إشكاليات
الهجرة في
إطار الشراكة الأورو –
متوسطية (2) (*)
الدكتور
عبدالله
تركماني
ازدواجية
الخطاب الأوروبي
إنّ
الدول الأوروبية
التي تتحدث عن
احترام حقوق الإنسان
وضرورة تكريسها
واقعيا وكونيا،
هي ذاتها التي
تجهز على الحق
في التنقل الذي
تنادي المواثيق
والعهود الدولية
به، وهي التي
تنتهك الحقوق المدنية
والاجتماعية والاقتصادية
والسياسية للمهاجرين
السريين والشرعيين
المتواجدين فوق
أراضيها، وهي التي
تجعل منهم مواطنين
من الدرجة الثانية
بامتهان كرامتهم
وتمريغها في وحل
التمييز العنصري.
بالرغم من أنّ
البند 13 للإعلان
العالمي
لحقوق الإنسان
ينص على " حق
أي شخص في
اختيار مكان إقامته
وحرية التنقل
داخل أي بلد
يشاء "، كما
يؤكد على أنّ "
لكل شخص الحق
في مغادرة أي
بلد والعودة إلى
بلده الأصلي ".
ففي
ألمانيا تحققت
انعطافة تاريخية،
باتفاق جميع الأحزاب
الموالية والمعارضة
على قانون جديد
للهجرة في
يونيو/حزيران
2004. إذ خفف الكثير
من القيود التي
كانت تكبل السلطات
الرسمية الألمانية
في تعاملها مع
قضايا المهاجرين،
إلا أنّ شبح الخوف
من الإرهاب برز
واضحا في ثنايا
القانون الجديد،
سواء من حيث سرعة
ترحيل المشتبه
بهم أو من حيث حق
الاستنساب
الذي منح لوزارة
الداخلية وأجهزة
الأمن تقدير " نظافة
" السجل الشخصي
للمهاجر إلى ألمانيا.
وأبرز ما في القانون
الجديد التمييز
بين الرعايا الوافدين
من الدول الأجنبية،
حيث يخضع القادمون
من الدول العربية
والإسلامية إلى
ترتيبات أمنية
خاصة تطال سجلهم
الشخصي وتاريخ
حياتهم ونشاطهم
السياسي قبل منحهم
سمة الإقامة أو
العمل، كما يمنح
قانون الهجرة الجديد
السلطات الأمنية
الألمانية حقا
بترحيل من تقدره
خطرا على الأمن
والاستقرار الداخلي
أو تعتبره داعية
للحقد والكراهية،
وهذا الجانب يطال
أئمة المساجد الإسلامية
بشكل خاص ومعلمي
مدارس اللغات الأجنبية.
كما
أنّ الهجرة
الانتقائية
باتت خيارا
استراتيجيا لفرنسا،
فقد عُرض على
البرلمان في
بداية العام 2006 مخطط
يقضي بجلب
العقول
والأدمغة إلى
فرنسا عبر
قانون الهجرة
المختارة،
ويتوجه هذا
القانون إلى
الطلاب الأجانب
على وجه
التحديد
الذين
يزاولون
دراساتهم في
الجامعات
والمعاهد
الفرنسية أو من
هم موجودون في
بلدانهم
ويتمتعون
بمستوى علمي
عالٍ، علما أنّ
معظم هؤلاء من
دول أفريقيا
السوداء
ومنطقة
المغرب
العربي. وفي
المقابل يدعو
المشروع إلى إلغاء
حقوق بديهية، كحق
جمع الشمل العائلي،
أو حق تسوية أوضاع
المقيم في البلد
لعشر سنوات بلا
انقطاع، مما كانت
تضمنه القوانين
المعمول بها
حتى الآن في فرنسا،
ومما تكفله الشرعة
الأوروبية لحقوق
الإنسان (أقرت
الجمعية
الوطنية يوم 17
مايو/أيار
الجاري مشروع
القانون الذي
اقترحه وزير
الداخلية الفرنسي
نيكولا ساركوزي،
ومن المقرر أن
ينظر مجلس
الشيوخ في
مشروع
القانون يومي
6 و7 من شهر يونيو/حزيران
المقبل).
