المعارضة واحدة ، ونجاحها رهن باستمرار وحدتها   

حوار مع جورج صبرة    أجرى الحوار : ناصر الغزالي

 (خاص لمجلة مقاربات القادم) 

 

 

 

جورج صبرة : عضو الأمانة المركزية في حزب الشعب الديمقراطي السوري / عضو القيادة المركزية للتجمع الوطني الديمقراطي في سورية

في مشروعها الباحث عن إجابات ومعابر تقوم مقاربات باستشفاف رؤى شخصيات عامة في سوريا عبر محاورتهم. في هذه الجلسة تحادث إدارة مقاربات الأستاذ جورج صبرة ،عضو الأمانة المركزية في حزب الشعب الديمقراطي السوري ، القيادي المعروف بخبرته الطويلة في العمل السياسي وبتاريخه الحافل بالعمل الشعبي والنشاط الاجتماعي. يبدو حديث الأستاذ ناصر الغزالي المدير العام لمركز دمشق ومقاربات مع الأستاذ جورج صبرة ذا أهمية خاصة لأنه يأتي في فترة غائمة تتداخل فيها مفاهيم أساسية وتبرز فيها إشكاليات جديدة وذلك تبعا لما تشهده سوريا من تحولات في المواقف والمواقع وتواتر في التآلفات والتحالفات. في هذا الحوار تحاول مقاربات إيصال تأملات صبرة في هدوئها وتأنيها، كما هي دون محاولة صياغتها في بيان أو تنظير إيمانا منها أن في هذه الانطباعات المتأنية والتفاؤل الملفت للنظر زخما لمشروعها القائم في مد جسور للعبور وإضاءة عتبات للوصول.

 

ناصرالغزالي

في البداية مساء الخير أستاذ جورج وشكراً لكم على هذه المقابلة. في الآونة الأخيرة إثر هذه التطورات وتداخل كثير من المفاهيم وتداخل الداخل مع الخارج بدأت فكرة الداخل والخارج تخلق إشكالية مفهومية حيّرت كثيرا من الناس. ما هو رأي الأستاذ جورج بهذا الموضوع أي مفهومي الداخل والخارج؟

جورج صبرة

 إن التغيرات التي طالت الوضع العالمي خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة بدأت بسقوط الاتحاد السوفييتي وانشغال الولايات المتحدة بقيادة العالم وانطلاق العولمة بشكل مفتوح دون عوائق فعلية أمامها وقد ترافق هذا مع انفجار التكنولوجيا المتقدمة التي استطاعت فعلا تجاوز المسافات واختراق الحدود وأصبح  التماس بين الداخل والخارج لا يتركز على الحدود فقط ولا يتوقف عندها. أصبح هناك تشابك حقيقي وبات من المطلوب فعلاً أن نعيد النظر في هذه القضية، وخاصةً أن قاعدة السياسة في بلادنا بالنسبة لمعظم الأحزاب هي قاعدة إيديولوجية أولاً، فمعظم الأحزاب ذات موارد ومرجعيات إيديولوجية سواء كانت إسلامية أو قومية أو ماركسية. ومن المهم الإشارة إلى أن التيار الليبرالي منذ تمت خلخلته وضربه في نهاية الخمسينات لم يستطع حتى الآن أن يبلور نفسه لا على المستوى الفكري ولا على المستوى السياسي أو التنظيمي. مع أن التيار الليبرالي( على الأقل نظريا ً) هو أكثر التيارات قدرة على تقديم رؤية تخلق انفتاحا بين الداخل والخارج لأن منبته ومنشأه كان على هذه القاعدة . بينما نشأت الاتجاهات الأخرى الإسلامية، الماركسية، القومية نشأة ذاتية منكفئة على حالها تجري وراء مشروعها الخاص، وكان الخارج يشكل لها تحديا دائماً، وفي أحيان كثيرة كانت تضعه في موقع " العداء". من هنا لا بد من إعادة النظر في هذه القضية الهامة، وجزء من إعادة النظر التي أراها هي الكف عن اعتبار أن الوطنية تقف على حدود البلاد فقط ، أي الموقف من الخارج. نرى اليوم أن معيار الوطنية يكمن داخل البلاد أيضا وبالأساسً، وليس متمثلا بالموقف من الخارج وحسب. وأن الدفاع عن الوطنية لا يكون بالوقوف على الحدود فقط ، والدفاع عن الوطن لا يتحقق بالشعارات والهتافات، واستخدام المصطلحات الكبيرة الطنانة التي طالما رددناها لتبرئة أنفسنا من المسؤولية مثل "الاستعمار والامبريالية" أو ما شابه ذلك. معيار الوطنية اليوم قائم على المواطن وعلى شكل حياته داخل بلده ، ومنظومة الحقوق والحريات التي يتمتع بها. والحكم الوطني ليس ذاك الذي يكثر من قرع الطبول والأناشيد الحماسية، إنما الذي ينمي روح المواطنة الحقة في إنسانه، ويحسن إقامة عوامل الارتباط بين المواطن ووطنه . بهذا الشكل نرى أنه يجب أن نبدأ بإعطاء مفهوم جديد لقضية الداخل والخارج. الخارج الذي كنا نعتبره خارجا لم يعد كله كذلك، فجزء من مفاهيم هذا الخارج وعوامله تطورت في الداخل عبر عقود من الزمن وأصبح لها بنى قائمة. من جهة أخرى نرى أن ما كنا نعتبره  داخلياً وذاتياً صرفاً لم يعد موجوداً بهذه الحالة إذ أصبح متأثرا على هذا النحو أو ذاك بالوضع الخارجي. هناك نقطة أخرى ذات علاقة وثيقة بهذا الموضوع. لقد أدت فترة الاستبداد الطويلة التي ظهرت في النظام العربي عموماً ونظامنا في سورية خصوصاً إلى هجرة تيار كامل مثل التيار الإسلامي وإلى اختفاء تيار مثل التيار الليبرالي وبقائه في الظل ليحافظ على نفسه، وكذلك إلى تراجع التيار الماركسي نحو العمل السري وارتباكه مع نفسه بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. التجربة القومية التي انتهت من مشروع واعد للجماهير العربية تتجاوب معه ملايين البشر إلى مشروع استبداد تئن منه الملايين العربية. كان واعدا على مستوى التوحيد القومي لكنه لم يستطع أن يحافظ على الوحدة الوطنية للقطر الذي كان يحكمه. كان واعدا على مستوى التنمية وإذ في ظل حكمه تتراجع معدلات النمو الاقتصادي وتزداد نسبة الأمية والبطالة، و يتحطم الاقتصاد الوطني. كل هذه القضايا كما أعتقد تقول : يجب أن نعيد النظر في معنى الداخل أولاً أي تلك الاستقلالية الصارمة والمعزولة في هذا الموضوع. ثانياً هناك قصة العولمة والموقف منها أيضاً لأنه جزء من هذه القضية. بعض الناس ما زالوا متأثرين بالموقف الأيديولوجي المسبق،  وينظرون للعولمة على أنها شر مطلق ومطلوب معاداته ومحاربته. أنا لا أرى الوضع هكذا، العولمة حقيقة من حقائق العصر الذي نعيشه الآن، وربما كانت أبرز الحقائق . ليس المطلوب أن نحدد موقفاً من العولمة معها أو ضدها ، لا خيار لأحد بذلك .المطلوب استكشاف كيف يمكن من خلال التعاطي معها أن نحقق مصالحنا ونحسن شروط وجودنا، شروط موقع بلدنا على خريطة العولمة المعاصرة. 

ناصرالغزالي
 
تحدثت كما أظن عن هذا التداخل والذي يشمل كما فهمته تداخلا اقتصاديا، ومعلوماتيا، وثقافيا. أين التخوم التي تفصل الداخل عن الخارج برأيك ضمن هذه الآلية، وماهي الحدود حسب كلامك طبعاً وحسب ما يرى الإنسان؟ لقد بدأت الحدود تضيق بشكل كبير ما بين الداخل والخارج، ولكن أين هذه الحدود؟ كيف نستطيع أن نرسمها ونحن لا نستطيع أن نقول داخل إلا بوجود خارج؟ أين هذه التخوم مابين الداخل والخارج، وعلى أي مستوى يمكن أن نفهمه مثلاً؟.


