إلى سمير قصير في الذكرى الأولى لغيابه

عمر كوش

 

تحمل الذكرى الأولى لاغتيال سمير قصير أكثر من معنى، وتتعدد دلالات غيابه المأساوي في خسارة قلم جريء وهو في ريعان شبابه وأوج عطائه الفكري، وفي الافتقاد لكتاباته التي حملت طابع وصيته، وخفوت الطموح التأسيسي لكتابة منحازة إلى الحداثة والنهضة، ترفض السائد من الأفكار، وتجمع ما بين روحية الكتابة ومنهجية النقد، ويحدو صاحبها الأمل بمحاولة تقديم قراءة أخرى، لا تزيف الواقع أو تزينه، ولا تغرق في جلد الذات، إنما ترصد الواقع كما هو، تنقله إلى ما فوق اليومي، ثم ترتقي به من أجل مستقبل أفضل.
عاش سمير قصير في زمننا العربي الراهن، المشغول بانتاج الفساد والخراب والهزائم والانكسارات، فلم يجد بداً من تفحّص الشقاء العربي برؤية نقدية، وبحس مثقف يعي تماماً دروس التاريخ، ويحدوه طموح التغيير وإرادة الخلق، فراح يبحث عن خيط التواصل في الفكر التنويري الذي صنعته النهضة العربية. لكن ثمة على الدوام مفارقة ما، تكمن في العلاقة ما بين كتابة التاريخ وصناعته، وربما قاده البحث عن كيفية تجاوز الشقاء العربي الذي تلمّسه إلى نهايته التراجيدية.
وعمل سمير على دراسة أبعاد النهضة العربية في كتابه <تأملات في شقاء العرب> وفق أسس الاستقلال والحرية والحداثة، والسعي الى بناء الفكرة العربية على أسس علمانية ديموقراطية. وكان يحدوه طموح إعادة الاعتبار لعروبة ثقافية تعددية وديموقراطية وعلمانية لا تلغي الآخر، وتعرية ما شابها من دعوات إقصائية ونزعات شمولية، ومناهضة كافة أشكال الاستبداد، ورفض الاستسلام لعقيدة الشقاء والموت، والتطلع إلى مستقبل جديد يحقق الاستقلال والتنمية والحداثة. وعنى له ذلك النظر في النهضة العربية في قيمها الأساسية بدءاً من تحليل حالة العجز العربي، ورفض المقولات الجاهزة من نوع تحميل الآخر الغربي الكولونيالي المسؤولية بشكل مطلق أو القبول بالفرضيات الاستشراقية التي ترى الإسلام في شكله الجامد من دون التطلع الى إسلام مختلف متجذر أكثر في الثقافة العربية الإسلامية، وصولاً إلى الدعوة الى ثقافة الحياة وفي ذات الوقت رفض ثقافة الموت، ومقاومة تمظهرات الديكتاتورية التي استفحلت في بلداننا العربية بعد هزيمة الخامس من حزيران ,1967 واستعادة دور المجتمع المدني القائم على أسس المواطنة والديموقراطية والقادر على تمتين الوحدة الوطنية ومواجهة التحديات والأخطار.
وقد مثّل سمير قصير المثقف النقدي الذي نظر داخل الزمن العربي وخارجه في آن، فتزاحمت أمام عينيه هموم ومشاكل كثيرة، وهو يعيش غربة في مجتمع مهزوم، فقد حداثته المرجوة، وضاع في غياهب الماضي ورموزه، فحلّ الركود المعرفي محلّ الخلق والتشييد. وكان عليه أن يبدأ تحليل الشقاء العربي من عبارة مريرة، تلخّص القاسم المشترك الأعظم الذي أصاب العرب، إذ <لا خير في أن تكون عربياً في هذه الأيام. فاعتلال النفس، من شعور البعض بالاضطهاد، إلى كره الذات لدى البعض الآخر، هو القاسم المشترك الأعم في العالم العربي>.