وما
من شك، أن احتجاج
نشطاء
المجتمع
المدني
الفرنسي ضد
قانون الهجرة
الجديد إنما
جاءت لتعبر عن
قلق ومخاوف
شرائح واسعة
من المجتمع
الفرنسي عما
باتوا
يعتبرونه مساسا
بكرامة الإنسان
وشرفه،
فالمهاجر الفقير
والأمي لا
مكانة له في
المشهد الاجتماعي
الفرنسي
اليوم، بينما
تفتح الباب على
مصراعيه أمام
مهارات
وكفاءات دول الجنوب.
وهكذا
تنتقل فرنسا من
أزمة إلى أخرى،
بلا فواصل ولا
فترات التقاط أنفاس.
ففي الخريف الفائت
انفجرت أزمة الضواحي
وأبرزت بشكل خاص
سوء أحوال الشباب
المنحدرين من الهجرة
والتي عجز النظام
القائم عن استيعابهم،
فألقى بهم إلى
نسبة بطالة مرعبة
تتجاوز الـ
40 % من المهيئين للعمل
منهم، وسجنهم فعليا
في " غيتوات
" تتعاظم عزلتها
الاجتماعية كلما
تفاقم الخطاب العنصري
الذي يطالهم.
أما
بلجيكا فهي تقدم
نموذجا رائعا لإدماج
المهاجرين،
علي الأقل في
شقها الفرنكفوني،
حيث تحول
هؤلاء،
وأساسا
المغاربة
الذين يشكلون
الأكثرية، إلى
أقلية
بلجيكية
حقيقية تتعدى
المفهوم
الكلاسيكي
للهجرة وجزءا
من تاريخ هذا
البلد. إذ يمكن
اعتباره
مثالا يجب أن يقتدى به
من طرف باقي
الدول الأوروبية،
فلقد حان
الوقت
للتعامل مع
المهاجرين
كأقليات ذات
معتقد وثقافة وتقاليد،
بعيدا عن مفهوم
الإدماج القسري
القائم على
الاستلاب الثقافي.
إنّ
التصدي
للهجرة غير
الشرعية ليست
مسؤولية بلدان
الجنوب وحدها
التي لا
يمكنها
بمفردها حراسة
الحوض
المتوسطي من
التسللات
التي لم يعد
أبطالها من
سكان بلدان
المنطقة فقط،
بل إنها أساسا
من أوكد
مسؤوليات
البلدان
الأوروبية
التي تنصلت أو
كادت من دورها
التنموي تجاه
البلدان
المتوسطية
واتجهت إلى
البلدان
حديثة
الانتماء إلى
الاتحاد الأوروبي
أو المقبلة
عليه.
كما
أنّ معالجة
ملف الهجرة
غير الشرعية لا
يمكن أن تكون
معالجة أمنية
تلاحق
المتسللين
وتعتقلهم، بل
يجب أن تنبع
من حوار شامل
ومن مقاربة
تضامنية وإنسانية،
تسمح بحرية
تنقل الأشخاص
والتبادل الإنساني،
حتى لا تظل
الشراكة
حبيسة
التبادل التجاري
والسلعي. وستظل
الشراكة الأورو
- متوسطية
عرجاء ومختلة
التوازن مادامت
التنمية بين
ضفتي المتوسط
مختلة، وما
بقيت الهوة
التنموية
قائمة بين
الشطر الأوروبي
والشطر
المتوسطي. ويبقى
التفاؤل
بمستقبل مشرق
للمنطقة
وشعوبها رهين
قناعة قيادات
بلدان الضفة
الشمالية وإيمانها
بأنّ الشراكة
الحقيقية
تقتضي
التشاور
والحوار وإيجاد
حلول ترضي كل
الأطراف
وتساوي بينها.
تنشغل
خواطر
الأوربيين بتقرير
نُشر في سنة 2001، يبين
أنّ الأقطار
الأوربية
تحتاج في أفق
سنة 2050 إلى ما لا
يقل عن 400 مليون
مهاجر، لتغطية
النقص
المتزايد في
سواعد العمل
في أوربا،
تبعا للتطور
المحتمل
للبنية الديموغرافية.
