لا تخلطوا عباس مع دباس ..... يرحمكمُ الله

الطاهر إبراهيم

 

دعوا الزرقاوي فقد أفضى إلى ما قدم. فإن كان قد أحسن في أعماله فلن يستطيع أحد أن يقف بينه وبين رحمة الله ورضوانه. وإن كان قد أساء، فلن تستطيع محبة أنصاره الذين يكرهون أمريكا أن يدفعوا عنه عقوبة الله. وفي كلي الحالين الأمر متروك لمشيئة الله وعدله وميزان الحسنات والسيئات يوم القيامة.

ودون الدخول في ميدان السياسة وموقف هذه الحكومة أو تلك من الزرقاوي، فإن ما نود أن نقوله هنا أن للموت رهبة ومواقف تختلف كليا عن المواقف التي تضبط العلاقات قبل الموت. سيدنا محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  وقف لجنازة مرت به، فقال بعض أصحابه: إنها جنازة يهودي فأجاب الرسول (صلى الله عليه وسلم) بما معناه "ولو، أوَلَيست نفسا منفوسة؟" والكل يعرف مرامي هذا الكلام فلا ندخل في التفسير.

وفي التاريخ الإسلامي، سجل لنا "ابن كثير" في تاريخه القيم "البداية والنهاية" قصة الخلاف بين الخليفة العباسي "أبي جعفر المنصور" وبين "إبراهيم بن عبد الله بن حسن" أحد أولاد "الحسن بن علي" رضي الله عنهم أجمعين. وبعد أن وصل إلى المنصور خبر مقتل خصمه "إبراهيم"، وكان جالسا في دار الخلافة، وقد بدأ الناس يتوافدون عليه للتهنئة بالنصر، كان للمنصور شأن، لا بأس أن نذكره، كما ورد في "البداية والنهاية" في أحداث عام 145 من الهجرة لمن أراد أن يستزيد من الفائدة:

(ذكر "صالح" مولى "المنصور" قال: لما جيء برأس "إبراهيم"، جلس المنصور مجلسا عاما  ،وجعل الناس يدخلون عليه فيهنئونه وينالون من إبراهيم ويقبّحون الكلام فيه ابتغاء مرضاة المنصور، والمنصور ساكت متغير اللون لا يتكلم. حتى دخل "جعفر بن حنظلة" الهراني، فوقف فسلم ثم قال: "أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك، وغفر له ما فرط  فيه من حقك". قال: فاصفر لون المنصور –أي أشرق- وأقبل عليه وقال له: مرحبا وأهلا ههنا فاجلس. فعلم  الناس أن ذلك وقع منه موقعا جيدا).

على أن القضية الأهم في العزاء أن الناس إنما يعزون أهل الميت، فهم الذين أصابهم الهمّ والحزن، أما الميت فله شأن آخر مع ربه. بعض الذين ذهبوا للعزاء في الزرقاوي ما كانوا على وفاق معه يوم كان حيا، وإنما ذهبوا لأداء واجب إسلامي سنه الإسلام لزيادة التكافل في المجتمع الإسلامي. حيث يحرص أن يقف المسلم مع المسلم في الرخاء والشدة يفرح لفرحه ويظهر الألم إذا نزلت بأخيه أو جاره نازلة.

وسواء أسخط من خالفني أو رضي من وافقني، لا بد من أقول أن ما نسب إلى الزرقاوي في حياته من أعمال، -وقد لا يكون هو الذي نفذها- كثير منها لم تلق قبولا عند من يحترم  الدم المسلم. نعم كلنا نهلل ونرحب ونشد أزر الذين يستهدفون جنود الاحتلال في العراق. ولكنا أبدا لا نوافق على الأعمال التي استهدفت العراقيين، لأن المقاومين، قضيتهم مع جنود الاحتلال، فلا ينجروا إلى الاقتتال مع إخوانهم العراقيين على اختلاف مذاهبهم.

واستطرادا، فإن الكاتب البريطاني الشهير "روبرت فسك" كتب مقالا نشرته "الإندبندنت" في شهر أيار "مايو" الماضي"، قال فيه أن الجنود الأمريكيين ،وربما غيرهم من الموساد، كانوا يدفعون المال لفتيان عاطلين عن العمل، لايتجاوز عمر الواحد السادسة عشرة. يدفعون إليه سيارة، عليه أن يقودها إلى مكان ما حددوه مسبقا (مسجد أو حسينية أو مدرسة أو سوق)، ويطلبون منه أن يكلمهم من موبايل "جوال". فيذهب المسكين وهو لا يدري أنه يمشي "إلى حتفه بظلفه" ويقف في المكان المحدد. يكتشف فجأة أن الجوال أخرس أطرش لا يتكلم ولا يسمع، فيعتقد أن المنطقة ليس فيها "تغطية"، ومن ثم يترك السيارة إلى مكان قريب عسى أن يجد فيه تغطية، فلا يبتعد عدة أمتار حتى تنفجر السيارة التي كان فيها، وبعضهم تنفجر فيه قبل أن يكتشف أنه كان ضحية.

كتبت هذه العجالة بعد أن قرأت مقالا لصديق مكثرٍ في كتابة المقالات، لكنه نادرا ما يبصر مواقع ريشة قلمه. كتب مهاجما "حماس" لأنها نعت "الزرقاوي"، مع أن الذين ذهبوا لأداء واجب التعزية في الزرقاوي هم أعضاء في "جبهة العمل الإسلامي" وليسوا من حماس. واستطرادا فإن كان الزرقاوي شهيدا فهو يستحق أن يعزى فيه، وإن كان غير ذلك فواجب العزاء فيه تجاه أهله أوكد، لأن الخسارة فيه أكبر والخطب مضاعف.

ومن هنا فإني أتمنى على إخوتي الذين يكتبون في الشأن الجهادي: أن لا تخلطوا "عباسا مع دباس"، يرحمكم الله. فإنكم إن فعلتم ترتكبون عدة أخطاء، لعل أهمها أن العزاء الذي هو شعيرة إسلامية شيء، والتأييد لأعمال المتوفى شيء آخر. ولعل مما يقال في هذا الشأن أيضا، أن يتنبه البعض إلى معرفة الانتماء الحقيقي للذين يوجه النقد إلى أفعالهم، فلا يقول أنهم من حماس، في الوقت الذي هم من جبهة العمل الإسلامي.

 

الطاهر إبراهيم   كاتب سوري