المعارضة واحدة ، ونجاحها رهن باستمرار وحدتها    حوار مع جورج صبرة   

أجرى الحوار : ناصر الغزالي (خاص لمجلة مقاربات القادم)  الجزء الاول

 

جورج صبرة : عضو الأمانة المركزية في حزب الشعب الديمقراطي السوري / عضو القيادة المركزية للتجمع الوطني الديمقراطي في سورية

في مشروعها الباحث عن إجابات ومعابر تقوم مقاربات باستشفاف رؤى شخصيات عامة في سوريا عبر محاورتهم. في هذه الجلسة تحادث إدارة مقاربات الأستاذ جورج صبرة ،عضو الأمانة المركزية في حزب الشعب الديمقراطي السوري ، القيادي المعروف بخبرته الطويلة في العمل السياسي وبتاريخه الحافل بالعمل الشعبي والنشاط الاجتماعي. يبدو حديث الأستاذ ناصر الغزالي المدير العام لمركز دمشق ومقاربات مع الأستاذ جورج صبرة ذا أهمية خاصة لأنه يأتي في فترة غائمة تتداخل فيها مفاهيم أساسية وتبرز فيها إشكاليات جديدة وذلك تبعا لما تشهده سوريا من تحولات في المواقف والمواقع وتواتر في التآلفات والتحالفات. في هذا الحوار تحاول مقاربات إيصال تأملات صبرة في هدوئها وتأنيها، كما هي دون محاولة صياغتها في بيان أو تنظير إيمانا منها أن في هذه الانطباعات المتأنية والتفاؤل الملفت للنظر زخما لمشروعها القائم في مد جسور للعبور وإضاءة عتبات للوصول.

 

ناصرالغزالي

في البداية مساء الخير أستاذ جورج وشكراً لكم على هذه المقابلة. في الآونة الأخيرة إثر هذه التطورات وتداخل كثير من المفاهيم وتداخل الداخل مع الخارج بدأت فكرة الداخل والخارج تخلق إشكالية مفهومية حيّرت كثيرا من الناس. ما هو رأي الأستاذ جورج بهذا الموضوع أي مفهومي الداخل والخارج؟

