السلام
العربي –
الإسرائيلي ..
إلى أين ؟ (*)
الدكتور
عبدالله
تركماني
يبدو أنّ تعقيد
وصعوبة التسوية
السياسية للصراع
العربي ـ الإسرائيلي
تأتي من طبيعة
هذا الصراع الذي
يندرج ضمن ما يسمى
بـ " الصراعات الاجتماعية
الممتدة " وهي
نوعية من الصراعات
تسودها لغة صراع
الوجود لا الحدود،
وتضرب هذه الصراعات
بجذورها في عمق
التركيبة السكانية,
وتتبلور صور للعداء
بين البشر الذين
يبحثون عن أسس
للانقسام والعداء,
وعادة ما تتم العودة
فيها إلى عوامل
الانقسام الأولى
وفي مقدمتها العرق
والدين، وأنّ
تسوية هذه النوعية
من الصراعات تتطلب
وقتا أطول وتتم
على مراحل زمنية
طويلة.
وبالفعل يعد الصراع
العربي - الإسرائيلي,
خاصة على المسار
الفلسطيني، صراعا
اجتماعيا ممتدا,
فالشعب الفلسطيني
وهو صاحب الأرض,
تم طرده وتشريده,
ورأى الوافد من
الخارج أنّ فلسطين
" أرض بلا شعب
", وجب منحها لـ
" شعب بلا أرض
".
ومن خلال دراسة
معمقة لنمط التسويات
السياسية التي
تمت في بعض
الحالات
المشابهة (البوسنة
وأيرلندا وكوسفو),
تم التوصل إلى
العوامل الرئيسية
المحددة لتسوية
هذه الصراعات والتي
يمكن اعتبارها
بمثابة شروط مسبقة
لتسوية هذا النمط
من الصراعات، وتتمثل
هذه العوامل في
أربعة هي: إقرار
طرفي الصراع باستحالة
الحل عن طريق القوة
العسكرية، وتوافر
القيادات السياسية
المستعدة للتسوية
السياسية لدى الأطراف
المتصارعة،
وغياب الانحياز
من جانب القوى
الدولية لطرف من
الأطراف أو توزيع
الانحيازات الدولية
علي النحو الذي
يحيّدها، وتوفر
الرغبة لدى قوى
دولية فاعلة في
التوصل إلى تسوية
سياسية لهذا الصراع.
وبالعودة إلي
الصراع العربي
- الإسرائيلي,
نجده يعاني من
غياب العناصر اللازمة
لاستكمال تسوية
سياسية حقيقية
تقود إلى سلام
شامل وعادل
ودائم, ويشمل
الغياب معظم العناصر
المطلوب توافرها:
الحكومات الإسرائيلية
المتعاقبة مازالت
تؤمن بالقوة العسكرية
لحسم الصراع،
ولم تتوافر قيادات
سياسية إسرائيلية
مؤمنة بالتسوية
السياسية للصراع
( ربما يكون رابين
آخر من كان لديه
استعداد لتسوية
سياسية ما على
النحو الذي جسده
اتفاق أوسلو على
المسار
الفلسطيني و "
وديعة رابين "
على المسار
السوري )، والانحياز
الأمريكي لإسرائيل,
وغياب الرغبة الحقيقية
لدى الإدارة
الأمريكية
والمجتمع الدولي
في فرض تسوية سياسية
عادلة بإمكانها
أن تتحول إلى سلام
حقيقي دائم.
ولعل
اكتساب
الصراع
العربي –
الإسرائيلي
طابعا دينيا
قد صعّب
إمكانية
الوصول إلى "
الحل الوسط
التاريخي "، إذ أنّ الرداء
السياسي العلماني
الذي تلبسه الحركة
الصهيونية الرسمية،
يبدو قناعا تتخفى
وراءه رؤية دينية
تصر إسرائيل من
خلالها على تحديد
مواقفها من الصراع
استنادا إلى اعتبارات
تمليها عقائد دينية
بأكثر مما تمليها
اعتبارات سياسية.
