المشهد السوري بين عسف السلطة وعنتريات عبد الحليم خدام وأوهام البيانوني

ناصر الغزالي

 

 

يعيش المجتمع السوري حالة حداد لم يشهدها منذ نهاية ربيع دمشق حيث جاءت الاعتقالات الأخيرة في سورية لتدق آخر مسمار في نعش الأمل بحلول عهد جديد من الإصلاح والتغيير. تمثل موجة الاعتقال الجماعي للمثقفين السوريين التي طالت بعضا من رموز الحياة الثقافية والمدنية الذين عرفوا باعتدالهم منعطفا جديدا يضاف لممارسات السلطة الاستبدادية في اعتقال الرأي الآخر ودليلا على أن دائرة العدل في هذه التركيبة الحاكمة فاسدة وعاجزة تغطيها غابات الأمن والطوارئ، والقوانين المعطلة التي تبدد حقوق الفرد والمجتمع.

هذا الحصار الخانق خلقته سلسلة من العوامل والأزمات التي تمثلت بتعطيل الدستور، وإفراز حكم الطوارئ، وخنق العمل الحزبي الحر إلا إن تم تحت مظلة، وكذلك محاصرة المجتمع المدني وإلغائه إلا من خلال المؤسسات المنبثقة من نقابات وجمعيات أهلية أخرى. في ظل هذه الظروف يعيش المجتمع السوري واقعا يقتل فيه أي أمل بتقدم هذا المجتمع على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. ومن الواضح أن الدولة التي تطبق هذه الإجراءات التعسفية دولة لا تثق بشعبها وأن شعبها بالمقابل لا يثق بها.

 

إن اعتقال ميشيل كيلو وفاتح جاموس وبقية النشطاء في الآونة الأخيرة، واستمرار اعتقال عارف دليلة منذ ست سنوات، يمثل اعتقالا للرأي الوطني الديمقراطي المدافع عن الإصلاح الحقيقي. هذا الرأي الذي دافع عن نفسه عبر مرحلة مليئة بالمتغيرات داخل سوريا وخارجها وذلك رغم ضغوط النظام وإغراءات الخارج وبقي أمينا على موقفه المبدئي بالإصلاح الحقيقي والتدريجي والسلمي.

ثمة سؤال يثير قلق الشارع ويقض مضجع كل من خالجته آمال التغيير. سؤال كبير محير يتمثل في البحث عن تفسير لاعتقال هؤلاء النشطاء الذين ظلوا عبر ممارساتهم العملية ومشاركتهم وإسهاماتهم الفكرية يؤكدون على مفاهيم أساسية ترسخت لدى الكثيرين في المجتمع وهي "مفاهيم التسامح وتدعيم عرى المجتمع ولحمته والإصلاح الحقيقي والسلمي والتدريجي في سوريا".

منذ خطاب القسم لرئيس الجمهورية بشار الأسد، خاض هؤلاء الإصلاحيون عملية بحث متواصلة بكافة السبل عن وسيلة لفتح الأفق المسدود وإيجاد مخرج للبلاد، لكنهم اصطدموا بطبيعة النظام وهيكليته الصدئة وبنيته العصية على التغيير والتي تتحكم فيها عقلية جامدة تفتقد الحيوية والديناميكية والفاعلية المطلوبة في التعامل مع الأوضاع والمستجدات على اختلافها. أثناء مشروعهم الأول الذي تركز على محاولة إخراج الشارع من الخوف الذي تراكم في العقود المنصرمة والتدليل على الفساد جاءت اعتقالات ربيع دمشق التي أخذت في طريقها كافة المنتديات التي انبثقت في حينها، لكن هؤلاء الإصلاحيين لم يستسلموا حينذاك لليأس الذي أشاعته إجراءات القمع بل ازدادوا إيمانا بالعمل الإصلاحي. هذا ما دفع السلطة إلى تحسس خطرهم لقدرتهم على رصد انتهاكاتها على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فقامت باعتقالهم محاولة قتل أي بارقة أمل في التحول الديمقراطي السلمي والتدريجي في سوريا.