جورج صبرة
اعتقد أن هذا السؤال جاد ولكنه صعب بنفس الوقت، وما اعتقده أيضاً أننا نمر الآن بمرحلة انتقالية، الخارج ما زال حتى الآن خارجا رغم أنه اخترقنا، والداخل مازال يحتفظ بكينونة ما ذاتية وخاصة ( ربما لصعوبة التكيف والاندماج وتخلف البنى )غير أن الخارج موجود في جميع ثناياه . ورغم أننا بدأنا نرى أن هناك عوامل إيجابية للعولمة ولا نستغني عنها. فهناك وهم قائم برؤوس البعض أن من الممكن أن يكون الداخل مستقلا كلياً. أنا أعتقد أنه من أول لحظات الاحتكاك في هذا الشأن بين بلادنا والغرب والتي بدأت على إيقاع مدافع نابليون لم يعد الخارج خارجا ولا الداخل داخلا. خلال الفترة الماضية كان هناك حدود بيننا ، اخترقتها الحركة الاستعمارية حين أتت البعثات التبشيرية وقوى الهيمنة الاقتصادية، السفارات ونشاطاتها. لكن هذا انتهى عند سقوط الدولة العثمانية ودخلنا بمرحلة الاستعمار الغربي. انتهى الاستعمار الغربي بأشكال من الاستقلال ولكن لم تنته قصة الداخل والخارج. استمر الخارج عندنا وعاد بدرجة أقوى وإن لم يكن بشكله السافر والظاهر، عاد عبر الوضع الاقتصادي، وعبر الرابط الثقافي. لكن ما أراه الآن، أننا بسبب بعد المسافة بين الوضع المجتمعي ووضع الدولة في أوربا ومقابلها الوضع المجتمعي ووضع الدولة التي نشأت في بلادنا أصبح هناك فرق شاسع، وهوة  كبيرة بينناً. مطلوب منا تقليصها أو تجسيرها أكثر بكثير مما كان مطلوباً من أجدادنا . نحن الآن كجيل لا نستطيع الاستغناء عن هذه العلاقة. لاحظ أن أجدادنا بأول القرن الماضي عندما عملوا مؤتمر باريس عام 1913 وحاولوا الخروج من الاستبداد العثماني تحدثوا بلغة تتوجه نحو الديمقراطية، والحداثة وباتجاه التعدد والحياة الحزبية والحريات الصحفية وحققوا شيئاً من أهدافهم . نحن الآن بعد حوالي مئة عام نعيد نفس القصة ونفس السؤال وتنتصب أمامنا نفس المهام ولكن بشروط أصعب . لأن نظام الاستبداد عندنا ما زال مطبقاً على الحياة العامة. وهناك أمر آخر وهو أن الدولة التسلطية عندنا خلال الأربعين سنة الماضية كانت مدعومة من قبل الخارج، سقط الاستبداد العثماني وساهم الخارج في إسقاطه. الاستبداد المعاصر الذي عشناه ونعيشه- قبل هذه التحولات الأخيرة - خلال أربعة عقود مضت كان مدعوما بقوة من الخارج، يصدق هذا القول على جميع الأنظمة الاستبدادية تقليدية كانت أم حديثة ملكية أم جمهورية ، وحتى الانقلابات العسكرية كانت مدعومة بقوة من الخارج. من هنا ظهر أمام المواطن في بلادنا بعد أن انكشفت العملية تماماً،أن الخارج عبء علينا. وزاد القضية تعقيدا موضوع إسرائيل. المشروع الصهيوني القائم على الأرض العربية ، حيث الخارج هو الحاضنة الكبيرة له في مواجهتنا والمنحازة له على طول الخط . ونحن الآن كديمقراطيين ونهضويين عرب نجد صعوبة أمام فئاتنا الشعبية بفتح نوافذنا على الخارج، لأن سياسات الخارج في مجملها مضادة لمصالح شعبنا. وقد أضيف لها أخيراً السياسة الأمريكية في المنطقة  واحتلال العراق. لكن شعبنا يعرف جيداً بنفس الوقت أن الخارج لن يبقى خارجاً والسؤال الذي يُطرح هو: "كيف يمكننا حيال هذا الخارج الذي لا بد من التعامل معه أن نجد الطريق الصحيح، ونستفيد من الواقع الموضوعي، لأن الخارج جزء أساس من الحياة المعاصرة وهو حقيقة، يتولى قيادتها، ويرسم مسارها الأساسي. كيف نستطيع أن نبني شراكة معه في الوقت الذي يتم رفضه في المزاج الشعبي عندنا . المطلوب   العمل على الحد من هذه الهيمنة ومن هذا الموقف المعادي الذي يتخذه الخارج ضد مصالحنا وقضايانا . أنا هنا أتحدث عن الخارج  ( أنظمة وحكومات ) باعتباره الغرب المتوافق مع أمريكا، لأنه هو  أساساً من تعاملنا معه في القرنين الماضيين والذي ما زلنا نتعامل معه. مشكلتنا الآن هي كيف يمكن أن نقلص الجانب السلبي من صورته وسلوكه وواقع تعامله معنا. فصورة الخارج السلبية حقيقة واقعة في حياتنا. من جهة أخرى الخارج ليس موحداً وله وجوه متعددة ، وفيه أشياء أخرى، فيه الشعوب والمجتمعات وحركاتها ،والوسائل العصرية والأساليب الديمقراطية، وفيه منظومة الحريات وثقافة حقوق الإنسان، والمنظمات والمؤسسات الدولية، وفيه التنمية ومنجزات العلم الحديث وكل هو ضروري لمساعدتنا في حل مشاكلنا وتوفير متطلبات الحياة المعاصرة.


ناصر الغزالي
هل تعتقد أن الخارج يحتاج إلى شركاء لا إلى أُجرَاء أي حكومات الخارج؟ التخوم أصبحت محدودة جداً، وأنا أرى أن التعامل مع الخارج والتعاون مع الخارج يتم بمستويين. هناك مستوى حكومي ومستوى أهلي شعبي. هل تعتقد أن الحكومات الغربية، لا أقصد المجتمعات الأوربية ولا المجتمع الأمريكي، تحتاج إلى شركاء في المنطقة؟


جورج صبرة
أنا أعتقد أن أي حكومة مما يسمى بالحكم الرشيد تحتاج إلى شركاء، والحكومات الغربية تقع ضمن تصنيف الحكم الرشيد .والغرب بإنتاجه الهائل يحتاج لأسواق وبلادنا سوق كبيرة وقريبة على الأقل بالنسبة لأوربا، وقد كانت كذلك منذ أكثر من قرنين على طول الخط. نحن نحتل الشاطئ الشرقي والجنوبي من المتوسط، وهم على الساحل الشمالي والغربي منه ، والعلاقة تبادلية بيننا منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة . فمنذ أيام الإسكندر كلما شعرت أوروبا بأسباب القوة أو ضاقت الأوضاع فيها حاولت الامتداد نحو شرق المتوسط وجنوبه و بالعكس ففي عصور قوتنا وازدهارنا الحضاري تم الامتداد نحو شمال المتوسط وغربه . وهكذا فمن الطبيعي أن يكونوا بحاجة لشركاء. لكن السؤال الصعب أي نوع من الشراكة يمكن أن يحصل اليوم ؟!


 

ناصر الغزالي
هذه السياسات التي ينفذونها هل هي سياسات شركاء؟.

جورج صبرة
موضوعياً هم بحاجة لشركاء لكن ما يجري عملياً شيء غير ذلك. منذ بداية المشروع الصهيوني قبل أكثر من مئة عام ، وبعد نشوء إسرائيل، أظهر الغربيون اعتمادهم على هذه الدولة التي هي في الحقيقة جزء من التكوين الغربي ، انغرست عندنا وهي الوحيدة التي ينظرون إليها بوصفها شريكة، وكذلك على أنها دولة حديثة، لكنهم لا يتعاطون مع باقي دول المنطقة بمنطق الدولة الحديثة أو باعتبارها الشريك الحقيقي. يتعاطون معها أحياناً بموقع التابع الطرفي وأحياناً بموقع تبادل المنافع المؤقت على طريقة المقايضة . فقد تعاملوا مع عدد من الأنظمة وعلى رأسها الأنظمة الاستبدادية العسكرية، رغم الاختلاف معها بالأيديولوجيا والسياسة وأساليب العمل وعملوا معها على طريقة منح الأدوار والصفقات، وعندما كانت هذه الأنظمة والقوى تقوم بأدوار تهمهم، لم يكن لديهم مانع أن يقدموا لها التنازلات . حتى اللحظة التي نحن فيها الآن رغم أنهم بالصيغة الإعلامية والسياسية الظاهرة يتكلمون بقسوة وبشكل حاد وصارم مع بعض الأنظمة. لكن نحن الشعب دائماً لدينا تخوف، أين هي النقطة التي يلتقون فيها مع هذا النظام أو ذاك في المصالح. والعلاقة الأمريكية الليبية الجديدة خير مثال على ذلك . لم نلاحظ أن هناك شراكات حقيقية لكن هناك شهر عسل يمر لفترة محددة مع بعض الأنظمة. بعض شهور العسل استمرت عقودا لكن ليس بمعنى التحالف الحقيقي. والشراكة الحقيقية تكون مثلما عامل الأوربيون بعضهم، وكما عاملت أمريكا أوربا بعد الحرب العالمية الثانية. هذه هي الشراكة التي تستحق أن يكون اسمها شراكة، نحن لم نر مثلها في بلادنا، لا من الأمريكيين تجاه الأنظمة التي تعاملوا معها خلال فترة طويلة من الزمن ولا من أوربا أيضاًً. قد يكون هذا عائدا لعدم الثقة ببنية الأنظمة وعلاقاتها مع شعوبها ولأنها دائماً في صفة المؤقت. وربما بسبب كون العامل الخارجي هو العامل الأساسي في استقرار هذه الأنظمة وفاق بكثير شرعيتها الشعبية التي استمدتها من الداخل، فقليل جداً من الأنظمة تمتع بشرعية داخلية ملموسة يمكن الركون إليها وكانت ذات اعتبار. بالطبع دون أن نهمل الفوارق الثقافية والحضارية والسلوكية بين العالمين، في دولة الحرية والرعاية والرفاه عندهم وفي الدولة السلطانية الرعوية الريعية عندنا. ومن دون شك فإن البحث المعمق في هذه القضية سوف يكشف أسباباً أخرى .

