هو أيضا
صراع مع المجتمع
الذي ينتمي لهذه
الدولة، ويتماهى
مع أيديولوجيتها
وسياساتها. فطوال
المرحلة الماضية
اتضح أنّ تيار
السلام
الإسرائيلي غير
ناضج تماما لعملية
التسوية، فهذا
التيار ينطلق من
دعمه للتسوية من
واقع الحفاظ على
إسرائيل وهويتها
اليهودية وصورتها
الديموقراطية،
وهو يرى بأنّ الانسحاب
من الأراضي المحتلة
يجنب إسرائيل المخاطر
الديموغرافية
الناجمة عن وجود
ثلاثة ملايين فلسطيني
في الضفة والقطاع،
ويحافظ على " نقاوة
" الدولة اليهودية
ويخلصها من الأعباء
السياسية والأمنية
والأخلاقية الناجمة
عن الاحتلال.
ومن
المؤكد أنّ إشكاليات
الثقافة
السياسية لا
تقتصر على
الإسرائيليين،
فحسب، فلهذه الثقافة
إشكالياتها لدى
الفلسطينيين
أيضا، طبقا
لتوصيف
الكاتب
الفلسطيني
ماجد كيالي، وتتمثل
هذه
الإشكاليات في
النواحي
التالية:
-
أنّ
انخراط
الفلسطينيين
في عملية
التسوية ناشئ:
أولا، من
الصعوبات
والتعقيدات المحيطة
بهم: الفجوة
في موازين
القوى وفي
المعطيات
الدولية
والإقليمية
غير المواتية لهم
بالقياس
لإسرائيل. وثانيا،
من الإحباطات
التاريخية
التي مروا بها
في تجربتهم الوطنية.
وثالثا، من
المعاناة
اليومية التي يعيشونها.
-
بالنسبة
لغالبية
الفلسطينيين
كانت عملية التسوية
بمثابة عملية
افتراضية
يأخذون فيها
حقوقهم
بالتمام
والكمال، على
اعتبار أنهم تنازلوا
عن جزء من
وطنهم،
فيأخذون الجزء
الباقي ويبنون
دولتهم
ويعيدون
اللاجئين إلى
أرضهم وممتلكاتهم
التي شُرّدوا
منها قبل ما
يزيد عن نصف
قرن. ولكنّ
هذه التسوية
العادلة
والشاملة في
حقيقتها هي
تسوية
متخيلة، ليس
لها سند في
عالم السياسة
الواقعي الذي
لا يعترف إلا
بموازين القوى،
أو بالمعطيات
الدولية
والإقليمية،
التي قد تعوض
الطرف الأضعف
عن الخلل في القوى
الذاتية.
-
غالبا
ما يتم
التعامل مع
قضية التسوية
في إطار
النصوص، أي
الاتفاقيات،
التي يجري التوصل
إليها بين
الطرفين،
بدلا من
التعامل معها
في إطار
موازين القوى الذاتية
للجانبين
والمعطيات
المحيطة بهما.
أما الموقف
العربي فهو
أقرب إلى
الثقافة
السياسية
الفلسطينية،
إذ يعتمد في كثير
من مواقفه على
قرارات ونصوص الشرعية
الدولية بشكل عام،
دون أن يدرك
أنّ هذا الموقف
هو مستوى واحد
من المعادلة التي
تفترض العمل على
مستويات أخرى مكملة،
أبرزها الرأي العام
العالمي في الدول
المحورية على الساحة
الدولية. وهنا تبدو
أهمية تجديد المشاريع
السياسية العربية
لتصير مشاريع بلغة
الثقافة السياسية
السائدة عالميا،
بلغة المفاهيم
التي تتضمنها المواثيق
الدولية المستحدثة
التي تتخاطب بها
المجتمعات العالمية
الحديثة في ما
يتعلق باستحقاقات
الشعوب
والدول.
إنّ الصراع
العربي ـ الإسرائيلي،
مثله مثل كل نظائره
في العالم، لا
يمكن حسمه حربا،
حيث تختلط فيه
اعتبارات الجغرافيا
والتاريخ والثقافة
والدين والهوية
والمصالح. فإذا
اقتنع الرأي العام
العربي
والإسرائيلي بهذه
الاستحالة، سيجدّ
صناع القرار ويجتهدون
في الوصول إلى
تسويات ومصالحات
تاريخية، تحفظ
ماء الوجه و كذلك
الحد الأدنى من
المصالح والكرامة
لكل الأطراف،
خاصة إقامة
الدولة
الفلسطينية
المستقلة في
الضفة
الغربية
وقطاع غزة
بعاصمتها
القدس الشرقية،
وتضع حدا لسفك
الدماء والخراب.
تونس في
12/6/2006 الدكتور
عبدالله
تركماني
كاتب وباحث
سوري مقيم في
تونس
(*) – نُشرت في
صحيفة " الوقت
" البحرينية –
14/6/2006 .