إشكاليات
الهجرة في
إطار الشراكة الأورو –
متوسطية (1) (*)
الدكتور
عبدالله
تركماني
الهجرة
ظاهرة
تاريخية ساهمت
في إعمار
الأرض، وهي
تلعب دورا
هاما في تلاقي
مجموعات
بشرية متنوعة
الثقافات،
مما يسمح بالتلاقح
الثقافي وببناء
حضارة
إنسانية
مشتركة. ولا
يقلل من هذا
الطموح كون
الهجرة في المرحلة
التاريخية
المعاصرة ذات
اتجاه واحد،
بسبب الأوضاع
السيئة في مناطق
كثيرة من
الدول
النامية،
ولانعدام
التوازن في العالم.
في هذا الإطار
تفاقمت مشكلة
الهجرة وخاصة من
الشمال الأفريقي
بوابة الجنوب
الفقير إلى أوروبا
غير الراغبة
في استقبال المزيد
من
المهاجرين،
بعد أن كانت
في حاجة ماسة إلى
اليد العاملة
المهاجرة لإعادة
إعمارها بعد
الحرب العالمية
الثانية.
وإذا
كانت بلدان
المنطقة الأورو
- متوسطية تتقاسم
طموح تحويلها
إلى فضاء
للسلم
والاستقرار
والرخاء
المشترك والحوار
بين الثقافات،
فإنّ هذا
الطموح يصطدم
بالعديد من
العراقيل. ذلك
أنه إذا كانت
المنطقة، لمدة
قرون، منطقة
مواجهة أكثر
منها منطقة
تعاون، فإنّ
ذلك لم ينفِ التلاقح الثقافي
الذي جعل منها
مهد حضارات
وثقافات
وإنتاج فكري
بامتياز.
وفي
القرن الواحد والعشرين،
يبدو أنّ
الظروف
اجتمعت لتحويل
المواجهة إلى
تعاون من أجل
التقدم
والتنمية. مما
يستوجب استقطاب
وتحفيز
مبادرات ومقاربات
أورو –
متوسطية تعطي الأولوية
للفاعلية
والتشاور بين
البلدان
المصدرة
للهجرة
وبلدان العبور
والبلدان المستقبلة.
لقد
أصبح موضوع الهجرة
في العقود الأخيرة
يحظى بأهمية كبرى
ضمن مختلف الدراسات
الأكاديمية واللقاءات
الدولية، ويشكل
محورا أساسيا للعديد
من الاتفاقيات
الثنائية والجماعية
بين الدول، وقد
أسهمت في ذلك التحولات
الدولية المتسارعة
المرتبطة بعولمة
الاقتصاد والسياسة
والثقافة والقيم.
فكيف
نقرأ هذه الظاهرة
في إطار
الشراكة الأورو
– متوسطية ؟ وكيف
نعيد تفكيك
عناصرها ؟ وكيف
نفهم أسئلتها المتعددة
و المتشابكة ؟
إنّ عملية إقامة
المهاجرين واندماجهم
الاجتماعي والسياسي
لا تناظر أي نموذج
وحيد صالح في كل
زمان، بل هناك
صيغ متنوعة على
قاعدة التبدلات
التاريخية
التي شهدها
العالم منذ
بدايات
تسعينيات القرن
العشرين، الأمر
الذي يستدعى بالتالي
أجوبة مغايرة.
إذ تؤكد التحليلات
المعمقة، بالاعتماد
على النقاشات الدائرة
في إطار " سوسيولوجيا
الهجرة "، بأنّ
العالم قد دخل
- أكثر من أي وقت
مضى - في عصر الهجرات
الدولية، حيث أنّ
العولمة بمثابة "
سبب " و " نتيجة
" لهذه الهجرات.
والإشكالية
تُطرح عندما
يتعلق الأمر
بكتل بشرية
كثيفة تملأ
الفضاء
الأوروبي،
وتصبح مطالبة
بحقها في
الاختلاف
الثقافي،
الذي ينعكس في
الملبس
والمأكل
والعادات وإقامة
مراكز
العبادة، أي
حينما يتعلق
الأمر بالمظهر
الخارجي
لوجود التنوع
الثقافي
المقبول
نظريا، ولكنه
يستقطب
الانتباه بل
يحث على التحرك
المضاد، على
حساب القيم الديمقراطية
المعمول بها
في أوروبا.
إنّ
الأمر يتطلب
نشوء ثقافة
جديدة، تقبل
الأجنبي
المستقر، لتحل
محل ثقافة
البلد ذي
اللسان
الواحد،
والدين الواحد،
واللون
الواحد، أي "
المواطنة
الثقافية ". وتطرح
الهجرة على
الدول الأوربية،
عموما، أن
تستعد لتقبل
أمر واقع،
يتمثل في التعدد
الأثني والثقافي،
لكن المسألة
لا تتم بيسر.
