ما
الغاية من
حملات
الاعتقال
السياسي؟
عمر كوش
السؤال الذي
يطرح اليوم في
بعض البلدان
العربية،
وخصوصاً في
سورية ومصر،
عن الغاية من
حملات
الاعتقال
السياسي التي
تطال
المثقفين والناشطين
في الحقل
العام، هو
سؤال يستحق
الوقوف عنده
بالبحث
والتحليل،
بطريقة علمية
وموضوعية،
تضع جملة
أعمال
الاعتقال
السياسي في
موقعها، وتغوص
في تحديد
أسباب هذه
الظاهرة
والأهداف
المرجوّة
منها، ذلك أن
الاعتقال
السياسي،
بوصفه عملاً عنفياً،
شكل على
الدوام
موضوعاً
هاماً، شغل
تفكير العديد
من الباحثين
والمفكرين
على مرّ
العصر، وكتب
عنه وحوله المفكرون
وعلماء النفس
والاجتماع
والسياسة والدين.
ويعتبر
الاعتقال
السياسي
عملاً
مادياً، مع
أنه يمتلك
ركناً مادياً
وركناً
معنوياً،
وسبباً له صلة
بين الركنين.
ويرتبط تحديد
المذاهب المختلفة
حوله بالغاية
السياسية
المرجوّة منه.
وأخطر أنواع
الاغتيال
السياسي، هي
تلك الحملات
التي تنظمها
الأنظمة
الشمولية
وتنفذها من
خلال أجهزة
استخباراتها
العديدة. وهذا
النوع من
الاعتقالات
السياسية
موجه ضد أفراد
من الشعب، أو
فئات منه، أي
ضد المعارضة
السياسية، أو
ضد تنظيمات
سياسية
تنافسها على
السلطة ولا
تتفق معها في
الرأي، وضد
قادتها ونشاطائها.
لكن الاعتقال
السياسي،
اعتقال
الخصوم
السياسيين
والمعارضين
في أي بلد
كان، لا يحلّ
مشكلة ولا
يحقق لمن
قاموا به
تصفية
المعارضة
السياسية. بل
إن مثل هذا
العمل سوف
يخلق المزيد
من المشاكل
للجهة
القائمة
والمدبرة له،
وتدفع
بالبلاد إلى
حال من التوتر
والفوضى، قد
تصعب على
الذين دبروه
أن يضبطوا
الأمور.
غير أن النظر
في مسألة
الاعتقال
السياسي يمتد
ليطاول قضية
رفض المختلف
كممارسة
وسلوك، تهيئ
له وتؤسس له -
فكرياً -
مدارس متخلفة
ومتعددة
الاتجاهات.
وعلينا النظر
إليها بجدية
شديدة،
ومقاومة
مصادرها
الفكرية بكل
قوة، حتى لا
تتدنى
السياسة في
العالم، وفي
بلداننا العربية
بشكل خاص، إلى
درجة تصبح
فيها جزءاً من
عالم الجريمة
المنظمة تحت
مختلف
الشعارات والمسميات،
وفي ظل أنظمة
الهيمنة
الشمولية التي
تصادر كل شيء.
وتعتبر
مسألة إسكات
الصوت الآخر
من الأهداف
الرئيسية
للاعتقال
السياسي، الغاية
منها إقصاء
الرأي
المختلف عن
الحياة السياسية،
تمهيداً
لاجتثاث أية
معارضة في المجتمع،
وجعل أحادية
الفكر والرأي
والقول سائدة
فيه، كي لا تنوجد
أو لا تنمو
أية حالة من
التعددية
والتنوع فيه.
والنتيجة هي
حرمان
المجتمع من
ألوانه
المتعددة،
ومن أية رؤية
أخرى لمشاكله
حاضره وآفاق
مستقبله.
إن أعمال
العنف
السياسي بشكل
عام تنتشر في
البلدان التي
تمر بمرحلة
انتقالية من
النظام المطلق
أو الشمولية
والهيمنة إلى
النظام الديموقراطي،
حيث تتولى
الأجهزة
الأمنية في
النظم الشمولية،
وخصوصاً الاستخباراتية،
مهمة ملاحقة
الخصوم
السياسيين
وتصفيتهم أو
إسكاتهم،
وتعمل على منع
كافة أشكال المعارضة
والنقد
للأوضاع
الراهن بصورة
منهجية
وعلنية،
بينما تقوم
المؤسسات
الأمنية في الأنظمة
الديموقراطية
بحماية
الحريات،
حريات مختلف
الجماعات والأفراد،
وصون
النشاطات الديموقراطية
من العوائق
والمعطلات.