جورج صبرة

 إن التغيرات التي طالت الوضع العالمي خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة بدأت بسقوط الاتحاد السوفييتي وانشغال الولايات المتحدة بقيادة العالم وانطلاق العولمة بشكل مفتوح دون عوائق فعلية أمامها وقد ترافق هذا مع انفجار التكنولوجيا المتقدمة التي استطاعت فعلا تجاوز المسافات واختراق الحدود وأصبح  التماس بين الداخل والخارج لا يتركز على الحدود فقط ولا يتوقف عندها. أصبح هناك تشابك حقيقي وبات من المطلوب فعلاً أن نعيد النظر في هذه القضية، وخاصةً أن قاعدة السياسة في بلادنا بالنسبة لمعظم الأحزاب هي قاعدة إيديولوجية أولاً، فمعظم الأحزاب ذات موارد ومرجعيات إيديولوجية سواء كانت إسلامية أو قومية أو ماركسية. ومن المهم الإشارة إلى أن التيار الليبرالي منذ تمت خلخلته وضربه في نهاية الخمسينات لم يستطع حتى الآن أن يبلور نفسه لا على المستوى الفكري ولا على المستوى السياسي أو التنظيمي. مع أن التيار الليبرالي( على الأقل نظريا ً) هو أكثر التيارات قدرة على تقديم رؤية تخلق انفتاحا بين الداخل والخارج لأن منبته ومنشأه كان على هذه القاعدة . بينما نشأت الاتجاهات الأخرى الإسلامية، الماركسية، القومية نشأة ذاتية منكفئة على حالها تجري وراء مشروعها الخاص، وكان الخارج يشكل لها تحديا دائماً، وفي أحيان كثيرة كانت تضعه في موقع " العداء". من هنا لا بد من إعادة النظر في هذه القضية الهامة، وجزء من إعادة النظر التي أراها هي الكف عن اعتبار أن الوطنية تقف على حدود البلاد فقط ، أي الموقف من الخارج. نرى اليوم أن معيار الوطنية يكمن داخل البلاد أيضا وبالأساسً، وليس متمثلا بالموقف من الخارج وحسب. وأن الدفاع عن الوطنية لا يكون بالوقوف على الحدود فقط ، والدفاع عن الوطن لا يتحقق بالشعارات والهتافات، واستخدام المصطلحات الكبيرة الطنانة التي طالما رددناها لتبرئة أنفسنا من المسؤولية مثل "الاستعمار والامبريالية" أو ما شابه ذلك. معيار الوطنية اليوم قائم على المواطن وعلى شكل حياته داخل بلده ، ومنظومة الحقوق والحريات التي يتمتع بها. والحكم الوطني ليس ذاك الذي يكثر من قرع الطبول والأناشيد الحماسية، إنما الذي ينمي روح المواطنة الحقة في إنسانه، ويحسن إقامة عوامل الارتباط بين المواطن ووطنه . بهذا الشكل نرى أنه يجب أن نبدأ بإعطاء مفهوم جديد لقضية الداخل والخارج. الخارج الذي كنا نعتبره خارجا لم يعد كله كذلك، فجزء من مفاهيم هذا الخارج وعوامله تطورت في الداخل عبر عقود من الزمن وأصبح لها بنى قائمة. من جهة أخرى نرى أن ما كنا نعتبره  داخلياً وذاتياً صرفاً لم يعد موجوداً بهذه الحالة إذ أصبح متأثرا على هذا النحو أو ذاك بالوضع الخارجي. هناك نقطة أخرى ذات علاقة وثيقة بهذا الموضوع. لقد أدت فترة الاستبداد الطويلة التي ظهرت في النظام العربي عموماً ونظامنا في سورية خصوصاً إلى هجرة تيار كامل مثل التيار الإسلامي وإلى اختفاء تيار مثل التيار الليبرالي وبقائه في الظل ليحافظ على نفسه، وكذلك إلى تراجع التيار الماركسي نحو العمل السري وارتباكه مع نفسه بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. التجربة القومية التي انتهت من مشروع واعد للجماهير العربية تتجاوب معه ملايين البشر إلى مشروع استبداد تئن منه الملايين العربية. كان واعدا على مستوى التوحيد القومي لكنه لم يستطع أن يحافظ على الوحدة الوطنية للقطر الذي كان يحكمه. كان واعدا على مستوى التنمية وإذ في ظل حكمه تتراجع معدلات النمو الاقتصادي وتزداد نسبة الأمية والبطالة، و يتحطم الاقتصاد الوطني. كل هذه القضايا كما أعتقد تقول : يجب أن نعيد النظر في معنى الداخل أولاً أي تلك الاستقلالية الصارمة والمعزولة في هذا الموضوع. ثانياً هناك قصة العولمة والموقف منها أيضاً لأنه جزء من هذه القضية. بعض الناس ما زالوا متأثرين بالموقف الأيديولوجي المسبق،  وينظرون للعولمة على أنها شر مطلق ومطلوب معاداته ومحاربته. أنا لا أرى الوضع هكذا، العولمة حقيقة من حقائق العصر الذي نعيشه الآن، وربما كانت أبرز الحقائق . ليس المطلوب أن نحدد موقفاً من العولمة معها أو ضدها ، لا خيار لأحد بذلك .المطلوب استكشاف كيف يمكن من خلال التعاطي معها أن نحقق مصالحنا ونحسن شروط وجودنا، شروط موقع بلدنا على خريطة العولمة المعاصرة. 