ناصر الغزالي
ما هي باعتقادك الملامح الأساسية للمجتمع السوري، وهل هناك إمكانيات لدخول عناصر جديدة فاعلة وما مدى تأثيرها على تطور المجتمع  وتحسين شروطه؟

 جورج صبرة
ليس لدي شك بأن المجتمع السوري مفتوح على الجديد. خلال الفترة الماضية والتي امتدت لأكثر من أربعة عقود لم تتح الفرصة للمجتمع السوري كي يجدد نفسه، كان مكبوتاً وملفعا بغلالة من الاستبداد والتفاعلات الداخلية، أكثر من أربعة أجيال أتت في ظل الحكم العرفي وحرمت من أي تفكير حر، أو تصرف حر، أو فرص حقيقية للعمل والتفاعل الاجتماعي. بنفس الوقت هناك نظام عنده إيديولوجيا محددة ينفخها في أوساط  الشباب، وعندما يصل الطالب للشهادة الثانوية مروراً بكل المراحل يعبأ بإيديولوجية الحزب الحاكم وبعبادة الفرد، والفكر الشمولي . وتهيمن على الخطاب المقولات الشكلانية فقط ، وتستخدم للتعبئة ولأغراض انتهازية لتأمين حاجات صغيرة كرشوة للانصياع . كأن يأخذ الطالب علامة أو علامتين أو ينال الرضا ويتجنب تقارير الرفض . ولكن عندما يصل الطالب لسن النضج يدخل الجامعة أو يخرج للحياة العامة، عندها يكتشف الوضع الحقيقي، ولن يقبل بعدها بما عبئ به ولا يجد هناك من معين أمامه يسد به الفراغ الحاصل. أو ليدخل من جديد كفاعل في فضائه الاجتماعي، لأن الأحزاب السياسية مقموعة وحتى غير المقموع منها جرى تهميشه وإخراجه من دائرة الفعل، والعمل الاجتماعي الحر والمستقل ممنوع ومحاصر. هذا التكلس لم تفرضه السلطة فقط على نفسها بل فرضته على المجتمع أيضاً بما فيه حتى المعارضين ، حتى أنه طال قطاعات الفكر والثقافة. راجع السنوات العشر الماضية من تاريخ سورية، ليس هناك عمل مسرحي ذو قيمة، ليس هناك عمل موسيقي ذو قيمة، المبدعون السوريون الكبار ليس لهم صوت ، إما هاجروا أو هجروا أو لاذوا بالصمت. والصوت السوري  في الثقافة العربية الآن يكاد يكون غائباً. ملايين الشباب كلهم موهوبون وكلهم يقرؤون وليس هناك وسيلة إعلام سورية محترمة تحتضن إنتاجهم ومواهبهم. في السبعينات ظهرت في سورية وسائل إعلام أشرفت عليها وزارة الثقافة لكنها الآن تردت وتراجعت ولم يعد لها قراء. إزاء هذا الموضوع أنا لا أفترض أبداً أن الاتهامات الموجهة لجيل الشباب صحيحة، إذ لا يمكن أن يتهم جيل الشباب أنه فارغ وأنه نشأ على اللامبالاة في ظل الاستبداد، أنا لا أعتقد ذلك أبداً رغم وجود هذه الفكرة. هناك لوحة أخرى عميقة فيها حيرة واحتقان، مثل الماء المحبوس والذي لا تستطيع أن تحبسه للأبد. ما يجعلني أفكر بهذا الموضوع هو أن الفضائيات التي أتت من خارج دائرة الدولة ومن خارج الإطار السوري فتحت عيون الشباب على واقع جديد. على شكل من الحياة آخر من حقهم أن يصلوا إليه . مثلاً ما جرى بكلية الهندسة بجامعة حلب بالرغم من أنه بسيط تماماً ولم يصل إلى أهدافه، هل كنت تتوقع أن يقوم طلاب كلية الهندسة بظل هذا النظام الاستبدادي وبظل آلة القمع وقبضتها المحكمة جداً بتنظيم اعتصامات داخل الجامعة من أجل فرصة عمل حرموا منها لكنها بالنسبة لهم ضرورية جداً.
أنا أعتقد أن القادم مفتوح، مفتوح على أوساط الشباب التي ستقدم صيغا جديدة وأحزابا جديدة. المجتمع المدني الذي أعدم بشكل كامل لا يمكن أن يبقى إلى الأبد هكذا، هم كبحوه لكن ليس لدي شك أن الشباب بدأ ينطلق ليفتحه من جديد. فوق ذلك أنا لدي ثقة أن التيار الليبرالي الذي غيب لم يمت. أبناء هذه الشريحة الذين سافروا إلى الخارج ودرسوا ويعملون في القطاع الاقتصادي ، عندهم كفاءة عالية أيضاً، أصبحوا في حالة تتطلب أن يكون لهم دور سياسي وبالتالي أنا أعتقد أن هؤلاء سينتقلون من الحرص على جمع الثروة والدور الاقتصادي في البلد، الذي مررنا فيه خلال الفترة الماضية، إلى الطموح إلى دور سياسي . لأن هذه الشريحة التي أحست أنها مالكة للثروة ومزودة بالعلم أيضاً بات عندها طموح أن يكون لها دور في حياة بلدها.


ناصر الغزالي
هل تشعر أن هناك تطابق ما بين الليبرالية والديمقراطية، لأن الصيغة التبست لدي لو توضح لي؟


جورج صبرة
أكيد هناك تمايز بين الديمقراطية والليبرالية، في خمسينات القرن الماضي أثناء بناء دولة الاستقلال، كان الليبراليون هم الديمقراطيون الوحيدون أو أكثر الشرائح الاجتماعية احتكاكاً بالموضوع الديمقراطي وإيمانا به وممارسة حقيقية له. أي أن الليبراليين يمكن أن يكونوا الوحيدين بتاريخ سورية الماضي الذين بقيت أيديهم غير ملوثة باضطهاد محكوميهم من أبناء الشعب السوري. بقية الاتجاهات مارست العنف وارتكبت أخطاء ووقعت بالاستبداد أو بتبريره عندما كانت حاكمة أو أحياناً وهي محكومة دون أن تصل إلى لحكم . الآن في الوضع المعاصر أنا لا أرى تطابقا بين الديمقراطية والليبرالية..يمكن أن تنشأ لدينا تجربة ديمقراطية خارج نطاق الليبرالية. لقد جرى انتقال نحوها من بعض المواقع، مواقع ماركسية ومواقع إسلامية ومواقع قومية، باتجاه الديمقراطية. أنا أثق في هذه العملية تماماً وهي جادة، جادة لأن أصحابها دفعوا أثمانا غالية ووصلوا إلى هذا الدرس ليس بالحوار والإقناع فقط، إنما وصلوا له من صيغة الحياة وهم موضع ثقة وصدقيه عالية وأنا شخصياً واحد من هؤلاء، ونحن بحزب الشعب الديمقراطي السوري نمثل أحد الفصائل الجادة بهذا الاتجاه ، لكننا غير متطابقين مع البرنامج الليبرالي ، رغم اعتقدنا باستمرار الأهمية التاريخية وحاجة البلاد لكثير من نقاط ذلك البرنامج . هناك شيء مشترك على الأقل في الفترة القادمة للتنمية في سورية، فيما يتعلق بالحرية الاقتصادية وتشجيع الاستثمار واقتصاد السوق ومفاعيل التنوير والتحديث، لكن على المدى البعيد ما زال لدينا همومنا الاجتماعية وعلى الطريق الديمقراطي، وما زلنا معنيين بعالم العمل والإبداع  بالفقراء والمهمشين ومنحازين لهم . ونعتقد أن الطريق الديمقراطي يمكن أن يلبي حاجتنا في هذا السبيل .


ناصر الغزالي
أنا فهمت أن معبر الداخل مع الخارج هو معبر الليبرالية، هل هذا صحيح؟.
 