 

وكما يبدو من ردود الفعل القادمة من جهات مختلفة فإن البحث المضني عن تفسير لعملية الاعتقال الجماعي للمثقفين قد بدأ يتخبط دون أن يقود إلى جواب. في ظل هذا التخبط يبقى تفسير واحد متعلق بعقلية السلطة المتماثلة والمطابقة لعقلية القوى والمهيمنة للإدارة الأمريكية بزعامة جورج بوش الابن، فالسلطة بقوتها وازدرائه للقوانين تريد السيطرة الكلية على المجتمع والدولة، وحكومة جورج بوش بقوتها العسكرية واستهتارها بالقانون الدولي تريد السيطرة والهيمنة على العالم وثرواته، وكلاهما أي السلطة التسلطية والإدارة الأمريكية يتعاملان بنفس المبدأ: "من ليس معنا فهو ضدنا". هذه العقلية تحتكر لنفسها الحقيقة، وتتعامل مع أي نقد أو ممانعة أو مطالبة بالتغيير بأن تصنف صاحبها في صف العدو وتشرع بسحقه فهي عقلية اقصائية بتركيبتها، همجية في أدائها، منتهكة للقوانين والأعراف والشرعية الدولية.

 

بعد أكثر من أربعة عقود من خرق حرمة الدستور وازدراء القوانين وتفكيك عرى المجتمع ولحمته ومواصلة الاستبداد بحق المجتمع أفرادا وأحزابا ومنظمات مدنية ألا يحق لنا التفاعل بشكل إيجابي مع المتغيرات الجديدة في العالم والمتمثلة بالقفزات النوعية للشعوب التي حولنا والتي استطاعت عبر مرحلة وجيزة أن تستعيد حيويتها من خلال تحديث مجتمعاتها وتفعيل آليات عملها وكذلك أن تؤمن لنفسها مكانة دولية على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والمعلوماتية، مستلهمة التجربة العالمية الإنسانية في "الديمقراطية وحقوق الإنسان" وإعادة سيادة القانون واستقلال القضاء وحصانته وتفعيل المجتمع المدني وتطبيق الشفافية الاقتصادية وفصل السلطات ومشاركة المجتمع بالمراقبة وتحمل المسؤولية، والتركيز على مواطنيها كهدف مبدئي وذلك عبر تحسين معيشتهم وحفظ كرامتهم. في ظل هذا الواقع العالمي الذي يتابعه المجتمع السوري بكافة فئاته ألا يبدو من الطبيعي أن نطالب نحن السوريون بالإصلاح ونعمل بكل ما في وسعنا من أجله؟ وهل يمكن الوصول إلى إصلاح الواقع الذي نعيشه بما فيه من استبداد وفساد دون إصلاح النظام السياسي وتحقيق بعض شروط التوازن الاجتماعي من خلال العدالة الاجتماعية.

 

لقد حمل هؤلاء المعتقلون هموم واقعهم، وانطلقت مشروعاتهم من حيث عاشوا اكتواءهم بناره. هذا الواقع الذي يرزح تحت انسداد أفقه. وقد أدركوا أن الوطن يتعرض للتبعية والهيمنة الشاملة ولإعادة إنتاج أنماط الاستعمار على منوال احتلال العراق وظلوا مصممين على فاعليتهم الاجتماعية في الواقع السوري وعلى ابتكار أنماط جديدة في الممانعة والتحرر لتحسين ظروف المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا من خلال إدراكهم أن ثالوث الاستبداد والفساد والاستعباد لا يمكن تفكيكه وهدمه إلا بالحرية وتحقيق كرامة الإنسان في مجتمعنا رغم كل ما يحاوله النظام من أساليب تنتهك ابسط معايير حقوق الإنسان.

إن الاستبداد عامل تدمير لكل القوى الفاعلة والكامنة في المجتمع كما يشكل فجوة كبيرة بين المجتمع والدولة، بين الحاكم والمحكوم مهما حاول هذا الحاكم تقديمه من شرعية ومبررات. ولا مبرر لأي دولة بالاستمرار بسياسة الترهيب لمجتمعها لأكثر من أربعة عقود قرون قامت فيها بتعطيل الحياة السياسية ورهن الوطن والمواطن لسلطتها سوى عقلية القوة والهيمنة ومصالحها الفردية الضيقة.

