النجادية  

ميشيل كيلو

 

وهي لفظة لا تريد أن تنسب إلى الدكتور أحمدي نجاد، رئيس جمهورية إيران الإسلامية، نهجا أقدم بكثير من سلطته، لكنه تآكل في المنطقة كلها، فأخذ الدكتور يبعث الحياة فيه ويزوده بديناميكية جديدة شرعت تشكل لب الخط الذي ينتهجه، مع أنه ليس من اختراعه، كما سبق القول، وإنما عرفته منطقتنا العربية خاصة في ظل نظم وسياسات تؤكد وقائع كثيرة، نظرية وعملية، تاريخية وراهنة، أنه كان أقرب إلى نفوس الحاكمين وطبائع المحكومين، وأنه أدى إلى قيام أوضاع سلبت المواطنين ما كان لهم من دور محدود قبلها، وحرمتهم حق المشاركة في الشأن العام، مع أنها كثيراً ما طلبت إليهم أنماطاً من الولاء تطلبت إقامتهم أياماً وشهوراً في الشوارع، للهتاف والانخراط في المسيّرات، تأييداً لهذه الفكرة أو تلك السياسة من أفكار وسياسات ما أسميه "النزعة النجادية".

 

وهي نزعة ظهرت أول ما ظهرت في أوائل خمسينيات القرن الماضي، ثم تعززت في الستينيات منه، مع وصول أحزاب عقائدية مغلقة إلى السلطة في أقطار عربية مختلفة، أقامت بسرعة نظماً سلطوية أنتجت السياسة انطلاقاً من قصر الحاكم، الذي ينفرد بمعرفة هويتها وأسرارها ولغتها، ويحكم باسم حزب مغلق، أيديولوجي وتعبوي الطابع، فهو يمتلك الحقيقة وحده، ولديه وحده العصمة اللازمة لإدراكها، علما بأن خيوطه الممتدة نحو الأدنى، إلى أعماق المجتمع، تمكنه من فرض رقابة صارمة ولحظية على عواطف وأفكار رعاياه، وتتيح له تلك الذاهبة نحو الأعلى، إلى قمة الدولة، تحويل مصالحه الخاصة إلى مصالح عليا لها، فهو في آن المجتمع والدولة والسلطة، لذلك تعتبر طاعته واجبة ومقدسة، وكلماته منزلة، ويعد التقصير في الاستجابة لرغباته جريمة يستحق مرتكبها العقاب، ما دامت رغباته قانون الموت والحياة.

 

عاشت هذه النزعة فترة صعود وارتقاء خلال انقسام العالم إلى معسكرين متصارعين، الذي أمدها بالهوامش اللازمة للبقاء، وبلغت أوجها في بلد مجاور لإيران، هو العراق، جسد حاكمه في شخصه السياسة، واختصر الأمة، وكثف أكثر من أي حاكم عربي آخر الحاضر والمستقبل. بما أن هذا النهج السلطوي يقوم على إرادية ترى في الواقع متحولاً من متحولات أيديولوجيتها، ليس من حقه أن يكون مغايراً لها، وإلا ضغطته وجعلته يتلبس صورتها ومقولاتها، فإنه يمثل دوما إرادية قلة حاكمة ومتحكمة هي فسحة وحيدة لسياسة طرد المواطن منها بالقوة والتخويف، وجعله حرمانه من حقوقه مطواعاً وقابلاً للتكيف مع أية خطوات وأفكار، فالسياسة هنا هي، بمعناها الحقيقي غير المؤدلج، التنكر لحرياته، التي يعوضه عنها شعور مفروض بالانتماء إلى جماعة قوية، مغلقة وأيديولوجية، تسلبه بدورها ما تبقى من حيزه الشخصي/ الفردي، وتدمجه فيها كرقم يفتقر إلى أية قيمة بذاته، يعيش، مثلها، على العداء للآخر: الأجنبي في الخارج والمختلف في الداخل، بينما تحفظها معاركها الدائمة والمتجددة، التي يقال دوما إنها مصيرية وتحمل قدراً من الخطورة يتطلب أعلى درجات الانضباط والتضحية بالذات، أي أعلى درجات التنكر للمواطن ولحريته. هكذا، يكثف هذا النهج منطقا أحادي النظرة هو منطق سلطة أكلت الدولة وأجهزت على المجتمع، يرتبط وجودها بالقوة، وبقدرتها على إدامة روح المعركة في صفوفها وبين مواطنيها، تعلن أن ما لا ينتمي إلى معركة ما هو إلا تهاون أو خيانة، وأنه لا يجوز أن يكون من السياسية أصلاً.

 

هكذا يتوقف كل شيء في ظل هذا النهج على قدرات سلطته التعبوية وخطابها الديماغوجي، الذي يغطي وضعاً مفارقاً يجعلها أكثر ثراء باضطراد في مجتمع يزداد فقرا، ويضع في يدها صلاحيات لا حدود لها، تقرر وحدها أنماط تمتعها بها، بينما يحرم هو من أي حق. ولعلنا لم ننس بعد المفاجأة التي مثلتها بالنسبة لنا صور البؤس والفقر في أرياف إيران، حين ضربها الزلزال بصورة متكررة، وكيف انهارت آلاف البيوت الطينية والترابية على ساكنيها، بينما بقيت سليمة بيوت إسمنتية قليلة علمنا أنها إما دوائر رسمية أو مساكن رسميين. في هذه المفارقة، تكمن في اعتقادي هوية هذه النزعة، التي لا تعتبر تقدم البشر عبر الحريات والديموقراطية والمشاركة في الشأن العام والتوزيع العادل للثروة مصدراً لقوة البلد، لذلك لا تكترث بمسائل تتصل بحقوق المواطن وحياته وتعليمه وسكنه وسوية الخدمات التي تقدم إليه... الخ، بل ترى القوة في الجيوش والميليشيات والأمن والأساطيل، في تلك الجهات التي تتصل بالسلطة، وتستطيع امتصاص روح المجتمع والاستيلاء على ثرواته وحقوقه، فلا عجب أنها تتسبب دوماً في توسيع الهوة بين السلطة المحدثة أمنياً والمجتمع المدفوع أكثر فأكثر إلى تأخر لا يحتمل، وأنها تبني عشرات القصور والاستراحات الفائقة الحداثة والتجهيز لسدنتها وقادتها، بينما تترك الشعب في جحور بائسة، ينهشه الفقر والجهل والمرض، وتقتله الهموم والفاقة.

 

انتهت جميع تجارب النجادية العربية إلى كوارث حقيقية، رغم أنها نجحت للحظة في بث الحماسة حولها وأوهمت قطاعات هائلة من البشر أنها فرصتهم الحقيقية والوحيدة إلى الجديد والحديث، الكريم والعادل. أتمنى أن لا يكون هذا مصير إيران على يد رئيسها الجديد، الذي يبدو أنه لا يعرف بعد أن لغة الحق والصدق تكون متواضعة، وأن درب التقدم إما أن يمر بالبشر أو أنه يقود إلى الهاوية، وأن إيران القوية هي تلك التي لا تترك مواطنيها يعيشون ويموتون في جحور من تراب وطين!

 

(*)مقالة ارسلها ميشال كيلو لجريدة "المستقبل" قبل اعتقاله في دمشق.