  جورج صبرة
الليبرالية عنصر مشترك ومهم بين الداخل والخارج ،لأن الخارج دون شك إذا كان له الخيار فسيختار العلاقات التاريخية والمعبر المشترك حتى لو كان أصعب . يعني مثلاً إذا قلت للغرب من أكثر الفئات السورية التي يمكن وضع الثقة فيها ويمكن أن تشكل جسر العبور فسيكون الجواب بلا شك هو جسر الليبراليين العرب والليبراليين السوريين. هناك علاقة حقيقية مبنية تاريخياً بين الطرفين. الكل يعرف أن الرؤساء الأمريكيين عندما كانوا يزورون سورية يزورون الحاج بدر الدين الشلاح مثلما يزورون ويقابلون رئيس الوزراء. هناك علاقة تاريخية بين الشريحة الليبرالية التي تعلمت هناك وأسست علاقة على مدى 60-70 سنة من العمل المشترك معهم فهم يثقون بها ويؤمنون بأهليتها. وهناك أيضاً أمر آخر وهو أن هؤلاء الناس بنظرتهم للغرب يحترمون هذه العلاقة، ليس فقط على المستوى الاقتصادي. كبار المثقفين الذين خرجوا من صفوف البرجوازية السورية عاشوا تربية ليبرالية حقيقية وديمقراطية وهم مخلصون لليبراليتهم، أعطي مثلاً أسرة مثل بيت القباني هذه الأسرة المدينية الدمشقية  أسرة ليبرالية حقيقية من أيام "أبو خليل القباني". أسرة رغم أنها من الشرق وجذروها ممتدة فيه عميقاً لكنها بنفس الوقت مع الحريات، مع تحرير المرأة ومع الحقوق المتساوية مع الفن والنهضة والتنوير. فقيم الليبرالية متجذرة بشكل عميق في بعض البنى الاجتماعية. لذلك ترى أنها خلال فترة الاستبداد تراجعت في دورها. لقد كان لها دور كبير، وفي الفترة القادمة هناك احتمال أن تقوم  بعض الأسر في سورية بدور ما، مثلاً بيت الأتاسي وبيت القباني وبيت المالح، وغيرها من الأسر المدينية الليبرالية هي بالفعل جزء من الفئات المؤهلة أن تستأنف الدور التنويري الذي لعبه  آباؤهم وأجدادهم في حياتنا.إنهم موضع ثقة في الخارج ، وهم بالذات لديهم ثقة وعلاقات تاريخية مع الخارج. لكن ليس هذا الشكل الوحيد للحضور الليبرالي ، لأن أبناء الشرائح الأخرى خلال الثلاثين سنة الماضية تعلموا في الغرب وهناك الذين درسوا بالاتحاد السوفييتي عشرات الآلاف من البشر انفتحوا على الحياة المعاصرة في الخارج، انفتحوا على الفكر الليبرالي وهجروا موقع العداء الصارم له. أذكر أنه في بداية انتسابي للحزب الشيوعي منذ أكثر من ثلاثين أو خمس وثلاثين سنة كان الوضع مختلفا تماما. عندما كنت تتحدث بكلمة ليبرالية أو برجوازية كنت كأنك تتحدث عن خائن وعدو حقيقي لك. الآن تغير الأمر، عندما أتحدث أمامك عن الطبقة البرجوازية وعن الليبرالية باعتبارها منحى فكري وسلوكي فأنا أتحدث عنهما بوصفهما من المكونات القائمة في حياتنا واللازمة لها. أتحدث عن الطبقة البرجوازية، عن طبقة لها دور مهم ويمكن أن نجد مشتركات بيننا وبينها وما زال هناك حقل وفضاء مشترك للعمل الوطني وأعتقد أنه يبقى لفترة طويلة من الزمن. حدث خلال فترة ما أن تملكتنا فكرة أن البرجوازية تعني القضاء على العدالة ، وبالتالي يجب القضاء عليها.غير أن البديل هو أن يكون هناك صراع سياسي بينك وبينها جوهره إلغاء الاستغلال وليس إلغاء الناس وأدوارهم الاجتماعية والفكرية والثقافية الأخرى والجانب التنويري منها. أنا أعتقد أن الظلامية الموجودة في بلادنا الآن تعود في جزء منها إلى غياب تلك الطبقة ودورها التنويري.


ناصر الغزالي
الليبرالية كفكر، أدخلتني في موضوع لم أكن أنوي طرحه وهو عن طبيعة الليبرالية كفكر أو كمشروع اقتصادي اجتماعي ثقافي. هناك تمايز في الغرب واضح وصريح ما بين الليبرالية والديمقراطية. دولة مثل السويد تطبق الديمقراطية تختلف جذرياً عن دولة مثل أمريكا تطبق الليبرالية بكل مستوياتها أي على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. الأمر ذو علاقة جوهرية بعلاقتنا العدوانية مع الخارج. ماذا عن هذه المفاهيم؟ هل أنت متحمس  لليبرالية الفكرية فقط أم  أنك متحمس لليبرالية بكل أبعادها؟ وهل تعتقد أن هذا المعبر الليبرالي يجب أن يكون معبرا فكريا فقط أم معبر على كل المستويات؟.


جورج صبرة
الذي تحدثت عنه هو الليبرالية كمدرسة اقتصادية واجتماعية وفكرية في منشئها. أما ما يجري في أمريكا الآن هو ليبرالية جديدة، حقيقة مختلفة كلياً. ما تحدثت عنه هو هذا النبت الأوربي الذي أنتج حرية التفكير، حرية المرأة، حرية العقائد، منظومة الحريات كلها، ومنظومة الحقوق المتساوية بين المواطنين والعلاقة الإنسانية الكريمة فيما بينهم. أما ما يجري في أمريكا الآن من سياسة يطبقها الليبراليون الجدد فأنا أعتقد أن فيها تناقضاً واضحا بين الخطاب والسلوك  وكذلك اختلافاً بيناً مع المنبت الليبرالي الأصلي، أي كيف أستطيع أن أفهم الموقف الليبرالي الأمريكي الآن، إسرائيل قامت على أساس ديني مسموح أن تكون دولة نووية ومسلحة في المنطقة وليس مهماً على أرض من تقام هذه الدولة ولا شكل التمييز القائم فيها، والعلاقات العنصرية التي تفرضها على جزء من مواطنيها ، الدولة الوحيدة التي يرمي مجلس الأمن قراراته أمام عتبتها لتختار ما تريد أن تنفذه منها وكيف ومتى ، أما الآخرون فأمامهم البند السابع من الميثاق . يريدون أن يلغوا السلاح في كل المنطقة ما عدا إسرائيل ، يرون الإرهاب في كل مكان في العالم إلا حيث يصنعه جنرالاتها. أعتقد أن الفكر الليبرالي في منشئه لا يقبل هذه المعايير المزدوجة وهذا السياسة المنافقة . إن مناقشة عملية تطور هذا الموضوع ووصوله لهذه النقطة يدخلنا في حديث السياسات والمصالح أي سياسات الإمبريالية بالفعل.


ناصر الغزالي
هل تعتبر أن إعلان دمشق مكون جديد من هذه المكونات؟ تحدثت عن الشباب والتغير الذي تم مع الشباب، هل إعلان دمشق مكون جديد على الساحة السورية و ما هو مدى تأثيره كفاعل جديد؟


جورج صبرة
لا شك في ذلك ودليلي على الجدة فيه أنه لأول مرة في سورية يأتي مشروع يجمع هذه الأطراف كلها حيث دخل الأكراد السوريون في إطار العمل الوطني. فلأول مرة يتحقق وجود الأكراد والآثوريين كجزء من مكونات الشعب السوري في عمل وطني مشترك . واكتشف السورين على اختلاف انتماءاتهم أهمية تحقيق وجودهم وحضورهم في موقع الحركة باتجاه التغيير . وفي نفس الوقت اكتشف الأكراد أنفسهم بعد طول عزلة أن هذا الموقع جدير باجتماعنا واتحادنا فيه وذلك من أجل أن نحقق الشيء المشترك العام لسورية المستقبل وجميع مواطنيها. وأعتقد أننا يمكن أن نساهم معاً في تجديد الحياة العامة في سورية وإرسائها على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات ، وهذا يشمل الجميع .
ناصر الغزالي
هل فقط هذا هو الجديد؟


جورج صبرة
هذا جانب، هناك جانب آخر، أي جديد آخر لأول مرة يحصل في سورية وهو أن إعلان دمشق يجمع فيه أطرافا لم تكن لتجتمع ولم تجتمع في تاريخها. كيف لك أن تجمع الناصريين والإخوان المسلمين، مثلاً قبل أشهر، ولا نريد أن نبالغ، أو قبل سنوات . لم يكن بوسعك أن تتحدث أمام الناصري بإمكانية لقاء مع الإخوان، أنت وجدت في إعلان دمشق يلتقي الإخوان المسلمون وممثلو التيار الديني في المشروع مع الناصريين، مع الشيوعيين والقوميين وبنفس الوقت مع الليبراليين . بعيداً عن حزازات الماضي وصراعاته وأخطائه ، والتي لم يكن أي فريق بريئاً منها . أدركوا الآن ضرورة وجودهم معاً . وأعتقد أن من عناصر القوة التي يحملها إعلان دمشق أنه جمع هذا التلوين السياسي لأول مرة، حتى السلطة لم تستطع أن تفعل ذلك في جبهتها التقدمية أي أن تضم تيارا إسلاميا واضحا وله تاريخية مثل الإخوان المسلمين ولا في أن تقول للتيار الليبرالي لكم موقع معنا وتحقق لهم الوجود في ذلك الموقع. والجميع أتى إلى المشروع باندفاع لم يحصل من قبل. لقد توفرت الشروط لبناء ائتلاف توافقي يضم كل هذه الركائز، لدرجة الآن تستطيع أن تقول إن إعلان دمشق استطاع أن يجمع مختلف المكونات والتيارات، ومختلف الاتجاهات ومختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية والمدنية في مشروع مستقل وقاطع مع النظام .


ناصر الغزالي
اسمح لي أن أقول لك أنه بهذه الصيغة استخدم الإخوان المعارضة اليسارية والعلمانية في الخارج وذلك للحصول على شرعية في الخارج وقاموا أيضاً باستخدام المعارضة في الداخل لأخذ شرعية الداخل. بعد الحصول على هاتين الشرعيتين جاءت جبهة الخلاص الوطني. ماهو رأيكم هل وصل الإخوان فعلا إلى درجة براغماتية للتعامل بهذه الطريقة أم هو أسلوب سياسي يعتمده الإخوان للوصول إلى ما يريدون، وما رأيك في جبهة الخلاص الوطني؟.


جورج صبرة
أنا لا أستطيع أن أوافق على فكرة أن الإخوان المسلمين استخدموا معارضة الداخل، لأن إعلان دمشق كمشروع للتغيير الوطني الديمقراطي نشأ في الداخل ، وانضم إليه الإخوان فيما بعد.