ناصرالغزالي
 
تحدثت كما أظن عن هذا التداخل والذي يشمل كما فهمته تداخلا اقتصاديا، ومعلوماتيا، وثقافيا. أين التخوم التي تفصل الداخل عن الخارج برأيك ضمن هذه الآلية، وماهي الحدود حسب كلامك طبعاً وحسب ما يرى الإنسان؟ لقد بدأت الحدود تضيق بشكل كبير ما بين الداخل والخارج، ولكن أين هذه الحدود؟ كيف نستطيع أن نرسمها ونحن لا نستطيع أن نقول داخل إلا بوجود خارج؟ أين هذه التخوم مابين الداخل والخارج، وعلى أي مستوى يمكن أن نفهمه مثلاً؟.


جورج صبرة
اعتقد أن هذا السؤال جاد ولكنه صعب بنفس الوقت، وما اعتقده أيضاً أننا نمر الآن بمرحلة انتقالية، الخارج ما زال حتى الآن خارجا رغم أنه اخترقنا، والداخل مازال يحتفظ بكينونة ما ذاتية وخاصة ( ربما لصعوبة التكيف والاندماج وتخلف البنى )غير أن الخارج موجود في جميع ثناياه . ورغم أننا بدأنا نرى أن هناك عوامل إيجابية للعولمة ولا نستغني عنها. فهناك وهم قائم برؤوس البعض أن من الممكن أن يكون الداخل مستقلا كلياً. أنا أعتقد أنه من أول لحظات الاحتكاك في هذا الشأن بين بلادنا والغرب والتي بدأت على إيقاع مدافع نابليون لم يعد الخارج خارجا ولا الداخل داخلا. خلال الفترة الماضية كان هناك حدود بيننا ، اخترقتها الحركة الاستعمارية حين أتت البعثات التبشيرية وقوى الهيمنة الاقتصادية، السفارات ونشاطاتها. لكن هذا انتهى عند سقوط الدولة العثمانية ودخلنا بمرحلة الاستعمار الغربي. انتهى الاستعمار الغربي بأشكال من الاستقلال ولكن لم تنته قصة الداخل والخارج. استمر الخارج عندنا وعاد بدرجة أقوى وإن لم يكن بشكله السافر والظاهر، عاد عبر الوضع الاقتصادي، وعبر الرابط الثقافي. لكن ما أراه الآن، أننا بسبب بعد المسافة بين الوضع المجتمعي ووضع الدولة في أوربا ومقابلها الوضع المجتمعي ووضع الدولة التي نشأت في بلادنا أصبح هناك فرق شاسع، وهوة  كبيرة بينناً. مطلوب منا تقليصها أو تجسيرها أكثر بكثير مما كان مطلوباً من أجدادنا . نحن الآن كجيل لا نستطيع الاستغناء عن هذه العلاقة. لاحظ أن أجدادنا بأول القرن الماضي عندما عملوا مؤتمر باريس عام 1913 وحاولوا الخروج من الاستبداد العثماني تحدثوا بلغة تتوجه نحو الديمقراطية، والحداثة وباتجاه التعدد والحياة الحزبية والحريات الصحفية وحققوا شيئاً من أهدافهم . نحن الآن بعد حوالي مئة عام نعيد نفس القصة ونفس السؤال وتنتصب أمامنا نفس المهام ولكن بشروط أصعب . لأن نظام الاستبداد عندنا ما زال مطبقاً على الحياة العامة. وهناك أمر آخر وهو أن الدولة التسلطية عندنا خلال الأربعين سنة الماضية كانت مدعومة من قبل الخارج، سقط الاستبداد العثماني وساهم الخارج في إسقاطه. الاستبداد المعاصر الذي عشناه ونعيشه- قبل هذه التحولات الأخيرة - خلال أربعة عقود مضت كان مدعوما بقوة من الخارج، يصدق هذا القول على جميع الأنظمة الاستبدادية تقليدية كانت أم حديثة ملكية أم جمهورية ، وحتى الانقلابات العسكرية كانت مدعومة بقوة من الخارج. من هنا ظهر أمام المواطن في بلادنا بعد أن انكشفت العملية تماماً،أن الخارج عبء علينا. وزاد القضية تعقيدا موضوع إسرائيل. المشروع الصهيوني القائم على الأرض العربية ، حيث الخارج هو الحاضنة الكبيرة له في مواجهتنا والمنحازة له على طول الخط . ونحن الآن كديمقراطيين ونهضويين عرب نجد صعوبة أمام فئاتنا الشعبية بفتح نوافذنا على الخارج، لأن سياسات الخارج في مجملها مضادة لمصالح شعبنا. وقد أضيف لها أخيراً السياسة الأمريكية في المنطقة  واحتلال العراق. لكن شعبنا يعرف جيداً بنفس الوقت أن الخارج لن يبقى خارجاً والسؤال الذي يُطرح هو: "كيف يمكننا حيال هذا الخارج الذي لا بد من التعامل معه أن نجد الطريق الصحيح، ونستفيد من الواقع الموضوعي، لأن الخارج جزء أساس من الحياة المعاصرة وهو حقيقة، يتولى قيادتها، ويرسم مسارها الأساسي. كيف نستطيع أن نبني شراكة معه في الوقت الذي يتم رفضه في المزاج الشعبي عندنا . المطلوب   العمل على الحد من هذه الهيمنة ومن هذا الموقف المعادي الذي يتخذه الخارج ضد مصالحنا وقضايانا . أنا هنا أتحدث عن الخارج  ( أنظمة وحكومات ) باعتباره الغرب المتوافق مع أمريكا، لأنه هو  أساساً من تعاملنا معه في القرنين الماضيين والذي ما زلنا نتعامل معه. مشكلتنا الآن هي كيف يمكن أن نقلص الجانب السلبي من صورته وسلوكه وواقع تعامله معنا. فصورة الخارج السلبية حقيقة واقعة في حياتنا. من جهة أخرى الخارج ليس موحداً وله وجوه متعددة ، وفيه أشياء أخرى، فيه الشعوب والمجتمعات وحركاتها ،والوسائل العصرية والأساليب الديمقراطية، وفيه منظومة الحريات وثقافة حقوق الإنسان، والمنظمات والمؤسسات الدولية، وفيه التنمية ومنجزات العلم الحديث وكل هو ضروري لمساعدتنا في حل مشاكلنا وتوفير متطلبات الحياة المعاصرة.


