ميشال كيلو رجل الحوار والتوافقات 

   فايز ساره

 

عرفت الأستاذ ميشيل كيلو لأول مرة من بعيد منذ أكثر من خمس وثلاثين عاماً. وشيئاً فشيئاً تعارفنا أكثر، وتقاربنا الى درجة أن صرنا أصدقاء، بل اخوة من الذين لا تجمعهم رابطة الدم، بل رابطة الروح، والتي أعتقد أنها أكثر الروابط قوة وإنسانية. وأجد نفسي بحاجة الى توضيح، أن رابطة الروح التي جمعتني مع الأستاذ ـ وأنا أصر على هذه الصفة ـ لم تكن رابطة ايديولوجية ولا سياسية. فلم أكن ذات يوم في تيار ايديولوجي أو تنظيم سياسي معه، على الرغم من أنه ليس لدي من مانع في ذلك،

كما أن رابطة الروح ليست ناتج هوى مشترك بيننا إزاء موضوع ما، ولا هي نتيجة موقف مشترك حيال قضية بعينها، إنما هي باختصار روح التعامل مع المحيط بما فيه من بشر ومظاهر وقضايا، وجوهرها التبسيط والبساطة، والابتعاد قدر المستطاع، وبكل الوعي والإصرار عن كل عوامل الشد والشدة والتنابذ في العلاقة مع ما حولنا.
والحق فإن علاقة بهذا المحتوى، لم يكن من السهل قيامها وتكريسها في الحياة الشخصية، كما في العلاقة مع الآخرين لأسباب كثيرة ومعقدة، لعل الأبرز فيها، يتمثل بالأوضاع الصعبة والمعقدة التي عاشها جيلنا في ظل نظام سلطوي، عمل كل الوقت على جعلنا في الاستثناء والطوارئ، وقام بتدمير المزايا الشخصية للأفراد، وتحويلهم الى كم مشترك، يتناغم مع مايريده النظام وما يسعى إليه، ليس من الجانب السياسي فقط، بل وفي كل جوانب الحياة مهما صغرت، وتضاءلت أهمية هذه الجوانب، حيث دأب النظام على تطويع وتربية السوريين بداية من منظمة طلائع البعث، وصولاً الى رابطة المحاربين القدماء وفي المراحل التي ما بينهما.
والأستاذ ميشيل، كان واحداً من السوريين الذين رفضوا الانضواء تحت تلك السياسة سواء بالترغيب أو الترهيب، وعاش مع نفر من السوريين عملوا كل الوقت، ليس في مقاومة تلك النزعة من السيطرة والتجييش، وإنما لتأكيد حق الإنسان في اختبارات حرة ومسؤولة من دون إكراه ولا اجبار، وبهذا المعنى، كان الرجل واحداً من الذين علّموا السوريين بالقول والكتابة، وقدموا بصورة عملية نموذجاً للسوري الحر وصاحب الخيارات في مواجهة ما يحيط به من ظواهر وسياسات وتداعيات، ومن ذلك استحق بالفعل لقب الاستاذ من حيث الرؤيا ومن حيث الممارسة، ولم ترهبه أو تمنعه اعتراضات الطرف الآخر ولا عقوباته بما فيها الاعتقال الذي تعرّض له في بداية الثمانينات.
وقوة الاستاذ في السير على طريقه الصعب، كانت محكومة بأمرين اثنين، اولهما تفحص مستمر للقناعات والافكار والتغييرات المحيطة واعادة تصويبها، والامر الثاني اصراره على ان الحوار والتوافق هو طريق الوصول الى المشتركات، بما في ذلك الاتفاق على سبل الوصول الى هذه المشتركات، ولعل المرحلة الابرز والاكثر نضجا في هذا المجال تكرست في السنوات الاخيرة، عندما اتسع وتعمق مسعى كثير من المثقفين والناشطين السوريين للتأمل فيما آل اليه الواقع السوري من ترديات، وما غرق فيه من مشاكل باتت تتطلب جهداً فكرياً وسياسياً وسلوكاً عملياً، يعيد فك وتركيب القوة السورية في مواجهة تلك الاوضاع وما يصاحبها من تحديات خارجية تلقي بظلالها السوداء على مستقبل سوريا والسوريين.
وولدت من تلك الروح بيانات الحراك الثقافي والاجتماعي، ثم ولدت تجربة لجان احياء المجتمع المدني وجماعات حقوقية وأهلية اخرى، وكانت مساهمة الاستاذ كيلو وآخرين بينهم استاذ الاقتصاد المعتقل عارف دليلة ملموسة وأساسية في كل ما تقدم، واستمر ذلك الجهد فيما اعقب ذلك من مبادرات وخطوات هدفت الى اخراج المجتمع والدولة السوريين من مشاكلهما ومن التباسات العلاقة بينهما، وفتحت الابواب من اجل دور ملموس للمواطنين في تغيير الحاضر وصنع المستقبل.
لقد كان من الصعوبة ولادة توافقات كهذه، دون حوارات ومناقشات وتسويات بين افراد وجماعات اعتادت العزلة والتنابذ والابتعاد عن الآخر والاختلاف معه على كل شيء وبصدد كل شيء، لكن روح الوطنية والمواطنة والثقافة الواسعة، والتجربة العميقة، التي تحلى بها ميشيل كيلو وشركائه في الحوار، جعلت التوافقات شيء ممكن، ووضعت اساس من اجل مستقبل آخر، ولان الامر على هذا النحو من الاهمية فلا يصح ان يبقى الاستاذ ورفاقه قيد الاعتقال، فمكانهم بين الناس وفي المجتمع، لا في الزنازين الرطبة والمظلمة