فمن
المتوقع أن
تسجل إيطاليا
وألمانيا
نموا سكانيا
سلبيا بحلول
عام 2010 وبحلول
عام 2020 سيكون أكثر
من خمس السكان
في بلدان
الاتحاد الأوروبي
فوق سن الـ
65. وفي هذه
الحالة من
سيشتغل
ويشارك في
تموين صندوق
الضمان
الاجتماعي
والشيخوخة
بأجره ؟ دون
شك لن تكون
لدى أوروبا الأيدي
العاملة
الكافية
لضمان ذلك،
فيصبح التفتح
على شباب دول
الجنوب أمرا
لا مفر منه.
لقد كشف تقرير
أسباني رسمي صدر
مؤخرا عن المعهد
الوطني للإحصاء
أنّ عدد السكان
في أسبانيا وصل
إلي 44 مليون ومائة
ألف نسمة، من ضمنهم
ثلاثة ملايين و700
ألف أجنبي. وتؤكد
هذه الأرقام أنّ
نسبة المهاجرين
ارتفعت من سنة
2005 إلى 2006 بقرابة 700 ألف
شخص. وينسب الخبراء
هذا الارتفاع الكبير
للمهاجرين، الذي
لم يسجل في أية
دولة أوروبية،
إلى تسوية أوضاع
المهاجرين السريين
ما بين فبراير/شباط
ومايو/أيار الذي
كانت قد أقدمت
عليه الحكومة الجديدة.
وبقدر
ما قد تساعد الهجرة
على ازدهار الاقتصاد
الأوروبي وتعديل
الميزان الديموغرافي،
فإنها ستساهم في
تنمية دول الجنوب،
خصوصا منطقة شمال
أفريقيا القريبة.
لكنّ بعض الأطراف
الأوروبية اليمينية،
لا تتحمس لفكرة
جلب عمالة عربية
أو مسلمة، وهي
تفضل عليها العمالة
الأوروبية الشرقية،
لأسباب تاريخية
ودينية.
أموال
المهاجرين
غير مستغلة في
التنمية
أفادت
دراسة جديدة،
أجرتها هيئة تسهيل
الاستثمار والشراكة
الأورو - متوسطية
التي تضم أنشطة
البنك الأوروبي
للاستثمار في دول
منطقة المتوسط،
أنّ بإمكان مهاجري الشرق
الأوسط وأفريقيا
الشمالية المقيمين
في الاتحاد الأوروبي
أن يسهموا أكثر
في تنمية بلدانهم
الأصلية لو مرت
مليارات اليوروات
التي يحولونها
سنويا عبر النظام
المصرفي. إذ
أنّ معظم المهاجرين
الخمسة ملايين
المقيمين في دول
الاتحاد الأوروبي
المنحدرين من ثماني
دول (المغرب والجزائر
وتونس ومصر ولبنان
وسورية والأردن
وتركيا)، يرسلون
كل سنة حوالي 7.1 مليار
يورو إلى هذه
الدول. وتصل
هذه المبالغ إلي
ما بين 12.4 مليار و13.6
مليار سنويا إذا
ما أضيفت إليها
الأموال المنقولة
بصورة غير رسمية.
لكن قسما ضئيلا
فقط (9.7%) من هذه
المبالغ مخصص للاستثمارات
المنتجة، طبقا
لما ورد في الدراسة،
التي أشارت إلي
أنّ هذه الأموال
التي تمثل 1 % - على
الأقل - من إجمالي
الناتج المحلي
في كل دولة معنية
يمكن أن تكون مصدرا
مهما للتمويل من
أجل تنمية هذه
البلدان.
ومن
جهة أخرى، فقد
لفت تقرير حديث
( مارس/آذار 2006 ) للبنك
الدولي إلى أنّ
الهجرة قد تساهم
في تحسين مستويات
السكان المحليين،
وتعمل على تقليص
الفقر، وزيادة
وتيرة التنمية
في الدول النامية
المصدرة للهجرة،
إذا أُديرت الأموال
المحولة في شكل
جيد وخفضت كلفة
التحويلات.
