خواطر معارض سوري وأسئلة للمتعاونين مع النظام   

د. محمد الزعبي     القدس العربي

 

في معني المعارضة السياسية


 بعيدا عن الفوارق بين المفهوم والمصطلح، وأيضا عما يسمّي بـ (هجرة المفاهيم)، فإن مفهوم المعارضة السياسية، إنما ينطوي علي لحظتين معرفيتين تجمع كل منهما بين النظر والعمل (النظرية والممارسة)، فهو ـ أي المفهوم ـ يتضمن، من جهة، معني الإعراض والنبذ والرفض، ومن جهة ثانية، اعتراض المعارض (بكسر الراء) سبيل المعارض (بفتح الراء) لمنعه من تحقيق أهدافه القريبة والبعيدة التي يراها ذلك المعارض (بكسر الراء) أهدافا غير مشروعة، وتتعارض بالتالي مع المصالح الخاصة و / او العامة لغالبية ـ إن لم يكن لكل ـ الجماعات أو المجموعات (أمة، شعب، دين، طائفة، أسرة، قبيلة، طبقة، فئة، شريحة) التي يمثلها ويتبناها ذلك المعارض.

وبما أن مكونات غالبية الأمم والشعوب، ليست واقعيا كأسنان المشط، وإنما كأصابع اليد، فلا بد أن تعكس مواقفهم وأيديولوجياتهم السياسية، التباينات الثقافية والعرقية والدينية والاقتصادية والاجتماعية الموجودة في مجتمعهم، بصورة أو بأخري بهذه الدرجة أو تلك، ولكن في إطار قانونية جدلية سوسيولوجية يتعايش في ظلها كل من الوحدة والصراع دون أن ينفي أحدهما الآخر سواء بالإزاحة أو الإزالة. وإذا ما استعرنا المصطلحات الهيغلية، فإن المجتمع (الأمة) الوطن (الدولة) تمثل التركيب Synthese الذي يمثل فيه النظام السياسي السلطة الحاكمة القضية These بينما تمثل المعارضة نقيض هذه القضية Antithese. أي أن السلطة الحاكمة والمعارضة إنما يمثلان موضوعيا وجه الميدالية (المجتمع) وظهرها بحيث لا يمكن تصور أحدهما دون الآخر، بغض النظر عمّن يحكم وعمّن يعارض. إن الإشكالية التي تطرح بل وتفرض نفسها هنا، هي: هل أن التناقضات بين جناحي المجتمع المعني هي من نوع التناقضات الثانوية التي يمكن حلها بالطرق السلمية / بالمصالحة الوطنية (الإزاحة)، أم أنها من نوع التناقضات الرئيسية التي لا يمكن حلها إلا باللجوء إلي (الإزالة) سواء بالطرق السلمية أو بغيرها؟ إن الإجابة العلمية والموضوعية علي هذا السؤال، تستلزم تحديد مضمون كل من التناقضات الثانوية والتناقضات الرئيسية، وبالتالي معرفة أين ينتهي التناقض الثانوي بين النظام والمعارضة، وأين يبدأ التناقض الرئيسي. ويري الكاتب هنا، أن معارضة نظام سياسي ما، لا يعدو أن يكون سببها الجوهري واحداً من ثلاثة

:
أ ـ تفريط النظام بما يعتبره المعارض يدخل في إطار المبادئ والثوابت الوطنية و/أو القومية و/أو الدينية التي لا ينبغي المساس أو التفريط بها، (التفريط بالغاية).
ب ـ تفريط النظام بالديمقراطية بوصفها الوسيلة المثلي لتحقيق تلك المبادئ (التفريط بالوسيلة).
