الوطنية السورية بين رؤيتين!

فايز سارة


أكثر من أي يوم مضى، يظهر السوريون وكأنهم على مفترق طرق في رؤيتهم لـ "الوطنية السورية"، حيث ان هناك خلاف واختلاف بين رؤيتين لـ"الوطنية السورية"، ونهجين في التعامل معها، ويمكن ان نجد لهما تعبيراً واضحاً في الانقسام السوري حول الموقف من حالة الطوارئ المعلنة من خلال اعتصام جرى تنظيمه امام قصر العدل بوسط دمشق في التاسع من آذار 2006، وهو نسخة مكررة، عن حدث مماثل شهده المكان نفسه في آذار من عام 2005.
في ذلك اليوم المفصلي، دعت جماعات سياسية معارضة، تنضوي في اطار "اعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي" الى اعتصام رمزي وسلمي وحضاري للمطالبة بانهاء العمل بحالة الطوارئ السوري المعمول بها منذ مجيء حزب البعث الى السلطة في آذار عام 1963، وقد حضر مئات الناشطين من محافظات سورية مختلفة الى امام قصر العدل، ليجدوا مئات من "الطلبة" سبقوهم الى المكان حاملين الاعلام السورية وصور الرئيس، فيما كانوا يرددون هتافات للرئيس ولسوريا.
ورغم ان المكان كان يتسع للطرفين، ويزيد اليهما اتساعه رجال الامن وضباط الشرطة، ومئات من جنود حفظ النظام الموجودين في سياراتهم في جانب من المكان، فان "الطلبة" وبتوجيهات من قادة ميدانيين بعضهم من "اتحاد الطلبة" وآخرين من رجال الامن، انقسموا الى مجموعات صغيرة، اخذت تقتحم صفوف المعتصمين، وتطلق في وجوههم هتافات تصفهم بـ "العمالة" و"الخيانة"، ثم ما لبثت ان طورت حملتها الى الاعتداء على المعتصمين من رجال ونساء ضرباً بالايدي، ثم بالعصي التي تحمل الاعلام السورية وصور الرئيس في محاولة مكشوفة لاظهار وطنية "طلابية" عنفية في خطابها وممارستها في مواجهة وطنية المعتصمين السلمية والحضارية.
لقد كشفت تلك المواجهة المحدودة، اختلاف نهجين في النظر الى الوطنية السورية، نهج ينضوي في اطار حركة سياسية معارضة، هي جزء من حراك اجتماعي وثقافي وسياسي، تطور في السنوات الست الاخيرة على قاعدة المطالبة بالاصلاح وباجراء تغييرات جوهرية في علاقة السلطة بالمجتمع من الناحيتين الدستورية – القانونية، والقيام بخطوات اجرائية، هدفها تصفية آثار المرحلة السابقة وخاصة لجهة اطلاق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين وعودة المنفيين، وكله في سياق معالجة ترديات الحال السوري من جهة ومواجهة تحديات المرحلة التي تمر بها سوريا في المستويين الاقليمي والدولي.
اما النهج الثاني، فقد كان نهج النظام المستمر، كما جسده مدافعون عن النظام وسياساته، وهو نهج كثير ما جرى تعريفه بانه نهج التطوير في سياق الاستمرار، والترجمة العملية لهذا التعريف، تعني اعادة انتاج النظام القائم تحت شعارات، لاتتعارض مع طبيعة النظام ومؤسساته من الناحية الجوهرية في عملية تتماثل وعملية تجديد نظام البعث في العام 1970، وهو الامر الذي يفسر، تكليف "طلاب" بالتصدي للمعتصمين من المعارضين تحت حراسة قوات الامن واشراف رجال المخابرات، بدل قيام الامن وضباطه باحباط المعتصمين على نحو ما درجت الحالة، وان كان ذلك لم يمنع اعتقال عدد من المعتصمين من جانب الامن مباشرة.
ان الامتداد الطبيعي لنهجين وموقفين حول "الوطنية السورية"، يمكن ان نجد تعبيراتها خارج المساحة القائمة امام قصر العدل في مدن وقرى سوريا، كما يمكن ان نجدها ايضاً في اوساط السوريين في الخارج ممن تكثفت حركتهم واحاسيسهم حول سوريا ومستقبلها، وفي الحالتين سنجد نهجاً يميل الى التفاهم والتوافق وايجاد المشتركات، ويسعى الى تغيير هادئ – ومتوافق عليه اذا امكن - باقل الخسائر الممكنة، ونهج ينكر الآخر، ويرفض الحوار والتوافق، ويعتمد القوة والاملاء بالاكراه في الحفاظ على وجوده او سعياً نحو تكريس هذا الوجود.
ومثلما ان النهج الاول موجود في الداخل، فانه موجود في الخارج، وهي حال تتماثل مع حالة النهج الثاني الذي يرفض رموزه في الداخل الحوار والتوافق، ويؤكدون ميلهم الى القوة والاكراه، ويجد له موازياً في دعاة استخدام القوة ضد النظام في دمشق، حتى لو جاء من جانب الخصوم الخارجيين، وكلاهما يؤدي الى دمار وخراب، والحال، ان ذلك لايكرس نهجين فقط، بل "عقلين" مختلفين في فكرة "الوطنية السورية" من حيث فهمها وشكل التعامل معها!.
ومثلما حدث في آذار الماضي، تكرر الانقسام حول الوطنية السورية مجدداً حول اعلان بيروت – دمشق الذي وقعه مثقفون سوريون ولبنانيون من اجل اطار جديد للعلاقات السورية – اللبنانية في المستويين الرسمي والشعبي، يتجاوز ترديات علاقات البلدين في واقعها الراهن، وكان جوهر الانقسام السوري في موقفين مختلفين، اولهما رأي في واقع ومستقبل العلاقات السورية – اللبنانية عبر عنه قطاع من السوريين، وهجمة امنية وسياسية شنتها السلطات السورية ضد الموقعين على الاعلان من رموز الحراك الثقافي والاجتماعي والسياسي، ادت الى اعتقال بعضهم وتقديمهم الى المحاكمة وسط اتهامات لاتستبعد ارتباطهم بمخططات خارجية، وكما في مرات سابقة، فقد جددت تلك التطورات خلافاً واختلافاً سورياً ظاهراً في رؤية "الوطنية السورية" وفي نهج التعامل معها!