ويشير
استمرار نهج
الاعتقال
السياسي إلى
انحطاط
السياسة، وسقوط
العقل، بوصفه
الجزء المسبب
لخراب ودمار
الأوضاع في
بلداننا
العربية. وهو
نهج لا يضرب
شخصاً بعينه
فقط، بل
بلدناً
وشعوباً،
وطموحات وآمال
وأحلام في هذا
الزمن العربي
الذي تتسيدته
نظم الشمولية
والهيمنة،
وأنتج صنوفاً
من الاستبداد
والقمع غير
مسبوقة،
وتنازعت فيه مختلف
النعرات والتحزبات
والانتماءات
الضيقة والماقبل
مدنية. إنه
الزمن
المشغول بانتاج
الفساد
والخراب
والهزائم
والانكسارات،
ويتمسك فيه
الحيّ
بتلابيب
الميت.
وينتهك
الاعتقال
السياسي حرمة
الجسد البشري
التي أكدتها
مختلف
الشرائع
البشرية،
وقدستها
الفلسفة حين
اعتبرت احترام
الجسد
معياراً
لوحدة البشر
حول القيم
الإنسانية
المشتركة،
لكن ما يحصل
للمعتقل في
فترة اعتقاله
وسجنه يضرب
تلك الحرمة،
من جهة إسهامه
في تفاقم
دعوات
الانقسام
البشري.
ويعبر
الاعتقال
السياسي عن
نهج الانتهاك
والعنف، حيث
يترك الأمر
لممارسات
مجموعة من أجهزة
الاستخبارات
وجلادي
السجون. وهي
ممارسات تؤكد
السيطرة
الجسدية
للسلطة، ذلك
أن الاعتقال في
أساسه تقييد
لحرية حركة
الجسد في حيّز
المعتقل. ولن
تنفع قيم حقوق
الإنسان
والكرامة وكل
القيم الإنسانية
في منع
السجّانين من
ممارساتهم، ومن
سطوة هاجس
السيطرة على
الآخر. فالسجان
العربي يمارس
سلطة مطلقة
على السجين
بوصفه جسداً
قابلاً للإنتهاك،
وبالتالي فهو
يملك حق
السيطرة
واضطهاد الآخرين،
وينشأ عن ذلك
حقه في
التعذيب
والتمثيل بأجساد
الآخرين.
إن صور
الرجال في
الزنازين،
وخلف
القضبان، تُرجع
إلى الذاكرة
صور جميع
معسكرات
الاعتقال
وحروب
الإبادة التي
خاضتها القوى
المسيطرة في
العالم
الحديث،
وربما لن يكفي
تفسير مثل هذه
المشاهد
القول
بانفصال
الإرادة عن
العقل، وتحول
الأخير إلى
مجرد أداة، بل
يجب البحث عن
محتوى يتسع
لكلّ هذا
الكمّ المرعب
من العنف
الجسدي. لكن
الأمر
المحيّر هو في
خصوصية
التعذيب الجسدي،
الذي يولّد
نوعاً من لذة
الاستمتاع في
التسبب في
الألم لجسد
الآخر، وهي
خصوصية تتجسّد
في كراهية
الجسد والحقد
عليه، وتكشف
مركب نقص
تعويضي عن
عمليات
التحقير والإهانة
والإذلال.
لقد بات
السجن في
البلدان
العربية
مكاناً يحتجز
فيه أصحاب
الرأي
المعارض
والفكر المختلف
إلى جانب
المجرمين من
قتلة ولصوص
ومرتكبي
الأعمال
الشائنة
وسواهم، وصار
تعبير "سجناء
الرأي"
مفهوماً
عربياً
بامتياز، إذ تحول
إلى مفهوم
مركب، غير صلب
أو غير مقيد
بلغة أصحاب ما
بعد الحداثة،
يمتد ليشمل
معتقلي الضمير
ومعتقلي
الفكر
ومعتقلي
الرأي
ومعتقلي الكلمة،
ويمكن أن نضع
في مركباته كل
من يسجن بسبب "جريمة
رأي!"، أي بسبب
اختلافه
بالرأي مع ما
تقوله النخب
الحاكمة، أو
كل من يسجن
بسبب عدم اتفاقه،
بل وعدم
تطابقه، مع ما
يريده الحاكم
العربي الذي
تحول إلى
شخصية
ميتافيزيقية،
متعالية،
قولها فوق قول
الجميع.
__________
* كاتب سوري