ج ـ تفريط النظام بكل من المبادئ والديمقراطية (التفريط بالغاية والوسيلة معا) وانطلاقا من هذه الرؤية، فإن الكاتب يزعم أن التفريط بالوسيلة دون الغاية،إنما يدخل في إطارالتناقضات الثانوية بين النظام والمعارضة والتي يمكن حلها بالحوار وبالطرق السلمية وعن طريق الإزاحة دون الإزالة (الحالة ب أعلاه) ودون أن ننسي أن بين الغاية والوسيلة علاقة جدلية اشتراطية لا تنفع معها لا النوايا الحسنة، ولا التلفع بالأيديولوجية النخبوية أو الطليعية التي تقوم علي أساسها هذه النوايا الحسنة، سواء أكانت وطنية أم قومية أم دينية أم اشتراكية. أما إذا كانت التناقضات بين النظام والمعارضة من النوعين الأول (التفريط بالغاية) أو الثالث (التفريط بكل من الغاية والوسيلة)، فلا بد أن تكون من نوع التناقضات الرئيسية التي قد لا يمكن حلها إلا بإزالة أحد طرفي هذه العلاقة إن عاجلا أو آجلا.
(حول هذه الخاطرة أنظر: محمد الزعبي، قضايا منهجية حول إشكالات المعارضة العربية ـ مساهمة في الحوار، جريدة القدس العربي ، 18/08/2001 و 20/08/2001).
ولمزيد من توضيح هذه النقطة، يري الكاتب أن التناقض بين نظام الرئيس صدام حسين والمعارضة العراقية قبل الغزو الأمريكي للعراق في (آذار ـ مارس) ـ (نيسان ـ ابريل) 2003 كان من نوع التناقض الثانوي الذي كان يمكن حلّه بالإزاحة دون الإزالة (وبالتالي دون الإستعانة بالقوي الأجنبية المعادية للنظام وللأمة)، ذلك أن النظام العراقي آنذاك قد فرط فقط بالوسيلة (الديمقراطية)، بينما ظل متمسكا بالثوابت الوطنية والقومية والدينية قولا وعملا (الغاية) ولعل هذا هو السبب الحقيقي وراء ذلك الحلف المشبوه بين الولايات المتحدة الأمريكية ومن سار معها وخلفها من العملاء والإمّعات من العرب والعجم. أما في سورية ولا سيما بعد 1970 ـ وعلي العكس من نظام صدام حسين في العراق ـ فإن التناقض بين المعارضة السورية والنظام السوري كان ولا يزال من نوع التناقض الرئيسي (التفريط بالغاية والوسيلة معا) الذي لا يحل إلاّ بإزالـة ذلك النظام الديكتاتوري العسكري ـ الطائفي ـ الوراثي لصالح نظام وطني ـ جمهوري ـ ديموقراطي علي أنقاضه، نظام منبثق من صميم الجماهير، ومعبر عن طموحانها الوطنية والقومية، وعاكس بصدق تلك العلاقة الجدلية التي لا يمكن فصمها بين السياستين الداخلية والخارجية (الغاية والوسيلة).
هذا مع العلم أن مفهوم الإزالة هنا لا يتعلق بالأشخاص، وإنما بالشكل الديكتاتوري القائم للممارسة السياسية للنظام.

 المعارضة السورية بين المطرقة والسندان

 
لقد فتح سقوط الإتحاد السوفياتي في نهاية ثمانينات القرن الماضي الباب أمام النظام الرأسمالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لإعلان تفوقه المطلق علي العالم كله، وبالتالي تفوق دول وأمم وشعوب الشمال، علي دول وأمم وشعوب الجنوب والنظر إليها نظرة دونية، تنطوي علي جرثومة العنصرية المدانة علميا وعمليا وأخلاقيا. ولقد ترتب علي الوضع العالمي الجديد أن الدول الإمبريالية المعنية، بدأت تتصرف كما لو أن (الآخرين) باتوا مجرد كم من الناس لا يملكون إلاّ خيارا واحدا لا غير، ألا وهو أن يتخلّوا عن تاريخهم وجغرافيتهم، وعن عاداتهم وتقاليدهم ومنظومة قيمهم الخاصة بل وعن دياناتهم ويلتحقوا بركب ما بات معروفا بالنظام العالمي الجديد!! إن هذا الشعور المرضي (بفتح الميم والراء) بالتفوق، قد أعمي بصر وبصيرة الكثيرمن حكام ومثقفي بل وأحيانا مواطني دول الشمال المتطورة، وجعلهم لا يخجلون من ممارسة الكذب، سواء علي شعوبهم أو علي الشعوب الأخري ولا أدل علي ذلك من ممارسة الفئة الحاكمة في واشنطن ولندن لهذا الكذب في مسألة أسلحة الدمار الشامل في القطر العراقي الشقيق، الأمر الذي بات مفضوحا ومعروفا من الجميع.