ناصر الغزالي
هل تعتقد أن الخارج يحتاج إلى شركاء لا إلى أُجرَاء أي حكومات الخارج؟ التخوم أصبحت محدودة جداً، وأنا أرى أن التعامل مع الخارج والتعاون مع الخارج يتم بمستويين. هناك مستوى حكومي ومستوى أهلي شعبي. هل تعتقد أن الحكومات الغربية، لا أقصد المجتمعات الأوربية ولا المجتمع الأمريكي، تحتاج إلى شركاء في المنطقة؟


جورج صبرة
أنا أعتقد أن أي حكومة مما يسمى بالحكم الرشيد تحتاج إلى شركاء، والحكومات الغربية تقع ضمن تصنيف الحكم الرشيد .والغرب بإنتاجه الهائل يحتاج لأسواق وبلادنا سوق كبيرة وقريبة على الأقل بالنسبة لأوربا، وقد كانت كذلك منذ أكثر من قرنين على طول الخط. نحن نحتل الشاطئ الشرقي والجنوبي من المتوسط، وهم على الساحل الشمالي والغربي منه ، والعلاقة تبادلية بيننا منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة . فمنذ أيام الإسكندر كلما شعرت أوروبا بأسباب القوة أو ضاقت الأوضاع فيها حاولت الامتداد نحو شرق المتوسط وجنوبه و بالعكس ففي عصور قوتنا وازدهارنا الحضاري تم الامتداد نحو شمال المتوسط وغربه . وهكذا فمن الطبيعي أن يكونوا بحاجة لشركاء. لكن السؤال الصعب أي نوع من الشراكة يمكن أن يحصل اليوم ؟!


