شكالية الداخل والخارج في خطاب المعارضة السورية

     تركي علي الربيعو

 

تأخذ إشكالية الداخل والخارج مجراها بحدة داخل خطاب المعارضة العربية المتشظية الى أشطار غير متآلفة، أضعفها هو التيار الديمقراطي، كما يعترف برهان غليون. وفي هذا السياق من التجاذب وشد الحبل كما يشير الى ذلك الواقع السوري على سبيل المثال، وبخاصة في سياق إعلان بيروت-دمشق الذي قاد ببعض المثقفين الى السجن والذي فسر على أنه جزء من الأجندة الأميركية في حربها على المنطقة، وهو لا يخلو 1 - من حجة، يمكن تمييز ثلاثة مواقف داخل الخطاب السياسي السوري:

الأول يقتدي بالتجربة العراقية، ويرى عبر خطاب دوغمائي براغماتي أن الاستبداد هو الداء، وهذا صحيح وهو كلمة حق، وأنه لا راد لاستبداد الداخل إلا بالتعاون مع الخارج (وهذا هو الباطل) لكسر احتكاره للسلطة، وبالتالي فتح الباب على مصراعيه لعصر ديمقراطي جديد يمثل العراق نموذجه، كما يقول الرئيس بوش، كذلك منظرو الاحتلال في الخارج، وهذا ما يقوله أيضا منظرو الاحتلال في الداخل، وعبر هذا الخطاب المتهافت، يظهر الخارج كقوة تحرير ونموذج يمكن الاقتداء به والتعاون معه لبناء الوطن من جديد. من هنا يصبح التعاون مع المحتل مبررا، كذلك ركوب دبابته، وعندها تغيب كل مفردات "الخيانة" عن هذا الخطاب الذي ما ملّ من التباهي بعلاقته بالاحتلال.

هذا الخطاب الذي يبرر التعاون مع المحتل دون أن يجد حرجا في ذلك، يركن الى أطروحة سائدة يروج لها البعض من منظري عصر الامبريالية والفوضى الخلاقة، من أن إشكالية الداخل والخارج هي بالأساس إشكالية زائفة؟ من صنع القومجيين العرب والإسلاميين والمتخلفين عموما عن الركب العالمي، وذلك لأن عصر العولمة يجعل العالم مسطحا كما يرى توماس فريدمان ويتكفل بمحو الفروق بين الداخل والخارج. من هنا يصبح التعاون مع الخارج ليس عمالة للإمبريالية كما يرى القومجيون والإسلاميون، بل مدخلا الى اللحاق بسقف التاريخ الأميركي!

2 - الخطاب الثاني يشكك بصحة الأطروحة السابقة، فعصر العولمة من شأنه أن يدشن بداية حقبة امبريالية جديدة، وما احتلال العراق إلا بداية لاحتلالات جديدة ومساع تقول بإعادة صياغة المنطقة العربية والشرق الأوسط عموما من جديد، والسؤال المطروح على أصحاب هذا الخطاب: كيف يمكن مواجهة تحدي الخارج من دون تقوية الداخل حيث لا يزال الاستبداد بكل إرثه التاريخي، يقف حاجزا دون إصلاح الداخل وعاجزا أمام تحديات الخارج؟

أصحاب هذا الخطاب على نبل مواقفهم، لا يتماهون كما أسلفت مع خطاب النخبة التي تبرر الاحتلال بحجة الخلاص من الاستبداد، ولا يريدون أن يركبوا الدبابات الأميركية التي تجعل منهم خونة هذا الزمان، والأهم من كل ذلك أن إمكانياتهم في الداخل، ضعفهم وتشرذمهم، كساحهم الطويل، كما تنعتهم السلطة الاستبدادية وأميركا معا، تجعلهم في مواجهة أسئلة صعبة؛ فالسلطة ترفض الإصلاح أو تجعل من حركته بطيئة في أفضل الأحوال كما يصرح قادتها، والخارج يهدد بالاحتلال وفرض الإصلاح عنوة لغاية في نفس يعقوب، فكيف السبيل الى التغيير مع انسداد الداخل وإمبريالية الخارج؟

من وجهة نظر أصحاب هذا الخطاب التي تستند الى حلول براغماتية سياسية والى ملفوظات خطابية، إنّه يمكن رفض هذا التقابل "المانوي" بين الداخل والخارج، فالاستفادة من الخارج يمكن لها أن تكون ناجعة في حال وجود قوى "منظمة ومعتدلة وديمقراطية"، فمع وجود هذه القوى تنتفي إشكالية الداخل والخارج، فحتى لو جاء الاحتلال الخارجي فيمكن لهذه القوى أن تكسب المعركة السياسية والأخلاقية ضده، كما يكتب أحد الباحثين. أقل ما يقال عن هذا الخطاب أنه يستبطن موقفا تصالحيا مع الخارج/ الاحتلال الذي من شأنه أن يكتب نهاية الاستبداد كما يظن أصحاب هذا الموقف، والذي يمكن كسب المعركة الديمقراطية ضده بجيش من الديمقراطيين العرب الحقيقيين الذين يمكن إعدادهم مستقبلا؟ أضف الى ذلك أن هذا الخطاب يظل مضمرا بالمفاضلة الزائفة بين الاستبداد والامبريالية، مع أن المطلوب هو رفض الإثنين معا.

3 - الخطاب الثالث: يعود الى الأطروحة الأولى بقوله إن إشكالية الداخل والخارج زائفة ومصطنعة، تحتمي بها السلطة الاستبدادية العربية، ففصل الداخل عن الظروف الإقليمية والدولية المحيطة ما عاد واردا، وهذا صحيح على صعيد هذا الخطاب الذي يقول بمقدمات صحيحة، ولكنه ينتهي الى نتائج خاطئة. من هنا فهو يرى أن الضغوط الخارجية هي بمثابة الضارة النافعة، لأنها "ربما تصب في إطار الإصلاح الداخلي دون أن تكون معوقة او معرقلة، صحيح أنها تصطدم بخيارات وطنية حساسة كما يقول أصحاب هذا الخطاب، ولكن لا بد من اعتمادها من جملة الأوراق الإقليمية لتحقيق الإصلاح في الداخل."

يدرك أصحاب هذا الخيار، أنّهم بدعوتهم الى استثمار الضغوط الخارجية لتحقيق الإصلاح في الداخل، يمهدون أيضا الى المصالحة مع الخارج، الذي يبدو كضرورة وخيار لا بد منه، لكنهم يدركون أيضا أنهم يمسكون بكرة من نار إذا لم تتوفر للمعادلة التي يسوقونها لحمة وطنية داخلية تنشد الإصلاح، بخاصة وأن حديث الإصلاح لا يزال حديث نخبة، لذلك ليس غريبا أن يرتد هذا الخطاب على نفسه ليسب الجماهير التي لا تثمن دور الخارج في تحقيق الإصلاح في الداخل.

ما يلحظ على هذا الخطاب، أنه خطاب يسعى للتصالح مع الخارج والتعاون معه، وهذا ما يفسر تهافته، وقد يفسر هذا سكوت إعلان دمشق التاريخي، عن أي ذكر سيئ يطال الامبريالية الأميركية أو ربيبتها "اسرائيل".

كاتب سوري