إن عدم خجل كل من حكام واشنطن ولندن من ممارسة الكذب، قد أوقعهم في عدد آخر من الممارسات المشبوهة والمدانة والتي تنطوي بدورها، بصورة أو بأخري، علي الكذب والتدليس والنفاق ألا وهي:
ـ ازدواجية المعايير (الكيل بمكيالين)، فيما يتعلق بالموقف من قضايا الشعوب. ولا نظن أن أحدا يجهل الموقف المزدوج لدول الفيتو الإمبريالية في مجلس الأمن الدولي من الحقوق المشروعة لشعوب العالم الثالث عامة، وللشعوب العربية، وخصوصا الشعبين الفلسطيني والعراقي.
ـ الإستخدام المفضوح لما يعرف بـ كلمة حق يراد بها باطل ، وتتجلي هذه الخاصيّة اللاأخلاقية في المفارقة المكشوفة بين القول والفعل وبين الشكل والمضمون، وبين المعلن والمسكوت عنه. ففي الوقت الذي تنصّب هذه الدول الراسمالية الكبري من نفسها وكيلاً لنشر الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان علي المستوي العالمي، نجدها تحتضن أعتي الديكتاتوريات في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كما ونجدها تنقلب علي الديمقراطية وحقوق الإنسان إذا ما جاءت نتائجها علي غير ما تريد أو ما تتوقع كما هي الحال الآن في فلسطين المحتلة.
ـ استغلال التمييز الذي تتعرض له بعض الأقليات الدينية والقومية والطائفية والقبلية، في بعض الشعوب والأمم المستهدفة، سواء علي يد الأكثرية العددية، أو من قبل السلطات الحاكمة نفسها، وذلك لتفتيت وإضعاف هذه الأمم والشعوب والسيطرة عليها وبالتالي الإستيلاء علي ثرواتها ومكامن قوتها الإقتصادية والعسكرية، الأمر الذي تقع نتائجه الوخيمة علي كل من الأقلية والأكثرية علي حد سواء.
ـ اللجوء إلي محاصرة الشعوب المستهدفة إقتصاديا، الأمر الذي أدّي ويؤدّي إلي ما يشبه الإبادة الجماعية لهذه الشعوب، وأمامنا الحقائق الميدانية التي لا تخطئها العين في فلسطين والعراق بصدد هذه الإبادة الجماعية.
في هذا المناخ السياسي والإعلامي الرمادي والضبابي، تجد المعارضة السورية نفسها بين فكّي الكماشة، والذين عبرت عنه أدبيات هذه المعارضة، بالإستبداد والإحتلال. ذلك أن المستوي العالي والمدروس من التكتيك بين النظام الوراثي الدكتاتوري في دمشق من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وإنكلترا من ناحية أخري، قد أربك كلا من المواقف النظرية والعملية لهذه المعارضة، خاصة وأنها تقف ـ وبوصفها الممثل الوطني للأغلبية الساحقة من الشعب السوري ـ ضد هذين الطرفين معا وفي آن واحد (الاستبداد الداخلي والاحتلال الخارجي) معطلة بهذا عمل القانون السوسيولوجي المعروف عدو عدوي صديقي .
ونري من جهتنا، أن المسألة تدور هنا حول العلاقة بين الداخل والخارج، وأن الإرتباك الذي تشهده المعارضة السورية هذه الأيام، ليس ناجما عن موقفها من الخارج، ذلك أن كافة أطراف هذه المعارضة قد أعلنت صراحة أنها ترفض الإستقواء علي النظام السوري الراهن بالعدو الخارجي، وهو ما يمثل موقفا وطنيا مناقضا لموقف المعارضة العراقية العميلة في بغداد.