ناصر الغزالي
هذه السياسات التي ينفذونها هل هي سياسات شركاء؟.
جورج صبرة
موضوعياً هم بحاجة لشركاء لكن ما يجري عملياً شيء غير ذلك. منذ بداية المشروع الصهيوني قبل أكثر من مئة عام ، وبعد نشوء إسرائيل، أظهر الغربيون اعتمادهم على هذه الدولة التي هي في الحقيقة جزء من التكوين الغربي ، انغرست عندنا وهي الوحيدة التي ينظرون إليها بوصفها شريكة، وكذلك على أنها دولة حديثة، لكنهم لا يتعاطون مع باقي دول المنطقة بمنطق الدولة الحديثة أو باعتبارها الشريك الحقيقي. يتعاطون معها أحياناً بموقع التابع الطرفي وأحياناً بموقع تبادل المنافع المؤقت على طريقة المقايضة . فقد تعاملوا مع عدد من الأنظمة وعلى رأسها الأنظمة الاستبدادية العسكرية، رغم الاختلاف معها بالأيديولوجيا والسياسة وأساليب العمل وعملوا معها على طريقة منح الأدوار والصفقات، وعندما كانت هذه الأنظمة والقوى تقوم بأدوار تهمهم، لم يكن لديهم مانع أن يقدموا لها التنازلات . حتى اللحظة التي نحن فيها الآن رغم أنهم بالصيغة الإعلامية والسياسية الظاهرة يتكلمون بقسوة وبشكل حاد وصارم مع بعض الأنظمة. لكن نحن الشعب دائماً لدينا تخوف، أين هي النقطة التي يلتقون فيها مع هذا النظام أو ذاك في المصالح. والعلاقة الأمريكية الليبية الجديدة خير مثال على ذلك . لم نلاحظ أن هناك شراكات حقيقية لكن هناك شهر عسل يمر لفترة محددة مع بعض الأنظمة. بعض شهور العسل استمرت عقودا لكن ليس بمعنى التحالف الحقيقي. والشراكة الحقيقية تكون مثلما عامل الأوربيون بعضهم، وكما عاملت أمريكا أوربا بعد الحرب العالمية الثانية. هذه هي الشراكة التي تستحق أن يكون اسمها شراكة، نحن لم نر مثلها في بلادنا، لا من الأمريكيين تجاه الأنظمة التي تعاملوا معها خلال فترة طويلة من الزمن ولا من أوربا أيضاًً. قد يكون هذا عائدا لعدم الثقة ببنية الأنظمة وعلاقاتها مع شعوبها ولأنها دائماً في صفة المؤقت. وربما بسبب كون العامل الخارجي هو العامل الأساسي في استقرار هذه الأنظمة وفاق بكثير شرعيتها الشعبية التي استمدتها من الداخل، فقليل جداً من الأنظمة تمتع بشرعية داخلية ملموسة يمكن الركون إليها وكانت ذات اعتبار. بالطبع دون أن نهمل الفوارق الثقافية والحضارية والسلوكية بين العالمين، في دولة الحرية والرعاية والرفاه عندهم وفي الدولة السلطانية الرعوية الريعية عندنا. ومن دون شك فإن البحث المعمق في هذه القضية سوف يكشف أسباباً أخرى .