ويقدر
التقرير التحويلات
نحو شمال أفريقيا
بنحو 11 مليار دولار،
منها 4.5 مليار دولار
في المغرب، الذي
يعتمد على تلك
التحويلات في سد
عجز الميزان التجاري
الذي تجاوز العام
الماضي تسعة مليارات
دولار. ويعيش 10 % على
الأقل من الأسر
المغربية على تحويلات
مهاجريها
في أوروبا المقدر
عددهم بنحو 2.5 مليون
شخص. والأمر نفسه
ينطبق على تونس
التي تعتمد على
التحويلات وعائدات
السياحة الدولية،
بينما لا تعتمد
الجزائر على تلك
المصادر في شكل
كبير، على رغم
جالية قوية في
أوروبا، خصوصا
في فرنسا، حيث
تزيد على مليون
شخص.
وعلى
رغم أهمية تحويلات
المغتربين العرب
إلى بلدانهم الأصلية،
فإنّ مساهمتهم
في عملية التنمية
الاقتصادية والاجتماعية
فيها لا تزال متواضعة،
مقارنة بمساهمة
المغتربين الصينيين
أو الهنود وغيرهم
في تنمية أوطانهم
الأم. وليس المقصود
بهذه المساهمة
حجم الأموال
التي يتم تحويلها
بقدر ما هو مقصود
كيفية استثمارها
وتوظيفها. إنّ
معظم تحويلات المغتربين
العرب تذهب للاستهلاك
العائلي بمختلف
أشكاله، كما يذهب
قسم هام منها إلى
بناء منازل وفيلات
وشقق فخمة وتكويم
أطنان الذهب والفضة.
وبذلك لا يبقى
سوى جزء متواضع
لأغراض الاستثمار
والتنمية.
وعلى
الجانب الآخر فإنّ
الهجرة قد يكون
لها آثار سلبية
على المجتمعات
في دول الجنوب،
مثل استنفاد القوى
العاملة برحيل
الأشخاص المنتجين
والأكفاء وذوي
الخبرات العالية،
وهو ما يعرف بـ " هجرة العقول
" إلى دول الشمال.
الأمل في القضاء
علي ظاهرة الهجرة
غير الشرعية والاتجار
بالعمالة سيكون
ضعيفا إذا لم يتم
القضاء على كل
الظروف الرئيسية
التي تتسبب في
الهجرة. إنّ اتخاذ
خطوات للحد من
البطالة والحد
من القصور في التنمية،
بما يقلل الفجوة
التنموية بين دول
طرفي الشراكة الأورو –
متوسطية، هي السبيل
الوحيد للتعاطي
المجدي مع المشكلة.
ومن ثم فإنه يتعين
علي الاتحاد الأوروبي
أن يخط استراتيجيات
للتنمية الاقتصادية
والاجتماعية في
دول الجنوب، عبر
الدعم المالي والتقني
لأجل توفير فرص
عمل ودخول مناسبة
في هذه الدول.
مما
يتطلب ضرورة تحسين
التشريعات الخاصة
بحقوق العمال،
بحيث تكون أكثر
اتساقا مع المواثيق
الدولية لحقوق
الإنسان، التي
ينبغي أن تكون
عنصرا رئيسيا في
المناقشات حول
مسألة الهجرة،
كما ينبغي تضمينها
في الاستراتيجيات
الموضوعة من أجل
إدارة مسألة الهجرة.
ومن
المؤكد أنّ إدارة
الهجرة بنجاعة
تتطلب فتح الأبواب
وتكاتف الجهود
على المستوى الدولي،
وأن تعمل كل دولة
أوروبية على " إدماج
" القادمين في مجتمعاتهم
الجديدة. ولن تتمكن
أوروبا من ضمان
إثراء مجتمعاتها
المضيفة، أكثر
من زعزعة استقرارها،
إلا من خلال استراتيجية
بعيدة النظر لإدماج
وتفهم
الخصوصيات
الثقافية للمهاجرين.