ناصر الغزالي
كيف ذلك إذ أعتقد أنهم كانوا مشاركين في النقاش. فقرة الإسلام موجودة في ميثاق الشرف في مؤتمر لندن وقد وردت الفقرة بحذافيرها مما يقدم دليلا على أن هناك مشاركة من الإخوان في النقاش. هل يمكن أن تتكرر الفقرة نفسها وبنفس الأسلوب؟


جورج صبرة
نعم يمكن أن تتكرر الفقرة نفسها وبهذا الأسلوب. أنا أقول هذا الكلام لأني كنت أحد الأشخاص الذين شاركوا بالعملية. لقد انضم الإخوان لإعلان دمشق لكنهم لم يشاركوا لا في النقاش ولا في الحوارات. أما لماذا أتت هذه الفقرة على هذا النحو فذلك لأنه عند صياغة الإعلان كان يجب أن يشتمل في منظوره على المشتركات من الرؤى المختلفة، ومن أجل ذلك وجب التفكير في الكل الوطني وفي أن يكون هناك شيء لكل فريق من الفرقاء من وثائقه ومنطوقه ، يمكن أن يتوافق عليها الجميع . كان هناك شيء من وثائق الأحزاب ومن بيانات مختلف منظمات المجتمع المدني. حتى تلك التي لم تنضم إلى إعلان دمشق. وهكذا كان لا بد من حصول ذلك الأمر. ثم إن الإسلام كثقافة وحضارة لا يخص المسلمين وحدهم فما بالك بالإسلاميين ، إنه يخصنا جميعاً في الوطن العربي بغض النظر عن الانتماءات كلها . وعندما يريد الإخوان التحدث عن الإسلام أعتقد أنهم لا يتحدثون بهذه اللغة التي أتت في إعلان دمشق، بل يتحدثون عن الإسلام والسياسة، وبلغة هي لغتهم الخاصة .

ناصر الغزالي
عن مرجعية دينية؟


جورج صبرة
شيء آخر، أما نحن فقد تحدثنا في إعلان دمشق عن موضوع الإسلام ودوره الثقافي والحضاري. أولاً لأننا نؤمن بهذا الموضوع وبالتالي نقدمه للجمهور السوري كجزء من رؤيتنا . الأمر الآخر أننا كنا نفكر بالإسلام السياسي وضرورة وجوده في إطار المشروع. من هنا وفي كل الحالات كان المشروع مولودا من الداخل وانطلق إلى حيث يوجد السوريون فأيده الناس وانضموا إليه . يعني حتى الليبراليين التفوا حوله. رياض سيف كان بالسجن ولم ير الإعلان لكنه وافق عليه قبل أن يراه ، لأن فيه شيئاً من رؤيته. وهكذا من خلال الصلة وتاريخية العمل خلال السنوات الخمس الماضية التي عاشتها سورية أصبح هناك درجة كافية من الثقة بين الناس. من هنا أنا لا أرى أن الإخوان استخدموا الإعلان لكنهم أيدوا المشروع. والمشروع استفاد من حضورهم باعتبارهم يمثلون اتجاها هاماً موجودا ويمثلون تيارا ضروريا. الشيء الآخر الذي أود ذكره هو أننا في سورية ندافع  منذ زمن طويل عن ضحايا القانون 49 ونطالب بإلغائه ، ولم يكن هناك أي صلة بين الإخوان والتجمع الوطني الديمقراطي أو بقية أطراف المعارضة الديمقراطية في سورية. فنحن ضد قانون الـ 49 منذ ساعة صدوره ، ويعرفها الجميع من خلال الحوارات في السجون وهي فترة طويلة. عاش التيار الديمقراطي بمختلف اتجاهاته مع الإخوان وشارك بحوارات معهم قبل أن يأتي إعلان دمشق. والرسالة التي أرسلها البيانوني وتليت في منتدى جمال الأتاسي دفع الديمقراطيون ثمنها بالمنتدى. إذاً ما أقوله هو أن التيار الوطني الديمقراطي على تنوعه في سورية يرى أهمية التيار الإسلامي ويحفظ مكاناً له، ولا يرى العمل الوطني باكتماله إلا بوجود ممثلين لهذا التيار . وذلك لأن العمل الوطني مفتوح وينظر بجدية لمستقبل سورية، خاصةً وكلنا نعتقد أن هناك دور مهم للعقلانيين والمعتدلين في التيار الإسلامي في وقف نزعة التعصب والتطرف ومنطق الفسطاطين الذي بنى عليه بن لادن والمتطرفون الإسلاميون نظريتهم. من هنا نحن عملنا ما يجب عمله. وجدنا أنه يجب إقامة مشروع لكل الناس ، وأعتقد أن الإخوان المسلمين عملوا ما يجب عمله عندما انضموا وقالوا لنا مكان بينكم. أما الآن بالنسبة لما جرى في جبهة الخلاص الوطني ففي الحقيقة فوجئنا كثيرا بما جرى في جبهة الخلاص. لم يكن لدينا أي مؤشرات لهذا الأمر، وبرأيي الخاص هو لقاء بين الإخوان المسلمين وعبد الحليم خدام. لم أر أية أطراف أخرى ملموسة. يوجد بعض الأشخاص الآخرين. ومن الواضح أنه لقاء سياسي ومطبوخ على نار مستعجلة وقريب الأهداف لأنه يطرح المدة باعتبارها أياما، 45 يوما لتشكيل حكومة. نحن ليس لدينا أي علم مسبق بالموضوع وقد أسفنا لهذا الإجراء لأننا نعتقد أن المعارضة السورية مازالت بحاجة إلى التوحد.

ناصر الغزالي
لماذا الأسف وليس الانتقاد إذا كان لديكم موقف واضح في هذه القضية.


جورج صبرة

يمكن أن يأتي وقت يقوم فيه إعلان دمشق بتوجيه النقد. أنا شخصياً أقول إنني متأسف لأن ما جرى كان عملاً متسرعاً وقد يضعفنا، أما الانتقاد فهو من حق المؤسسات أي أن من حق إعلان دمشق أن ينتقد أطرافا تعلن التزامها به ، وتشترك بمشاريع دون إخطاره بالأمر .


ناصر الغزالي
ماهو موقف حزب الشعب الديمقراطي السوري؟

جورج صبرة

نحن نعتقد أن الإخوان تسرعوا وهناك خطأ في هذا التسرع. لقد أظهروا ضعفاً في وحدة المعارضة ولا نعتقد أنهم كسبوا شيئاً ملموساً. طبعاً الحركة في الخارج أسهل لكن كل الناس تعرف أن الحركة ذات الفعالية هي التي تجري في الداخل، لأنها الأصل والأساس في العوامل والتأثير . ففي النهاية التغيير سيجري في دمشق . ولمعارضة الخارج دور هام في دعم معارضة الداخل. أنا لو كنت محل الإخوان المسلمين لا أفكر بإضعاف العلاقة مع الناس الذين بالداخل لقاء أي وعد أو ثمن خارجي. فمعارضة الداخل ليس شيئاً يمكن استبداله أو الاستغناء عنه . لكن بالنهاية كل طرف يعمل بالسياسة بالطريقة التي تناسبه. نرجو أن لا توجه هذه الحركة ضربة لوحدة المعارضة السورية. من جهة أخرى، الفضاء الوطني مفتوح وفضاء المعارضة مفتوح مثل الفضاء الوطني ولهذا أعتقد أنه يتسع لأكثر من مشروع. لكن ما يثير الارتياح والسرور في نفس الوقت ، أنه بعد نشوء جبهة الخلاص مازال خطاب الإخوان يظهر تمسكهم بإعلان دمشق وأنهم ما زالوا تحت سقف توافقاته . وفي الحقيقة عندما راجعنا البنود وجدنا أنها ليست بعيدة بل أحياناً متطابقة وتستخدم لغة إعلان دمشق. فالمعارضة واحدة ونجاحها رهن باستمرار وحدتها .ويمكن أن يكون تعدد المواقع والمنابر والجبهات مصدر غنى لها .


ناصر الغزالي
المشكلة أستاذ جورج ليس بالبنود أو عدم البنود، قاتلت المعارضة الوطنية الديمقراطية في سورية فترة طويلة لإعادة السياسة إلى الأخلاق أي بالمفهوم الأخلاقي على الأقل. عندما تُستخدم السياسة بمعزل عن الأخلاق فهنا الكارثة، عندما أقول عبد الحليم خدام واحد اثنين ثلاثة... أنت دفعت ثمن هذا الاستبداد في السجون، هذا الثمن الغالي، كل هذا يهدف أن تكون السياسة تملك جزءا من الأخلاق. كيف أستطيع في لحظة من اللحظات أن أستخدم السياسة مع شخص هو شريك بالفساد والانتهاكات بحق الشعب السوري، هنا الكارثة. أنا برأيي يجب أن يكون هناك موقف واضح وصريح من هذه النقطة. ليست القضية قضية عبد الحليم خدام، وقضية حكمت الشهابي وليست قضية رفعت الأسد، القضية هي في المفاهيم، القضية في آلية العمل، وهنا فعلاً أنا أسأل الأستاذ جورج وأتمنى أن يقول لي رأيه بصراحة. هل تقدم هذه الخطوة شيئا ما للحركة الوطنية الديمقراطية أم تضعفها في سورية، وبالتالي يجب انتقادها بشكل واضح وصريح؟