إن الإشكالية المطروحة في صفوف المعارضة السورية ـ في الداخل وفي الخارج ـ الآن،إنما تتعلق بمدي صحة وحقيقة الموقف العدائي بين نظام دمشق والولايات المتحدة الأمريكية تحديدا!!، بل إن العديد من أطرافها وعناصرها يعتبر أن هذه المنازلة الإعلامية / الكلامية بين الطرفين، لا تعدو أن تكون شكلا من أشكال التكتيك الذي يمارسه الطرفان لتغطية العلاقة الإستراتيجية بينهما، تلك العلاقة التي يفضحها الموقف المشبوه للنظام من الإحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان، ومن القوي الوطنية غير الطائفية في لبنان، ومن مطلب المصالحة الوطنية الذي تلح عليه المعارضة في سورية، للوقوف في وجه التهديدات الخارجية، والذي يرفضه (مطلب المصالحة) بصورة مستمرة النظام، وأيضا وأيضا الموقف الحرباوي والرمادي من الإحتلال الأمريكي للقطر العراقي الشقيق، ومن المقاومة العراقية الباسلة، ومن الحكومة الطائفية القابعة في جحور المنطقة الخضراء، والتي لا يخجل أقطابها من التلميح والتصريح، عن رغبتهم في بقاء هذا الإحتلال في بلادهم بوصفه حاميهم وولي نعمتهم!!. إن الكاتب ينصح كل من تراوده الشكوك (من الموالاة والمعارضة) حول العلاقة الإستراتيجية بين النظام السوري الحالي وكل من أمريكا وإسرائيل، أن يستحضر تاريخ هذه العلاقة، ولا سيما الإعلان المتكرر لوزيري خارجية النظام السابق والحالي في أن السلام مع إسرائيل إنما هو خيار إستراتيجي، وأن النظام كان وما يزال مستعدا لمساعدة سلطات الإحتلال في العراق علي استقرار النظام، وتطبيع الوضع الدبلوماسي مع حكومة بغداد (المنتخبة!!)، وإذا كان هذا ليس كافيا لمعرفة حقيقة تلك العلاقة الإستراتيجية فما علينا وعليكم إلاّ الإنتظار إلي أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الخيط الرمادي من الفجر، والذي نراه ـ من جهتنا ـ علي مرمي حجر.
 

  !!سكوت الخلاّن علي جبهة الجولان
لا أحد يجهل أن إسرائيل قد احتلت هضبة الجولان السورية الحصينة والمحصنة في حرب حزيران 1967، وأنها بدأت اعتبارا من 14/12/1981 بتطبيق القانون الإسرائيلي المدني علي سكانها العرب الأصليين، تنفيذا لقرار اتخذه الكنيست بضم الجولان إلي الكيان الصهيوني رسميا، الأمر الذي رفضه مجلس الأمن الدولي بالإجماع، عبر قراره رقم 497 تاريخ 17/12/1981، ذلك القرار الذي ضربت به إسرائيل ـ كغيره من القرارات المتعلقة بالقضايا العربية عامة والقضية الفلسطينية خاصة ـ عرض الحائط
كما أن أحدا لا يجهل أن حرب 1973 التحريرية!! قد مثلت المعبر السيا سي والعسكري والإعلامي الآمن لأنور السادات إلي القدس، ومنها إلي اتفاقية كامب ديفد، باعتبارها ـ أي كامب ديفد ـ أكبر خيانة تاريخية للقضية العربية وللقضية الفلسطينية في العصر الحديث، وأيضا المعبر السياسي والإعلامي والعسكري الآمن لحافظ الأسد لإبرام صفقة سياسية مع هـ. كيسنجر 1974 تقوم علي انسحاب اسرائيل من تل عنتر (الذي لم يكن يبعد عن طريق درعا ـ دمشق سوي أربعة كيلومترات) ومن إحدي حارات مدينة القنيطرة (شرط تدميرها وعدم جواز دخولها أو إعادة بنائها!!) بما يسمح لوسائل الإعلام المأجورة أن تطلق عليه، بطل الحرب والسلام، وبطل تحرير القنيطرة!! إن إطلاق إسم حرب تشرين التحريرية علي حرب 1973، وإطلاق لقب بطلي التحرير علي أنور السادات وحافظ الأسد، إنما هما ـ من وجهة نظرنا ـ من قبيل تسمية الأشياء بأضدادها.