فإذا
كانت دول
الاستقبال
تبقي المهاجرين
في حالة حرمان
وتهميش كاملين
وإقصاء ثقافي
واجتماعي،
وفي عزلة
نفسية، وحالة ضنك
اقتصادي، فإنّ
مثل هذه الأوضاع
يمكن أن تساعد
علي ظهور أشياء
مكروهة. فليس
من المحبذ
بالمرة
استعمال
كلمات مثل " مكافحة
الهجرة "، و " التصدي
للهجرة "، بل
يمكن الحديث
عن التحكم في
الهجرة و
تنظيم
الهجرة، لذلك يجب
تسوية الوضعية
القانونية
لكل الأشخاص
الذين تكبدوا
الصعاب ومشاق
الوصول إلي
الضفة الشمالية
للمتوسط
وحصلوا هناك
علي فرص عمل.
وعلى
جانب آخر،
لابد من توفير
الموارد
لتحقيق استراتيجيات
الحد من
الفقر، وإنجاز
التنمية
المستدامة،
وتشجيع
الاستثمار
المباشر في
دول جنوب وشرق
المتوسط.
وهكذا،
يعتبر منهج التعامل
مع تحديات الهجرة
من أكبر الاختبارات
الماثلة أمام الاتحاد
الأوروبي الموسع
خلال الأعوام والعقود
القادمة. ففي
حال تمكنت المجتمعات
الأوروبية من التعاطي
مع هذا التحدي
بإيجابية، فإنّ
الهجرة سوف تثري
هذه المجتمعات
وتزيدها قوة. أما إذا ما فشلت
في ذلك، فالنتيجة
ستكون انخفاض المستويات
المعيشية والانقسام
الاجتماعي.
إنّ الحضور
الكثيف لإشكاليات
وأسئلة
الهجرة يؤكد بأنّ
الحاجة ما زالت
ملحة إلى مقاربة
أكثر إجرائية وأكثر
عدالة في التعاطي
مع دواعيها المباشرة
ونتائجها الكارثية،
فغياب هذه المقاربة
الناجعة هو الذي
يساهم فعلا في
استفحالها وتنامي
درجاتها في المشهد
المتوسطي.
إنّ
التدبير
العقلاني
لمسألة
الهجرة يتطلب
تبني مقاربة جديدة
تستجلي
العلاقات
القائمة بين
الهجرة
والتنمية، إذ
يمكن تقييم
الدعم الذي
تقدمه الهجرة الجنوبية
لاقتصاديات
بلدان الشمال على
المستويين الديمغرافي
والاقتصادي،
كما هي تساعد
على التقليل
من البطالة في
الدول
المصدرة
للعمالة،
وتوفير بعض
العملة
الصعبة التي
يمكن
استثمارها في
البلدان
النامية. وفيما يتعلق
بالهجرة
والتنمية
المشتركة يجب دراسة
أسباب تيارات
الهجرة
ووسائل
التدخل الممكنة
في المناطق
الفقيرة
وتعزيز
الظروف
المناسبة لتمكين
المهاجرين من
القيام
بدورهم في
تنمية بلدانهم
الأصلية،
لاسيما من
خلال الإقبال
على الادخار
والاستثمار إلى
جانب تطوير
نقل
التكنولوجيات
وتبادل الكفاءات
بين بلدان الشراكة.
وإذا كان يحق
لكل البلدان اتخاذ
القرارات بشأن
قبول المهاجرين،
لكن من غير الحكمة
أن تغلق البلدان
الغنية أبوابها
أمامهم. فذلك لن
يؤثر على آفاقها
الاقتصادية والاجتماعية
البعيدة الأمد
فحسب، بل سيدفع
بأعداد أكبر من
فقراء الجنوب لاختراق
حدودها من الأبواب
الخلفية عن طريق
السعي لطلب مساعدة
المهربين، مما
يعرّض المهاجرين
- في أغلب الأحيان
- للوفاة أو الإصابة
أثناء العمليات
السرية اليائسة
على متن القوارب،
والشاحنات، والقطارات
والطائرات.