 

ويمثل الفساد والذي هو الابن الشرعي للاستبداد أمرا في غاية الخطورة على أي مجتمع مهما كان متماسكا ومهما حمل من توازن في تركيبته الاجتماعية والثقافية، إذ يؤدي إلى ظهور مجموعة من الأمراض الاجتماعية، كالمحسوبية والرشوة والخوة ومع الفساد يزداد المجتمع تفسخا ويتحول إلى كيانات طبقية وطائفية وعشائرية، يحتمي كل منها بأشخاص مرتبطين بالسلطة بأشكال مختلفة ولذلك لتسيير أمورهم الحياتية. هذه هي العواقب التي خلفتها سياسة النظام، الذي أنجب عبد الحليم خدام الغائص في الفساد من رأسه حتى أخمص قدميه، والذي أنجب رامي مخلوف، الذي ادخل على معجم الاقتصاد السياسي مصطلحا جديدا هو "رمرمة الاقتصاد الوطني ، أي "أن يكون شريكا في أي نشاط" ، ورستم الغزالي الذي انتقل هو وعائلته من سبعين مترا مربعا يقطنون بها إلى شراء أراضي قرية قرفا والتي يعتز كاتب هذه الورقة بالانتماء إليها وأراضي القرى التي بجوارها حتى قفز ثمن الألف متر مربع من الأرض الزراعية في هذه القرية الوديعة إلى مليون ليرة سورية وهي أغلى ثمنا منها في السويد، كما أنجب غيرهم الكثير من حيتان الفساد في سورية.

 

تحول السلطة الاستبدادية هوية الفرد في المجتمع من انتماء وطني قائم على مثل عليا ومشروعا يحمل في زواياه الأمل للأجيال القادمة إلى انتماء طائفي وعشائري واثني ضيق. في هذا الوضع يتحول الشعار الوطني في غياب المواطنة إلى مادة استعمال رخيصة لا معنى لها ولا مبنى، ويصبح الرنين الإنساني النبيل لجمل مثل "الحرب مع العدو لاسترجاع الجولان، زيادة عرى المجتمع ولحمته، الحرب ضد الإرهابيين، العدالة الاقتصادية" كلمات ميتة تخلق عند المواطن إحساسا بتعميم الكذب والنفاق لأنها تستخدم فقط للنيل من أصحاب البرنامج الوطني المواطني، برنامج كرامة الإنسان والمشاركة العامة للمجتمع في تقرير مصيره ورسم شكل الدولة التي تمثله بالمعنى السياسي والمدني الحديث.

 

في هذا الوقت الذي يعيش فيه الشارع السوري مرارة اليتم والحداد على اختطاف مثقفيه ويتحسس بفقدهم ضياع صوته وزخمه لا يبقى أمامه إلا أن يتابع الاستعراضات المتنافسة للاعبين الثلاثة: عنتريات عبد الحليم خدام السابقة واللاحقة و"تصريحه بأنه خلال فترة وجيزة سوف نشاهد بشار الأسد خلف القضبان"، وأوهام البيانوني (أن العصيان المدني قاب قوسين أو أدنى وأن السوريين ينتظرونه بفارغ الصبر للتغير)، وعسف النظام بانتهاكاته اليومية وتجميده لعملية الإصلاح والتغيير على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لقد أتم عبد الحليم خدام دوره في التبرير وتسويق النظام السابق وكان أحد الحيتان الجشعة التي التهمت قوت الشعب السوري ولم ينتظر أي فرصة ألا وانتهزها لتحقيق طموحه السلطوي ولهذا قام بالمشاركة في تغيير الدستور السوري أثناء التنصيب الارتجالي للرئيس بشار الأسد مما شكل دليلا على طموحه المرضي للسلطة في حينها، إذ قام بذلك طمعاً بأن يكون الوصي على عرش سورية، ولما خابت آماله انقلب بقدرة قادر وتظاهر بامتلاكه ضميرا شفافا وبكونه مدافعا شرسا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكأن الشعب السوري من السذاجة كي يقبل نبتة العليق في بستانه وهو المزارع العارف بصنوف النباتات. إن التاريخ السياسي والعملي لخدام يحول دون تقديم الناس لورقة حسن سلوك مجانية له دون محاسبة فكيف وهو يقرر في لندن أسماء قيادة أركان خلاص يذكرنا بقول إيليا أبو ماضي:

 

نرجو الخلاص بغاشم من غاشم لا ينقذ النخاس من نخاس

 

إن كان خدام مشكلة يمكن تحجيمها ووضعها في مكانها الحقيقي، فالمشكلة الأكثر حساسية وتعقيدا هي في موقف مسئول حركة الإخوان المسلمين الأستاذ علي البيانوني من خدام وتحالفه بسرعة خارقة للمعتاد مع أحد صناع السلطة التسلطية السورية. فبعد خطوات جادة قامت بها حركة الإخوان للعودة إلى السرب الوطني الديمقراطي عبر تبني مشروع الدولة المدنية والبرنامج الديمقراطي للمعارضة في الداخل، فإذا بنا نعود لسماع خطاب لا يخلو من الفئوية يعتمد على أن الإخوان عربيا في فترة مد ودور الحركة في إعلان دمشق غير أساسي وبالتالي لا بد من إنتاج خاص لمعارضة موازية تسابق في تحديد الهياكل بل وتسمية وزراء منفى؟ التصور الإخواني انتقل من روح التعاون والتنسيق إلى وهم عصيان مدني ينتظر خطبة البيانوني ليزرع الأرض عدلا بعد أن زرعت جورا وظلما. من المؤكد أن الشعب السوري متذمر من نظامه وأنه في حالة لا يحسد عليها من فقر وانتهاك وظلم. لكن الشعب السوري يتقن جيدا قراءة بوصلته في العمل والحرية ولا يقبل أن تقرأ له مستقبله عين خارجية أو قراءة خارجية لأوضاع داخلية. فنحن أيضا نعيش في الخارج ولكن نعمل ضمن أجندة الداخل الديمقراطي الوطني. والمشكلة هي في أن نعول على إضعاف سورية ككيان بكل المعاني من أجل نفخ أطراف ليست قوى فعلية بحال. ونبض الشارع السوري يقول بوضوح أن هذا الزواج الخدامي الإخواني لن يؤتي بحمل بل بنفخة وهم. إن إصدار البيانات محملة بشعارات نبيلة وتوزيع المهام ذات الوزن الثقيل والشأن الوهمي لا تنقذ الشعب السوري لا من الاستبداد ولا من الفساد ولا من تهديد الاستعباد. بل على العكس ستخلق بعد فترة حالة شك عامة بكل ما تقوله حركة الإخوان المسلمين التي نحرص على مكانة لها في الخارطة السورية وليس من مصلحة أحد أن تذهب بعيدا في طريق مسدود.

في ظل الحصار المفروض على صوت الشعب السوري وضميره يبقى رهان الشعب على الكتلة الصامتة ومن تبقى له من قواه الفاعلة داخل المجتمع وأفراده الذين يصارعون الواقع يومياً ويبحثون عن كافة السبل لترميم الخراب الذي حل بالمجتمع ولامتصاص التهديد الخارجي ومنعه بشتى السبل. وهذا ما لا تريده السلطة ولا جبهة الخلاص.

في برهة الحداد هذه تطل عين الشعب على ساحة العرض المزدحمة بالمتسابقين: موكب السلطة يركض إلى الوراء دون أن يتحسس خسارته الفادحة بتعطيله للأصوات والقوى التي ساهمت في تأسيس مفاهيم التسامح وتدعيم عرى المجتمع ولحمته والإصلاح الحقيقي والسلمي والتدريجي في سوريا. وجبهة الخلاص على غير هدى تركض في كل اتجاه مع ما يترك ذلك من أزمة ثقة مع حركة الإخوان المسلمين التي تجاوزت روح ميثاق الشرف ومن بعده اتفاق إعلان دمشق الجماعي للعمل الوطني الديمقراطي، بتنصيب أحد أقطاب الفساد والاستبداد في قمة مشروعها "للخلاص" ؟