إن ما يؤكد صحة هذه الصورة السوداء في تاريخ الأمة العربية المعاصر، هو أن اتفاقية كامب ديفد التي أخرجت إسرائيل من شبّاك سيناء (شكلاً)، قد أدخلتها (مضمونا) من الباب العريض إلي مدينة القاهرة، بل وإلي مفاصل كل الحياة المصرية، ومن خلال مصر السادات ومن ثم مصر مبارك إلي مفاصل كل الحياة العربية. وينطبق هذا الأمر إلي حد بعيد علي الإتفاق السري الذي تم بين حافظ الأسد وهنري كيسنجر، والذي بموجبه تم خروج إسرائيل من شبّاك المناطق الجديدة التي احتلتها 1973، وأدخلتها عاصمة الأمويين، التي باتت كافة أحيائها وأزقتها مكشوفة للمرصد الإسرائيلي الإلكتروني المتمركز فوق الجبل المطل مباشرة علي العاصمة دمشق!!، وأصبحت بالتالي كافة مواقعها الإستراتيجية في مرمي المدفعية الإسرائيلية المتربعة بكل طمأنينة وهدوء بال فوق هضبة الجولان منذ ذلك التاريخ وحتي كتابة آخر كلمة في هذه المقالة، أي علي مدي ما يقارب الـ32 عاما !!. ويزعم الكاتب هنا أن القارئ الحصيف يمكنه أن يربط بسهولة بين اشتراك النظام في حرب حفرالباطن (حرب تحرير الكويت!!) عام 1991، جنبا إلي جنب مع أمريكا، ودخول الجيش السوري إلي لبنان عام 1976، وتجريده القوي القومية واليسارية بقيادة المرحوم كمال جنبلاط من أسلحتها، ومن ثم محاصرته للمخيمات الفلسطينية في لبنان ثلاث سنوات، وبين الصمت المطبق (ليس عن الطحن فقط وإنما عن الجعجعة أيضا) علي الإحتلال الإسرائيلي المتواصل لهضبة الجولان وعن ضمها رسميا إلي الكيان الصهيوني عام 1981، وأيضا بين كل هذا وبين عملية التوريث المسخرة والمهزلة التي أسس لها الأب قبل وفاته، والتي كانت تهدف أساسا إلي إبقاء ستار السرية مسدلا، علي كافة الأبعاد والأسرار المتعلقة بهذه المواقف الفضائح.
4) أسئلة موجهة إلي بعض الرفاق القدامي من المتعاونين مع النظام:
تروي لنا جداتنا في ليالي الشتاء الطويلة، أن بعض من يبتعدون عن بيوتهم يهاجمهم الضبع، الذي يكتفي بأن يبول عليهم، فيتحولون إلي كائنات مسلوبة الإرادة يركضون وراء هذا الضبع علي أنه أحد أصدقائهم، ولا بد في هذه الحال من ضربهم بحجر علي رؤوسهم لكي تسيل دماؤهم، وتعود إليهم ذاكرتهم ويعرفون أنهم إنما يركضون وراء ضبع يريد أن يستجرهم لمغارته كيما يفترسهم، وليس وراء كائن بشري مثلهم. أقول هذا علي أمل أن تكون إجاباتكم الصادقة والأمينة علي هذه الأسئلة بمثابة الدماء التي يمكن أن تعيدكم إلي رشدكم، وبالتالي إعادتكم إلي الطريق القويم الذي عرفناه كبعثيين ملتزمين بالوحدة والحرية والإشتراكية والتحرير. هذه الأسئلة أو التساؤلات هي:
ـ هل تعلمون أيها الرفاق والأصدقاء أن الرئيس الذي تعيشون في كنف نظامه، قد وصل إلي مناصبه السياسية والعسكرية والحزبية الحالية بطرق إلتفافية ما أنزل الله ولا الدستور ولا الأعراف ولا التقاليد بها من سلطان؟ بل إن السلطان الوحيد الذي جاء به إلي سدة الحكم هو سلطان التوريث الدخيل علي نظامنا الجمهوري والمحمي بجنازير الدبابات وبساطير الجنود... إنه أمر نتساوي في معرفته جميعا، ولكننا ـ مع الأسف الشديد ـ لا نتساوي في الموقف منه!!