جورج صبرة
إن محاولة استشراف إمكانية أن تقدم هذه الخطوة شيئا ما للحركة الوطنية الديمقراطية أمر سابق لأوانه، ولكن هل أضرت بالحركة الوطنية وبوحدتها، قولاً واحداً، نعم أضرت بوحدة الحركة الوطنية لا شك بذلك، رغم أن الإخوان حالياً في الخارج غير أن إعلان دمشق نال ثقة شعبية وأخذ هذا الدفع لأنه جمع مختلف التيارات وقبل أن ينطلق انطلاقته الأولى أتت هذه الحركة. أتمنى أن لا تؤثر سلباً على وحدة المعارضة السورية لأنني أتفق معك في هذا السمت الذي قلته حول ارتباط الأخلاق بالمشروع الوطني. هذا ليس مشروعا سياسيا آنيا، نحن نبني مشروعا وطنيا ليس بالمفهوم السياسي وبمعنى التكتكات الصغيرة، بل بالمسؤولية الوطنية العليا ، لأننا مرتبطون كذلك بالموقف الأخلاقي. من هذا المنظور يمكن النظر لموقف خدام. من الوجهة السياسية، إذا أردنا أن نحاسب بعضنا على الموقف السياسي يمكن القول أن خدام حتى الآن معترض وليس معارضاً. هو معترض على سياسة الرئيس بشار الأسد في السنوات الخمس الماضية، وهو معترض على تصرفات معينة هنا وهناك من بعض رجال الأمن، لكن إلى الآن لم نعرف ما هو موقف عبد الحليم خدام من نظام الاستبداد القائم، من صباح الثامن من آذار عام 1963  حتى الآن. لم نعرف موقف خدام من مقولة الجيش العقائدي، الحزب القائد.، لم نعرف موقفه من قضايا الفساد والعنف المُعَمَم الذي جرى خلال أربعة عقود في هذه البلاد، لم يوجه خدام نقدا ذا اعتبار لمشاركته في تلك الفترة. المطلوب أن يقدم موقفا سياسيا مختلفا عن كل مسيرته، لأن عبد الحليم خدام لم يكن في موقع الملحق بالنظام . هو شريك أساسي مند صباح الثامن من آذار وحتى مغادرته دمشق منذ أشهر قليلة.

 

ناصر الغزالي
أليس من حق الشعب السوري مطالبتكم بانتقاد هذه الخطوة بشكل واضح، أي ما جرى في بروكسل؟


جورج صبرة
هذه مسؤولية إعلان دمشق، وله أن يقوم بما يناسب مصالحه السياسية.

ناصر الغزالي
على مستوى حزب الشعب الديمقراطي السوري؟

 

جورج صبرة
نحن عبرنا عن عدم ارتياحنا لهذا الموضوع ، وعن قلقنا مما يمكن أن ينتج عنه . فهي خطوة ليست في الاتجاه الصحيح. لكننا نعتقد أيضاً أنها لن تكون شدة الشدائد ، ويجب على أطراف المعارضة الآن وفي المستقبل ألاّ تترك مهمتها الرئيسية في العمل من أجل تغيير نظام الاستبداد القائم لأنه الأقوى من الجميع و تبدأ بالهجوم على بعضها وفتح معارك جانبية فيما بينها ، وعليها أن تحذر من أن تعمل مجاناً لخدمة الآخرين. فوحدة المعارضة هي الأساس ويمكن المحافظة عليها في كل حين . من هنا يوجد فرق بين أن يتم تلافي الآثار السلبية لهذه الخطوة و أن نقول فعلاً كم هي مضارها على حركة المجتمع وعلى مشروع التغيير. هناك فرق بين هذا الإجراء وبين أن تترك المعارضة مهمتها الأساسية وتنشغل ببعضها فتطعن مشروعها بالظهر وتخدم موضوعياً السلطة. للأسف بعض الأطراف في الداخل فعلت ذلك مع تشكيل إعلان دمشق. تركوا المهمة الأساسية ، وجروا وراء الكلام المتهم والاشتراطات والتجريح  

ناصر الغزالي
ما دمنا في موضوع إعلان دمشق فأن لدي بعض التساؤلات. لقد دُعيت إلى اجتماع إعلان دمشق وكنت من الموقعين عليه ولكني تفاجئت بثلاث ملاحظات سأطرحها بشكل سريع عليك وأتمنى أن تعطيني رأيك:

 الملاحظة الأولى: أن الجميع في الاجتماع يتجاوزون الـ 55 سنة من عمرهم.

 الملاحظة الثانية: شعرت أنه كان هناك عدم انسجام، ربما انسجام بسيط جداً حول كثير من القضايا. شاهدت نقاشا منفعلا ولم أجد نقاشا يسير باتجاه الوصول إلى وسيلة عمل.
الملاحظة الثالثة: شعرت بمفارقات كثيرة حيث أن كل القوى السياسية كانت تريد أن تجر الإعلان إلى أحزابها بدل أن يصبح الإعلان قضية تتجاوز الحزبية الضيقة. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: أين الشباب في هذا المشروع، إذا كان الإعلان هكذا بدون مستقبل يحمله الشباب كيف نستطيع أن نخلق الوسيلة.
الإعلان هو حصيلة أفكار. أنتم قمتم تماماً بإخراج القضية من عنق الزجاجة ولكن برأيي إذا استمريتم بهذا الأسلوب بهذه الطريقة سيختنق المشروع في عنق الزجاجة نفسها؟

 

جورج صبرة
ملاحظاتك الثلاث واقعية لكن بنفس الوقت أراها طبيعية جداً.

ناصر الغزالي
مع العلم أنني لا أتصيد العثرات. لقد آلمني الأمر جداً.


جورج صبرة
أنا أوافقك الرأي أنها ملاحظات حقيقية وواقعية وصادقة ولكني أضيف لك أنها طبيعية وليست نشازاً. ولو لم تكن كذلك لكانت غريبة، لماذا؟ لأنه إذا كانت الأحزاب السورية خلال أربعين سنة لم يسمح لها بعقد مؤتمراتها وتجديد نفسها فمن أين سيأتي الشباب الأصغر سنا إلى صفوفها. الحزب الوحيد في سورية الذي عقد مؤتمره بعد عام ألفين وجدد ناسه هو حزب الشعب الديمقراطي السوري وجدده بمن؟ بمن هو أقل هرماً بقليل من القيادة السابقة. الواقع أنه في الأربعين سنة الماضية لم تتمكن الأحزاب في سورية من تجديد نفسها، فكيف تسأل عن أوساط الشباب. إذا كانت بعض الأحزاب تشتمل على بعض الأوساط الشبابية فإنها لا تغامر بها ولا تخرجها إلى السطح. حين يتعلق الأمر بالمواقع السياسية يتوجب وجود أصحاب الخبرات والقدرة على إيصال الصوت، ويبدو أن مفهوم الخبرة عندنا ما زال مرتبطا بالشعر الأبيض. الفكرة الثانية التي تحدثت عنها تتعلق بالحوار بين الأحزاب التي تبدو أنها آتية من سفينة نوح لشدة اختلافها. هي فعلاً آتية من هناك. وأنت رأيت مجموعة من الأحزاب ذات انتماءات مختلفة مع شخصيات وطنية آتية من فئات مختلفة. القسم الأعظم قضى في السجون ما بين10 - 15 سنة يخاطب نفسه، إنها قادمة من علم المونولوج ، ولم تتقن مهارة الديالوج وشروطه بعد. ليس هناك لغة مشتركة بين الناس. ليس هناك حوار علني في المجتمع يتم في وسائل الإعلام, كيف يمكن لهؤلاء الناس الذين لم يجتمعوا إلا اجتماعين أو ثلاثة أن يجدوا اللغة المشتركة بسهولة؟ أنا أرى ذلك طبيعيا تماماً. ننتقل الآن إلى فكرتك الثالثة.


ناصرالغزالي
أنا باعتقادي أن هذه النقطة هي الأخطر أي أنها الأخطر ما بين الأفكار الثلاثة
.
جورج صبرة
إذاً الفكرة الثالثة بالموضوع هي أن كل شخص يريد أن يجير الإعلان لصالح فريقه وهذا أيضاً أعتبره أمرا طبيعيا. لذلك قلت لك إن القيمة الكبرى للإعلان تتمثل في أنه لأول مرة يجمع كل هذه التيارات. الناس الذين يفتقدون للخبرة في التحالفات. يعتقدون أنه إذا لم يفرض على الإعلان نفسه لن يكون ناجحا وفاعلا،ً وأن نجاح دورك في التحالف هو بمقدار ما تستطيع أن تختطف منه موقفا. كل فريق ينتظر دوره في البيانات المتوالية  لاختطاف موقف، هكذا يفكر البعض . لا شك أن هذه النظرة خاطئة ولا يقومها إلا تعميق  الخبرة الحقيقية في العمل التحالفي والتمسك بالرؤية الوطنية المشتركة.

أنا عندما أنضم للتحالف لا آتي محملا بخطة لفرض رؤيتي واتجاهي السياسي. لو كنت قادرا أن أجري التغيير بوساطة التجمع الوطني الديمقراطي فلا حاجة لي بإعلان دمشق، ولو كنت قادرا  عبر حزب الشعب الديمقراطي السوري أن أفعل ذلك فلا حاجة لي إلى التجمع الوطني الديمقراطي. وبعد إذا كان هناك حاجة لهاتين الدائرتين الأشد اتساعا فهل يجوز لي القدوم بنفس رؤيتي الخاصة إلى هذا المحيط الجديد؟ وبما أن الناس غير متساوين في الخبرة، وغير متساوين في رؤيتهم للمشروع الوطني، لذلك ترى هذه المظاهر غير الصحية في أمور التحالفات . بالنسبة لمرحلتنا القادمة ، يجب التركيز على المهام المشتركة لإنجاز التغيير الديمقراطي ، والبرنامج الحزبي لكل منا يبدأ من سورية الديمقراطية ثم يسعى لتحقيق بقية أهدافه بعد ذلك. الذي يجب أن يجمعنا الآن كلنا هو كيف يمكن أن نحول سورية الاستبداد إلى سورية الديمقراطية، سورية التمييز إلى سورية المساواة، من هنا أنا يمكنني أن أفهم سعي بعض الأطراف في التحالف لتقديم الذاتي والخاص ، وهذا يكشف أنها غير مدركة تماماً لشروط العمل في هذا التحالف.  هناك نقص كبير في الخبرة، لماذا؟ لأن السياسة السورية تحاول ترتيب أوضاعها وتأهيل نفسها بعد طول غياب ، والتجارب التحالفية فيها ليست غنية وعميقة بما يكفي، ولا تقدم النموذج الأمثل، وخاصة ما يتعلق بالجبهة الوطنية التقدمية وتجربتها .