بالرغم مما يمكن
لخليط واعٍ
يجمع بين
الثروة
والتقنية،
اللتين توفرهما
أوروبا،
والقوى
البشرية لدى الجنوب
أن يجعل من الإقليم
الأورو -
متوسطي
الاقتصاد
الأكبر
والأكثر
ازدهارا في العالم.
أما حصر دول
أوروبا في إطار
مساحتها
الجغرافية فقط،
قد يؤدي إلى
ما يصفه خبراء
السكان بـ
" الانفجار
الغامض ". وفي
الوقت نفسه فإنّ
المناطق
الجنوبية
والشرقية من
حوض البحر
الأبيض
المتوسط ستظل
فقيرة تحمل في
أحشائها
قنبلة سكانية موقوته
تهدد
بالانفجار.
إنّ " المواطنة
الثقافية " تعني
حق الجماعات الفرعية
والأقليات في الاحتفاظ
بهويتها الثقافية
الخاصة حتى لا
يتم احتواؤها ودمجها
قسرا في الثقافة
العامة الرسمية
السائدة في المجتمع،
بشرط ألا يترتب
على ذلك عدم المشاركة
بشكل إيجابي وفعال
في مختلف أنشطة
الحياة والالتزام
التام بالقوانين
والقواعد الأساسية
المنظمة للحياة
العامة في الدولة.
والمهم هنا، فيما
يتعلق بـ
" المواطنة الثقافية
"، هو أنّ الاعتراف
بهذا التميّز الثقافي
وقبوله واحترامه
قد يكون عاملا
مؤثرا في إثراء
الثقافة الوطنية،
كما قد يحل كثيرا
من المشكلات الاجتماعية
التي تعانيها المجتمعات
الأوروبية من الأعداد
المتزايدة التي
تفد إليها من الخارج
والتي تنتمي إلى
ثقافات مختلفة
تريد الاحتفاظ
بها إلى جانب
تمتعها بحقوق والتزامات
المواطنة السياسية.
تُعد الهجرة
غير القانونية
مشكلة حقيقية،
وتحتاج دول
الشراكة الأورو
- متوسطية، من
جهة، إلى المزيد
من التعاون في
جهودها لوقف تلك
الهجرة، لاسيما
في اتخاذ إجراءات
صارمة ضد المهربين
والمتاجرين حيث
تقوم شبكات الجريمة
المنظمة باستغلال
الضعفاء، وتخريب
سيادة القانون.
ومن جهة
أخرى، إلى
حماية
المهاجرين
ومعاملتهم طبقا
للقانون
الدولي
الإنساني.
لقد امتدت
الحدود الأمنية
للاتحاد الأوروبي
من سواحل الضفة
الشمالية لحوض
البحر الأبيض المتوسط
نحو عمق صحاري
البلدان المغاربية،
إذ انفجرت في وجه
أوروبا خلال
العام 2005 أزمة الهجرة
غير الشرعية وما
واكبها من مأساة
إنسانية في مدينتي
سبتة ومليلية
بشمال المغرب،
حين قُتل أحد عشر
مهاجرا برصاص
قوات الأمن الأسبانية
خلال عمليات تسلل
جماعية ليلية.
إنّ
الهجرة السرية
صارت اليوم من
أكثر الأسئلة في
المشهد الأورو
- متوسطي، كما أنها
تعد السؤال الأكثر
إرباكا للحسابات
السياسية في ضفتي
المتوسط، فما من
لقاء حكومي أو
غير حكومي بين
الضفتين إلا وتلقي
الهجرة السرية
بظلالها عليه،
وفي ذلك مؤشر مباشر
على حساسية الموضوع
وقوته الرمزية
والمادية في صياغة
السياسات المستقبلية
وبناء العلاقات
الثنائية.
إن
جوهر المشكل
يكمن، بالأساس،
في الهوة
الكبرى بين
ضفتي المتوسط.
حيث تستقطب أوروبا
الموحدة
أفواج
المهاجرين،
ليس فقط من
بلدان جنوب
وشرق المتوسط
ولكن من أفريقيا
والشرق الأوسط
حيث تعتبر
بلدان الشمال
قوة جذب
موضوعية، وحيث
مداخيل
العمل أضعاف نظيراتها
في الضفة
الجنوبية. وفضلا
عن ذلك، فإنّ
في بلدان
الشمال طلبا
متزايدا على
اليد العاملة السرية،
حيث يفضل
العديد من
المشتغلين في
القطاع الخاص
الأوروبي قوة
اليد العاملة
المهاجرة
بطرق غير
قانونية لأنها
أرخص وغير
مكلفة فيما يتعلق
بالضمانات
الاجتماعية.