ـ هل تعرفون لماذا أبقي حافظ الأسد رفاقه في حركة 23 شباط 1966، طيلة ربع قرن في سجن المزة، دونما محاكمة، بل ودون أن يسألهم أحد حتي عن أسمائهم؟ وأنه قد قتل رفيقيه المناضلين نورالدين الأتاسي وصلاح جديد وهما عنده داخل سجن المزة؟!! ناهيكم عن سجناء الحزب الآخرين، قبل حركة شباط وبعدها، والذين تعرفونهم جيداً؟!
ـ هل تعرفون السبب الحقيقي وراء إغلاق منتديات ربيع دمشق، والحكم علي نشطاء المجتمع المدني (د. عارف دليلة ورفاقه) بإغلاق الأفواه والآذان والعيون، بتهمة تهديد النظام الوطني المعادي لإسرائيل وأمريكا (!!)؟
ـ هل تعرفون السبب الحقيقي وراء اعتقال النظام لفاتح جاموس وميشيل كيلو وأنور البني وغيرهم من المواطنين الشرفاء المدافعين عن حق الشعبين السوري واللبناني في إقامة علاقات قومية أخوية وطبيعية بينهما؟
ـ هل تعرفون لماذا يخاف النظام من الإنتخابات النزيهة، ومن الإحتكام إلي صندوق الإقتراع البعيد عن التزوير؟
ـ هل تعرفون الدور المؤسف والمؤلم والمخجل للنظام السوري (الأب والإبن) في كل من لبنان والعراق وحفر الباطن؟
ـ هل تعرفون عدد المشردين والمشتتين في أنحاء المعمورة من المواطنين السوريين والكفاءات العلمية السورية، وذلك هربا من القتل والتعذيب والمعاناة التي ما فتئ النظام يمارسها منذ أربعة عقود ونيف، وذلك في ظل قانون الطوارئ (الذي ما يزال ينيخ علي كواهل شعبنا منذ 1963)، وفي ظل المادة الثامنه من دستور 1973التي تسمي حزب البعث العربي الإشتراكي كذبا قائدا للدولة والمجتمع (!!)، والمادة 49 التي تعتبر مجرد الإنتماء إلي جماعة الإخوان المسلمين إنما هو جريمة تحكم علي مرتكبها! بالإعدام، أليس هذا قرقوشية عارية حتي من ورقة التوت؟!!
ـ وأخيرا ـ وليس آخرا ـ هل تعرفون ـ أيها الرفاق ـ القانون السوسيولوجي الذي يقول: إن الأقليات يمكن أن تلعب دورا إيجابيا في حياة شعب ما، ولكن فقط، عندما تكون في المعارضة، أمّا إذا ما وصلت إلي السلطة بما هي أقلية، فإنها لن تستطيع أن تحتفظ بهذه السلطة، إلاّ عن طريق الديكتاتورية والقمع، وتغييب عدوها الأساسي صندوق الإقتراع؟ وهذا هو ما يحصل في بلدنا الحبيب سورية منذ أربعة عقود، مع اعتراف الكاتب بأنه نفسه يتحمل بعض الوزر من هذا الإرث اللاديمقراطي لحزب البعث، والذي كان هو أحد مسؤوليه في فترة زمنية قصيرة في واحد من هذه العقود الأربعة.
أيها الرفاق والأصدقاء، أيا كانت إجابتكم علي هذه التساؤلات المشروعة والموضوعية، فلا بد أن ينطبق عليكم قول الشاعر:
إذاكنت لا تدري فتلك مصيبة
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ونصيحتي لكم كرفاق وكأصدقاء، أن لا تستمروا بتجاهل الحقائق الموضوعية المتعلقة بالطبيعة الفئوية والديكتاتورية لهذا النظام، وإبعاده شعبنا العربي السوري عن دائرة الفعل والمشاركة في تقرير مصيره الوطني والقومي، ولتعلموا أن الرجوع إلي الحق خير من التمادي في الباطل.
اكاديمي وكاتب من سورية