ناصر الغزالي
تجربة كاريكاتورية.


جورج صبرة
تجربة تدعو لتسفيه كل أنواع التحالفات، وهنا المشكلة. تجربة التجمع الوطني الديمقراطي تجربة جيدة لكنها ليست أكثر من ذلك، فقط تجربة جيدة. لقد استطاعت أن تعيش لكنها ما استطاعت أن تعكس إضاءات لمحيطها ، وتصبح محل جذب وقدوة . أولاً بسبب الاضطهاد الذي كانت تعيشه خلال فترة طويلة من الزمن. الأمر الآخر أيضاً بسبب ضعف الفعالية وعدم القدرة على تجاوز نفسها، وإلا كان يمكن للتجمع أن يلعب دور إعلان دمشق منذ سنوات طويلة، ما استطاع، ولذلك انتقل لإعلان دمشق ليحقق ذلك. الملاحظات الثلاثة التي رأيتها هي ملاحظات حقيقية وموجودة ، ويجب أن نعمل من أجل التخلص منها والتخفيف من آثارها السلبية، للوصول لمفهوم مشترك للتحالفات. أعتقد أن الوضع بحاجة لبعض الوقت لكن أشاركك الرأي بأن البقاء في عنق الزجاجة فترة طويلة من الزمن بلا شك سيشكل علينا خطرا كبيرا. وقيمة الإعلان ليس بما كتب فيه، فما كتب فيه موجود بالوثائق البيانات عند كل الأطراف، لكن قيمته الحقيقية تكون في تجسيد المشروع الجماعي على الأرض، بحركة، من هنا نرى أن أول عمل له في اعتصام دمشق ( 9 /3 /2006 ) كان عملاً جيداً رغم كل الملاحظات، لكنه أثار غضب السلطة لدرجة كبيرة وأكثر من اللازم .


ناصر الغزالي
هذا المشروع ألا يحتاج إلى حامل؟ نحن تحدثنا عن العمل، إلى متى سنعلق أن هنا دائماً يوجد استبداد، ففي أمريكا اللاتينية كان هناك فاشية وكان هناك استبداد وكان أبشع من نظامنا بدرجات، لكن استطاعت الحركة الوطنية الديمقراطية في هذه الدول أن تبني مشروعا وأن تبني وسائل عمل وأن تنجح وتنتصر وتتحدى أمريكا. نعم الاستبداد سبب لكنه لا يفسر الحالة كلها. الشباب دفعوا ثمنا باهظا في السجون، وكانوا يعرفوا أنهم ربما يذهبون للإعدام. حالياً الشباب لا يذهبون معك لا إلى سجن ولا إلى أي مخاطرة، وليسوا مستعدين أن يخرجوا معك بمسيرة. إذاً ربما القضية هي أن لدينا مشكلة البحث عن طريق للخروج من هذه المشكلة. نعم الاستبداد كان سببا لعدم وجود الشباب لكن هذا لا يفسر المشكلة، وهو ليس سببا كافيا، هناك سبب أحتاج إلى أن أفهمه من الأستاذ جورج.


جورج صيرة
أنا أقول أن هناك سببين وليس سبب واحد، استمرار الاستبداد والخوف هو السبب الأول، فما زالت ذاكرة الشعب السوري مثقلة بالخوف من مرحلة الثمانينات العصيبة، ولا أدري إن كان أكثر من أمريكا اللاتينية أو أقل لكنه وصل لحد الرعب.


ناصر الغزالي
هناك دول فيها الرعب أكثر.


جورج صبرة
حسناً ولكن ذاكرتنا مليئة أيضاً.


ناصر الغزالي
الشمولية والدكتاتورية واحدة في العالم.


جورج صبرة
والخوف حقيقي، فاستمرار الحكم العرفي واستمرار السجون، يجعل احتمالات الزج فيها مفتوحة، واستمرار  ممارسة العنف قائمة، فأول سبب للإحجام الشبابي والإحجام الشعبي عموماً هو الخوف رقم واحد ، وهذا سببه السلطة . ولكن هناك سبب ثان وعامل آخر متعلق بنا نحن

.
ناصر الغزالي
هذا ما أريد مناقشته معك.


جورج صبرة
إن المعارضة في سورية، أي نحن الذين نعمل من أجل تغيير ديمقراطي، لم نستطع أن نشكل بارقة أمل للمجتمع السوري بعد . أي إذا دعيناه للخروج يجب تأمين حدود من الأمان والحماية له. يجب أن يرى أن شروط الاستمرار متوفرة ، وأن نثبت أننا في حركة صاعدة وذاهبون إلى لنجاح. نعاني اليوم من عدم قدرتنا لحد الآن على تشكيل هذا الأمل. عندما يوضع الإنسان في سورية بين خيارين المشاركة في التغيير أو المشاركة في تأبيد الاستبداد، الصمت والسلبية أو الخروج إلى العمل العام  مع حركة مفتوح لها الأفق، فمن المؤكد أنه لا يتردد في أن يخرج مع الجهة المفتوح لها الأفق. حتى الآن لا ندعي أننا فعلنا ذلك وهذا هو السبب المتعلق بنا.وهنا مكمن الخوف من ضرر قد يأتي مما جرى في بروكسل. أحد مطاعنه أنه قد يضرب هذا الوضع الاحتمالي للأمل السوري. عندما تتوحد المعارضة، ومهما كان ضعفها، بالوحدة تقوى. وكائناً ما كانت قوتها، عندما تنقسم شئنا أم أبينا ستضعف . فللتريث الشعبي والإحجام عن الحركة سببان، سبب تتحمل المسئولية عنه السلطة واستبدادها، وسبب تتحمل المسئولية عنه المعارضة وتفككها وضعفها .                           


ناصر الغزالي
بكلمتين سوف أخرج من قصة الداخل، أي ما هي الوسيلة المثلى لدى المعارضة، وهنا لا أتكلم عن السلطة، على الأقل، لبناء عتبة جديدة للوصول إلى أن تكون فاعلة؟


جورج صبرة
أن نخرج من صيغة المعارضة بالبيانات والنضال بالتصريحات، إلى مرحلة الوقوف بالشارع وتشكيل الأمل للناس" بالوقوف بالشارع حتى لو كنا فقط مئة رجل". مئة رجل باستمرار الحراك لا يبقون مئة . والنظام يدرك ذلك، فهو يخاف من هذه الظاهرة، والمجتمع يدرك ذلك أيضاً. فعندما أراك في الشارع باعتبارك جزءاً من المعارضة فهذا يعني أن لديك استعداداً للتضحية ، وأنت جدير بالثقة ، وتثبت لي على أرض الواقع أن انتزاع الحريات الديمقراطية أمر ممكن. في البيانات كل الناس متساوية وربما يكون الذين يناضلون من بعيد وفي الغرف المغلقة أعلى صوتاً، لكن الموقع الذي لا يتساوى فيه الناس هو الحركة. أعتقد أن توجهنا الطبيعي في المرحلة القادمة، هو أن نتقدم لنأخذ شبراً من رصيف بلادنا.

ناصر الغزالي

 هل محدد "السيادة الوطنية" ما زال يمتلك نفس المكونات السابقة ؟ وإذا طرأ شيء جديد فما هو هذا الجديد؟ 

جورج صبرة

ليس هناك شك بوجود متغيرات على مفهوم "السيادة الوطنية"  فرغم استمرار "سيادة الدولة على أراضيها" كأحد المكونات الأساسية للسيادة الوطنية، إلا أن قدرة الدول على التفرد في اتخاذ القرارات حسب رغبتها، والتصرف في إطار حدودها بمعزل عن المناخ الدولي صارت أضعف. ففي ظل العولمة المنطلقة وثورة الإعلام وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات المتاحة بسهولة ويسر وبكلفات معقولة بمقدور معظم العاملين توفيرها، فقدت الدول قدرتها على تسوير حدودها وتحصينها من الاختراق وتراجع دور وزارات "الإعلام" و"الإرشاد" و "التوجيه" وأجهزة التعبئة السلطوية الأخرى في التأثير على وعي الناس وتقييمهم للأحداث .

يضاف إلى ذلك انطلاق منظومة القيم الإنسانية المعاصرة مثل قضايا "حقوق الإنسان" و"الحفاظ على البيئة" التي اخترقت الحدود الإقليمية للدول بفضل منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدولية المتخصصة، وصارت موضع اعتبار في الحيز "الوطني" الخاص لجميع الدول، وتتمتع كل يوم بنفوذ متزايد. وقد تمكنت من التوطن في مواقع كانت إلى عهد قريب تتمترس وراء "الخصوصية" وبعيدة كل البعد عن مشاركة العالم في همومه وتوجهاته.