إنّ
الأمر يتعلق
بإشكالية
عويصة ذات أبعاد
متعددة،
وبأصول مختلفة
وتعبيرات
وبميزات
متنوعة إذا تم
التحكم فيها،
لكونها
تستجيب
لحاجيات موضوعية:
في الشمال حيث
تتجسد الحاجة
بشكل جلي إلى
اليد العاملة
الأجنبية
المؤهلة وغير
المؤهلة، وفي الجنوب
حيث يغادر
الآلاف من الشباب،
لأسباب سوسيو
- اقتصادية
(مستوى التنمية)
وسياسية
(النزاعات
الأهلية
والأنظمة
الديكتاتورية)،
في اتجاه
الشمال الذي يستهويهم
بشكل قوي. ويبرز
الطابع
المأساوي
لهذه الإشكالية
في مجال الأمن
الإنساني
والاستقرار الجهوي
بالنظر للتزايد
المتنامي
لشبكات المافيا.
وهكذا،
فبالرغم من أنّ
لكل دولة نهجا
خاصا في التعامل
مع قضية الهجرة
وفقا لخصوصيتها
وثقافتها، فإنه
لا ينبغي لأحد
أن يغفل المساهمة
العظيمة التي قدمها
ملايين المهاجرين
للمجتمعات الأوروبية
الحديثة، بل إلى
كل المجتمعات في
كافة أرجاء المعمورة.
وقد أصبح الكثير
منهم قادة في الميادين
الحكومية، وفي
العلوم، والمؤسسات
الأكاديمية، والرياضة
والفنون.
إنّ
أوروبا تتحمل
المسؤولية
التاريخية
والأخلاقية
في ما يخص موضوع
الهجرة، فقسط
كبير من رفاهيتها
وتقدمها ناتج
عن فائض
القيمة
التاريخي
الذي راكمته
إبان
استعمارها
المباشر لدول
الجنوب،
ولهذا لا يحق
لها، وفق منطق
الأشياء، أن
تحمّل دول
الجنوب مسؤولية
حل مشكل
يتجاوز إمكانياتها
وطاقاتها.
إنّ
إشكاليات
الهجرة لن تجد
حلا جذريا
بسياسة
القبضة
الحديدية وتسييج
الحدود، وإنما
بتضافر جهود الشركاء
من أجل إصلاحات
جذرية وعميقة
للأنظمة
السياسية
القائمة
بالدول المصدرة
للهجرة،
وبرسم سياسة
تنموية قادرة
على إعادة
الأمل وتوفير
شروط
الاستقرار
التي تساعد على
البقاء والتشبث
بالموطن الأصلي.
وفي انتظار أن
يتحقق ذلك
يتعين دوما أن
نتذكر بأنّ
الهجرة كانت،
على مدى
التاريخ،
عنصر مثاقفة
وإثراء متبادل،
ورافدا
للوفاق بين الثقافات.
إنها حركات
بشرية
بحمولات
إنسانية
وثقافية،
وذلك دعامة للشراكة
وللتقدم والتقارب.
إنّ
القراءة الهادئة
لإشكاليات الهجرة،
في إطار
الشراكة الأورو
– متوسطية، تفرض
علينا الاعتراف
بأنه إذا كان مطلوبا
من الدول المستقبلة
للهجرة احترام
حقوق الإنسان،
فإنه مطلوب أيضا
من الدول المصدرة
للهجرة أن تنتبه
لعطبها الداخلي
الذي يستدعي إصلاح
الهياكل والمؤسسات
والبرامج والمخططات
بخلق مناخ اجتماعي
وسياسي جديد، ذلك
أنّ الحل الداخلي
يظل الأكثر فعالية
عبر إعادة الاعتبار
للشأن الاجتماعي
بواسطة إنعاش فرص
الشغل وتنشيط الاستثمار
وتقليص التفاوتات
الاجتماعية وتوسيع
قاعدة
المشاركة في
الحياة السياسية.
تونس
في 20/5/2006
الدكتور عبدالله
تركماني
كاتب وباحث
سوري مقيم في
تونس
(*)
– في الأصل ورقة
قُدمت في إطار
ندوة "
العلاقات الأورو
– مغاربية
بين الشراكة
والجوار "
بدعوة من "
الجمعية التونسية
للعلاقات
الدولية "
ودعم من مؤسسة
" فريدريك إيبيرت
" الألمانية،
خلال يومي 22 و 23
مايو/أيار 2006 .