وكان المشهد العربي مظلماً، أيا تكن الزاوية التي نظر منها إليه، ويزداد ظلاماً وقتامة بالمقارنة بمناطق أخرى من العالم، كأنما تنبع <خصوصية> هذا الشقاء من كونه يضرب فئات وشرائح لا يطاولها الشقاء في مجتمعات البلدان الأخرى، ويتجلى في المفاهيم والقيم والمشاعر أكثر من تجلّيه في الأرقام والإحصائيات. إلا أن هذا الشقاء لم يكن ماثلاً على الدوام. فبمعزل عن العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية، مرّ زمن غير بعيد تسنى للعرب فيه التطلع إلى المستقبل بشيء من التفاؤل وكثير من الأمل.
واتجه توصيف سمير قصير للشقاء العربي نحو الوعي الذاتي، حيث باتت الذات من الهشاشة بحيث تكفي أقل الأمور لتعكيرها. وهنا تكمن السمة الأكثر وحشية للشقاء العربي، إذ انتفت الحاجة إلى معيار خارجي كي ينطلق منه عنانه، فالإحساس الهائل بالعجز الذي يتولّد عنه الشقاء، ويتغذى من البكاء على أطلال الأمجاد، والارتكاس الماضوي، أي قياس الذات بمرجع معياري، تاريخي، مأخوذ من زمن آخر، حتى صار شقاء العرب يتجسد في عجزهم عن أن يكونوا اليوم بعدما كانوا في يوم مضى.
وبات العجز رمزاً للشقاء العربي الذي تعددت صوره وتجسيداته في أولئك الذين يغتبطون بصعود بعض الحميّة القومية جراء الاحتلال الأميركي للعراق، ويدركون استحالة الرهان على ميزان القوى المحلي أو الإقليمي. وكذلك في أولئك الذين يؤيدون الحرب عبر موقفهم المتواطئ أو الانتظاري تجاه الحسابات والمخططات الأميركية، وتسليمهم بأن التغيير لن يتحقق إلا بمساعدة أيد خارجية. لكن ما أثار حفيظة سمير قصير هو الغائية القومية وحدودها، ومع ذلك فإنه بالرغم من مآزق الحداثة العربية فإن كلمة <نهضوي> لا تزال تحتفظ حتى يومنا بقيمة إيجابية، قريبة من قيمة مفهوم <الإنساني> في أوروبا. وهو أمر ينطبق كذلك على كلمة <تنويري>. أي بمعنى آخر فإن النهضة تبقى كناية عن موقف، وشبيهة في هذا السياق بالنموذج الذي أرادوا مطابقتها عليه، أي بالنهضة الأوروبية، وفي الوقت ذاته بعصر الأنوار الذي اغتذت منه بالتأكيد. وهذا بحدّ ذاته يجب أن يشكل حافزاً لإعادة تقييمها على أساس ما كانت عليه في حينه، وليس على أساس ما يرتقب منها أن تكون. تحية إلى سمير قصير الذي امتلك طاقة فكرية متميزة، تتخطى السياسة إلى مقام الفكر النقدي والتشييد المختلف، المؤسس على الخلخلة والمساءلة والحفر، وهي تقاليد نادرة في بلداننا، لم تنتجها السياسة ذات اللون الواحد والحزب الواحد والفكر الواحد.
وكان همّه ينصب على الإجابة عن أكثر من سؤال، كي يفسر كيفية الوصول إلى تجاوز حالة الفوات التاريخي وحالة الغثاثة العربية، ومن مختلف جوانبهما الفكرية والإيديولوجية، التي حملت العرب على الاعتقاد بأن لا مستقبل لهم سوى ذاك الذي كتبه عليهم عهد مضى وانقضى، وبالتالي عليهم الاختيار على الدوام ما بين الاستبداد أو الشقاء والموت، وهو ما كان يرفضه بكل قوة.