ومن العناصر الجديدة التي طرأت على المكونات التقليدية لـ "السيادة" حاجة الدول للانخراط في المنظمات الإقليمية والدولية وخاصة الاقتصادية منها ، مثل "الشراكة الأورومتوسطية" و "منظمة التجارة العالمية" ، وكذلك حاجتها للتمويل من المؤسسات المالية وصناديق النقد، والتي تقتضي منها التساوق مع المعايير الدولية وتنفيذ الشروط الخاصة للانخراط في الشراكات الدولية. وهذه صارت تتعدى الشروط الاقتصادية إلى اشتراطات سياسية واجتماعية وثقافية، وتحتاج إلى تشريعات وقوانين وأساليب عمل أكثر توافقاً مع النظام العالمي، وأقل استجابة وتحقيقاً لمتطلبات "السيادة الوطنية"، كما أسستها دولة الاستقلال الأولى. وبالتالي صارت الثقافة العالمية والمعايير الدولية وأنظمة المؤسسات الكبرى والفعالة شريكاً للحكومات بشكل مباشر أو غير مباشر- في رسم السياسات، وتحديد البيئة التشريعية اللازمة. وتمكنت من كسر احتكار السلطات لهذه المهمة ، وتفردها في التأثير على مجريات الأمور داخل حدود دولها .

ناصر الغزالي

هل هناك تغير بدأ يتبلور في السياسة الأمريكية بعد جملة الأحداث الأخيرة ؟ وما مدى الاستفادة من جملة   المتغيرات الجديدة على صعيد الداخل ؟   

جورج صبرة

اعترف الأمريكيون في أكثر من مناسبة وعلى لسان أكثر من مسؤول، وعن طريق مراكز البحث الاستراتيجي بخطأ سياساتهم التي اعتمدت خلال العقود الأربعة الماضية ، والتي تمثلت بدعم أنظمة القمع والاستبداد في منطقتنا، وتوفير غطاء لأعمالها وانتهاكاتها على كل صعيد . وكذلك توفير أسباب الدعم والنمو للاتجاهات المتطرفة في الفكر الديني ، وتغذية نهج التعصب والأصولية في التيار الإسلامي واستخدام كل ذلك لأغراض تكتيكية محدودة ، ضاربين عرض الحائط بشرعية الحكم وأخلاقياته ونواظمه الحديثة ، طالما تتضمن هذه الأغراض "الاستقرار" ولو عن طريق العنف والانصياع .

هذا الاعتراف هو أحد تعبيرات التغير في السياسة الأمريكية. غير أن مصداقية هذه السياسة تتكسر كل يوم على أعتاب مساندتهم الدائمة لإسرائيل والمشروع الصهيوني، ومواقفهم من الصراع العربيالإسرائيلي وقضية الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة. وكذلك فإن استعدادهم الدائم لعقد الصفقات، كما حصل مع النظام الليبي، ومجريات احتلالهم للعراق ونتائج هذا الاحتلال ينسف ما تبقى من خطابهم لدعم الديمقراطية في المنطقة، وتقديمها في النظام العالمي كوسيلة للتنمية والازدهار وحفظ الأمن والسلام. إضافة إلى مواقفهم من "المحكمة الجنائية الدولية" والجهود العالمية لتحسين البيئة وشروط الحياة على الكوكب فيما يعرف بـ "ارتفاع حرارة الأرض" وقضية الحد من انتشار "أسلحة الدمار الشامل"،  والتي تتعارض مع إرادة المجتمع الدولي، حيث نعيق السياسة الأمريكية الذي ينادي بالتقدم على طريق " دمقرطة " النظام العالمي في أكثر من مجال، مما يضع الولايات المتحدة في موقع "إن أفعالك تتحدث بصوت عال حتى أني لست اسمع ما تقول " .

ومع ذلك فإمكانية الاستفادة من هذا التغيير متاحة، وهي قضية نضالية. رغم عدم قدرته حتى الآن على اكتساب الثقة، وذلك بدعوة السياسة الأمريكية للانسجام مع خطابها الديمقراطي الجديد، وتقديم البرهان الواقعي على جدية هذا النهج وصدقية تنفيذه. وهذا يتم برفع الغطاء عن سلطات القمع والاستبداد وفضح ارتكاباتها أفراداً وأنظمة، ودعم حركات الشعوب من أجل التغيير الديمقراطي، وتفهم قضاياها وحاجاتها ومصالحها، وإقامة العلاقات الدولية على شيء من التوازن. 

ناصر الغزالي

هل تشكل المعارضة السورية في الخارج قوة فاعلة على المدى المنظور داخلياً؟ وهل تستطيع تنفيذ برنامجها من خلال الداخل أم بأجندة خارجية؟ 

جورج صبرة

المعارضة السورية في الداخل كما في الخارج، طيف واسع من القوى السياسية والأحزاب والمنظمات الاجتماعية والثقافية والشخصيات الوطنية. بعضها قديم وله تاريخية في معارضة النظام، وبعضها حديث العهد، ومنها من يمتلك وجوداً حقيقياً على الأرض، وبرامج وأساليب عمل معلنة ومعروفة ومنها من يقتصر وجوده بشكل شخصي ومحدود أو رمزي على المواقع الإعلامية. ورغم الأهمية الخاصة للمعارضة من الداخل بشكل مطلق، فإن موقع المعارضة من الداخل أو الخارج لا يحدد دائماً قدرتها ودورها وأهميتها، إذ يمكن لمجموعة معارضة في الخارج أن تكون أكثر فعالية وجدية من قوة معارضة أخرى في الداخل إذا لم تتمتع الثانية بالجدية والفعالية، وهذا يعود إلى قدرتها على التضحية والتواصل مع الشعب السوري، ونجاحها في إقامة العلاقات النضالية المشتركة مع القوى الأخرى.

الأجندة الخارجية عبء على أصحابها بغض النظر عن موقعهم في الداخل أو الخارج، لأن الشعب السوري عظيم الخبرة في هذا الشأن، ولا يعمل إلا وفق أجندته. وهناك فرق كبير بين الاستفادة من الظروف العالمية وانتهاج سياسة عاقلة ومرنة ووطنية في نفس الوقت، وهو أمر مطلوب، وبين الانخراط في الاستراتيجيات والمخططات الدولية في المنطقة وهو مرفوض، لأن الذين يغيرون يفعلون ذلك لحسابهم ووفق مصالحهم. ونحن نريد التغيير لتحقيق مصالح شعبنا، ونتعامل مع الخارج على ضوء هذه المصالح والقضايا الوطنية الأخرى لشعبنا وأمتنا. فالتغيير هدف، لكنه في نفس الوقت بوابتنا نحو الحرية والأمن والتقدم.

إن مصلحة المعارضة في أن تكون موحدة في الداخل والخارج وراء برنامج مشترك للتغيير الديمقراطي، وفق أجندة خاصة تستلهم من إرادة الشعب السوري ومصالحه وظروفه، عند ذلك فقط يمكن أن تصبح " قوة فاعلة" داخلياً وخارجياً، وتفتح الأفق نحو التغير "على المدى المنظور". 

ناصر الغزالي

إلى أي حد يمكن للخارج التأثير على مسار التطورات من خلال الاستعانة بالداخل وبالعكس؟ 

جورج صبرة

طالما لا يمكن الفصل بشكل صارم بين الداخل والخارج، فمن الطبيعي أن يتبادلا التأثر والتأثير. وإذا كانت سطوة الأجهزة الأمنية ودرجة القمع العالي لأي حراك معارض تظهر الخارج كقوة أكبر وأكثر فعالية في التأثير، فإن الداخل يمتلك طاقة هائلة للفعل، هي الأكبر قوة والأعظم تأثيراً، قوة كامنة هي "قوة الشعب" ما أن تنطلق حتى تجعل التغيير أمراً واقعاً، وهي الأساس الذي يحقق التغيير السلمي دون خضات في المجتمع من أي نوع، وهي الضامن لبقاء التغيير في إطار حاجات الشعب ورؤيته ومصالحه، وعدم تجييره لحساب زمرة من المغامرين أو لحساب قوى أخرى إقليمية ودولية.

من هنا أنا اقبل المعادلة بشكل معكوس. أي أن يقوم الداخل بالتأثير على مسار التطورات مع الاستعانة بالخارج، من خلال عوامل الضغط التي يقوم بها، والشروط المساعدة التي يوفرها لنجاح التغيير، وليس العكس. فرغم اختلال شروط القوة والفعل الظاهرين بين الداخل والخارج، لكن أحدهما لا يخلي مكانه للآخر، والأساسي لا يكون ثانوياً، والثانوي لا يصبح أساسيا. وميزان القوى بينهما لا يبقى ثابتاً، بل هو في تحول مستمر ولمصلحة الداخل.

أنا هنا لا أريد أن أقلل من وزن الخارج في المعادلة، غير أنني أرغب في التأكيد على التراتبية بين الأصل والفرع، بين الأساسي والثانوي في العوامل والتأثيرات، واضعاً بالاعتبار الموقف الشعبي في بلادنا، الذي يعبر عن حساسية بالغة بشأن الخارج لأن الذاكرة الوطنية مزدحمة بالآثار السلبية لهذا الخارج على طول القرن المنصرم من تاريخنا. إضافة إلى ذلك فإن تجارب التغيير ذات المفاعيل الخارجية الأقوى، أو التي تمت بدفع خارجي بالأساس، لم تحمل للداخل شروط الاستقرار والازدهار، وإنما حملت تحقيق مصالح من قام بها وأدارها وفق إرادته ومصالحه. وبالتأكيد ليس هذا ما نريده في سورية.