ناصر الغزالي
ما هي باعتقادك الملامح الأساسية للمجتمع السوري، وهل هناك إمكانيات لدخول عناصر جديدة فاعلة وما مدى تأثيرها على تطور المجتمع  وتحسين شروطه؟

 جورج صبرة
ليس لدي شك بأن المجتمع السوري مفتوح على الجديد. خلال الفترة الماضية والتي امتدت لأكثر من أربعة عقود لم تتح الفرصة للمجتمع السوري كي يجدد نفسه، كان مكبوتاً وملفعا بغلالة من الاستبداد والتفاعلات الداخلية، أكثر من أربعة أجيال أتت في ظل الحكم العرفي وحرمت من أي تفكير حر، أو تصرف حر، أو فرص حقيقية للعمل والتفاعل الاجتماعي. بنفس الوقت هناك نظام عنده إيديولوجيا محددة ينفخها في أوساط  الشباب، وعندما يصل الطالب للشهادة الثانوية مروراً بكل المراحل يعبأ بإيديولوجية الحزب الحاكم وبعبادة الفرد، والفكر الشمولي . وتهيمن على الخطاب المقولات الشكلانية فقط ، وتستخدم للتعبئة ولأغراض انتهازية لتأمين حاجات صغيرة كرشوة للانصياع . كأن يأخذ الطالب علامة أو علامتين أو ينال الرضا ويتجنب تقارير الرفض . ولكن عندما يصل الطالب لسن النضج يدخل الجامعة أو يخرج للحياة العامة، عندها يكتشف الوضع الحقيقي، ولن يقبل بعدها بما عبئ به ولا يجد هناك من معين أمامه يسد به الفراغ الحاصل. أو ليدخل من جديد كفاعل في فضائه الاجتماعي، لأن الأحزاب السياسية مقموعة وحتى غير المقموع منها جرى تهميشه وإخراجه من دائرة الفعل، والعمل الاجتماعي الحر والمستقل ممنوع ومحاصر. هذا التكلس لم تفرضه السلطة فقط على نفسها بل فرضته على المجتمع أيضاً بما فيه حتى المعارضين ، حتى أنه طال قطاعات الفكر والثقافة. راجع السنوات العشر الماضية من تاريخ سورية، ليس هناك عمل مسرحي ذو قيمة، ليس هناك عمل موسيقي ذو قيمة، المبدعون السوريون الكبار ليس لهم صوت ، إما هاجروا أو هجروا أو لاذوا بالصمت. والصوت السوري  في الثقافة العربية الآن يكاد يكون غائباً. ملايين الشباب كلهم موهوبون وكلهم يقرؤون وليس هناك وسيلة إعلام سورية محترمة تحتضن إنتاجهم ومواهبهم. في السبعينات ظهرت في سورية وسائل إعلام أشرفت عليها وزارة الثقافة لكنها الآن تردت وتراجعت ولم يعد لها قراء. إزاء هذا الموضوع أنا لا أفترض أبداً أن الاتهامات الموجهة لجيل الشباب صحيحة، إذ لا يمكن أن يتهم جيل الشباب أنه فارغ وأنه نشأ على اللامبالاة في ظل الاستبداد، أنا لا أعتقد ذلك أبداً رغم وجود هذه الفكرة. هناك لوحة أخرى عميقة فيها حيرة واحتقان، مثل الماء المحبوس والذي لا تستطيع أن تحبسه للأبد. ما يجعلني أفكر بهذا الموضوع هو أن الفضائيات التي أتت من خارج دائرة الدولة ومن خارج الإطار السوري فتحت عيون الشباب على واقع جديد. على شكل من الحياة آخر من حقهم أن يصلوا إليه . مثلاً ما جرى بكلية الهندسة بجامعة حلب بالرغم من أنه بسيط تماماً ولم يصل إلى أهدافه، هل كنت تتوقع أن يقوم طلاب كلية الهندسة بظل هذا النظام الاستبدادي وبظل آلة القمع وقبضتها المحكمة جداً بتنظيم اعتصامات داخل الجامعة من أجل فرصة عمل حرموا منها لكنها بالنسبة لهم ضرورية جداً.
أنا أعتقد أن القادم مفتوح، مفتوح على أوساط الشباب التي ستقدم صيغا