إنّ أخطر
تطورات القضية
الفلسطينية والصراع
العربي ـ الإسرائيلي
في العقود القليلة
الماضية هو تنامي
أهمية البعد الديني،
وقد كانت سنة 1967،
وما حملته من انتصار
إسرائيلي ساحق
على العرب، بمثابة
معلم في هذا المنظور.
فللمرة الأولى
وقع " كامل أرض
إسرائيل "، وفي
جملتها القدس بكاملها
و" جبل الهيكل
"، تحت
السيطرة العسكرية
الإسرائيلية الكاملة.
وقد اعتبر ذلك
توكيدا للرضى الإلهي،
ودليلا على صحة
كون الشعب اليهودي
" شعبا مختارا
"، وأفضى إلى نشوء
حركة الاستيطان
القومية الدينية
" غوش إيمونيم
" أو " كتلة المؤمنين
"، المصممة على
بناء الهيكل واستيطان
كامل " أرض الميعاد
" إلى الأبد، إتماما
للعهد المقطوع
مع يهوه (الله).
وفي
الجانب
الآخر، يبدو
أنّ العرب مغرومين
بلعبة التطابق،
فالتطابق الذي
حصل بين المسألة
الفلسطينية وبين
الإسلام يبدو كأنه
سدرة المنتهى للعالم
العربي ولقسم من
النخب الفلسطينية،
حتى عندما صار
هذا التطابق مهلكا
بسبب من التحولات
في العالم الإسلامي
ونزوع حركات فيه
إلى المواجهة العنيفة
مع الغرب ورموزه،
فلم نرَ أي جهد
يذكر لفض هذا التطابق
وتأكيد التباين
والاختلاف بين
المسألة الفلسطينية
بوصفها قضية شعب
يسعى إلى الحرية
واستعادة جزء من
وطنه التاريخي،
وبين الإسلام الجهادي
الذي انزلقت أوساط
فيه إلى العنف
الصريح تحت مسميات
وأغراض لا علاقة
لها بالمسألة الفلسطينية
التي تم تجييرها
على غير إرادة
منها.
إنّ تضامن
العالم الإسلامي
مع النضال الفلسطيني
شيء مستحب وضروري،
لكن المسألة الفلسطينية
ليست قضية إسلامية
حصرا.
ولأنّ المعتقدات
الدينية لا تقبل
بطبيعتها حلولا
وسطا، فمن الطبيعي
أن تصبح الصراعات
المبنية على معتقدات
من هذا النوع مستعصية
على الحل وعلى
التسوية. فأية
تسوية قابلة للحياة
هي بطبيعتها حل
وسط بين حقوق ومصالح
متعارضة، وما لم
تبدِ أطراف الصراع
جميعها استعدادا
حقيقيا ومتكافئا
لتفهم حقوق الآخرين
ومصالحهم، والقبول
بصيغة تحقق التوازن
بين حقوق ومصالح
الجميع، يصبح إمكان
التوصل إلى أرضية
مشتركة، أي صالحة
لبناء اتفاق نهائي
فوقها، مسألة بالغة
الصعوبة. وحين
يكون هناك طرف
يرى الصراع من
منظور سياسي، وهو
منظور براغماتي
- مرن بطبيعته،
وآخر يراه من منظور
ديني، وهو منظور
عقائدي - جامد بطبيعته،
يصبح من الصعب
جدا التقريب بين
مواقف الطرفين
للاتفاق على مرجعية
واضحة للأسس التي
يقوم عليها الحل.
ومن
المؤكد أنه إذا
أصرت إسرائيل على
رؤيتها الدينية
للصراع فلن يكون
هناك سلام شامل
وعادل ودائم. ففي
مواجهة رؤية لحقوق
يهودية مستمدة
من التوراة، لا
بد أن تبرز رؤية
مقابلة تعتبر فلسطين
كلها أرض وقف وجزء
من دار الإسلام
الذي لا يجوز لأحد
التفريط في شبر
واحد منه.
تونس
في 5/6/2006 الدكتور
عبدالله
تركماني
كاتب وباحث
سوري مقيم في
تونس
(*) –
نُشرت في
صحيفة " الوقت
" البحرينية –
7/6/2006 .