وفي
الواقع، تعود أسباب
هذه الهجرات الجماعية
غير القانونية
إلى مجموعة أسباب،
من أهمها:
(1) - يجدر
بنا أن نضع القضية
في إطار الوضع
الدولي الراهن،
حيث
تسود الفوارق
الاقتصادية بين
البلدان
المتقدمة
والبلدان
النامية، وتتدهور
الأوضاع الأمنية
والاقتصادية في
العديد من مناطق
الجنوب بعد أن
تعثرت مشاريع
التنمية، ويزداد
البؤس، وتتواجد
أنظمة ديكتاتورية،
وتوجد قضايا أقليات
ونزاعات إقليمية، إلى
جانب انتشار
الفقر
والبطالة
وحدوث الكثير
من الكوارث
الطبيعية
المتمثلة في
الزلازل
والفيضانات
والجفاف.
(2) - عصر العولمة، فكيف
يكون مستغربا أن
تتزايد الأسفار
في كل الاتجاهات
ولا تتطور في اتجاه
أوروبا ؟ وكيف
يكون طبيعيا أن
تنتقل البضائع
ورؤوس الأموال
ويُمنع البشر من
حق التنقل ؟ وكيف
يمكن أن ينتشر
التعليم وتنفتح
الفضاءات
الثقافية على بعضها
البعض من دون أن
يتجه الناس إلى
الالتقاء والتعارف
؟ وكيف تجتاز القنوات
التلفزية
الحدود ولا ينمو
في الناس حب الاطلاع
؟
هناك قلق
متزايد في
دول الاتحاد الأوروبي
من آلاف المهاجرين
الذين يعبرون البحر
المتوسط ليتسللوا
إلى أوروبا بطريقة
غير مشروعة. وتفيد
استطلاعات
الرأي أن
ظاهرة العداء
للأجانب في ارتفاع
مستمر في أوروبا،
لسببين
رئيسيين: أولهما،
كثرة الأخبار
السلبية حول
الهجرة السرية
والتوظيف
السياسي لها
من طرف بعض
الأحزاب اليمينية
المتطرفة. وثانيهما،
الأحكام
المسبقة لبعض
الأوروبيين
عن جيرانهم
الجنوبيين
المرتبطة
بمآسي التاريخ
المشترك
والتي تتغذى
يوميا من
المشاكل
الثنائية أو من
التورط في الإجرام
المنظم والإرهاب.
لقد عاش
العرب والمسلمون
عقودا طويلة يمارسون
عقيدتهم، وثقافتهم،
وطرائق أكلهم،
في وسط مجتمعات
مختلفة معهم دينيا
وثقافيا. لكن ما
يراه أغلب الرأي
العام الأوروبي
الآن هو أنّ تلك
التعددية
الثقافية قد أنتجت
" غيتوات "
معزولة، وبؤر تطرف
هامشية رافضة كلها
للمجتمعات التي
تعيش فيها، وتحقد
عليها، بل ومستعدة
للتآمر ضدها وضد
سكانها الأبرياء.
لذلك، يلحظ
الآن بروز نزعة
فقدت ثقتها بنظرية
التعددية الثقافية،
وصارت تدعو علانية
لصهر المهاجرين
والجاليات في هوية
البلد المضيف،
فإما أن يتبنوها
ويحترموها أو يغادروا
تلك البلدان.
ولعل
" الورقة
الخضراء "
التي أصدرها
المجلس الأوروبي
في 11
يناير/كانون
الثاني 2005 تبين أوجه
القصور في الرؤية
الأوروبية، إذ
تتضمن الورقة الخطوط
العامة لسياسات
الاتحاد الأوروبي
تجاه الهجرة، غير
أنها لم تتحدث
- في واقع الأمر
- سوى عن العمالة
الشرعية المهاجرة،
التي يحتاج إليها
السوق الأوروبي
لأسباب كثيرة بعضها
اقتصادي وبعضها
الآخر يتعلق بالطبيعة
الديمغرافية
لدول الاتحاد وتركيبة
السكان ونسبتهم.
وفي حين تولي الورقة
اهتماما كبيرا
لاحتياجات وأولويات
سوق العمل الأوروبي
فإنها لا تشير
إلى أسباب ودوافع
الهجرة من دول
الجنوب إلى أوروبا.
إضافة
إلى أنّ غالبية
المشروعات التي
طُرحت لـ " مكافحة
" الهجرة غير الشرعية
تركز علي الجانب
الأمني، فمثلا
مشروع إنشاء معسكرات
لاحتجاز طالبي
اللجوء والمهاجرين
غير الشرعيين على
شواطئ الدول المغاربية،
وغير ذلك من برامج
الدعم المالي والتقني
لحكومات هذه
الدول لحراسة الحدود
البحرية والبرية،
وكذلك للحد من
العبور بشكل غير
شرعي. ومن
المؤكد، أنّ مثل
تلك المشاريع،
علي الرغم من أهميتها،
لا يمكن أن تكون
الوجه الوحيد للتعاون
بين دول الاتحاد
الأوروبي وبين
حكومات جنوب المتوسط.
ومما لاشك
فيه أنّ حكومات
البلدان التي ينطلق
منها المهاجرون
تتحمل مسؤولية
أساسية عن مأساة
المهاجرين، إذ
أنّ إخفاق أنماط
التنمية التي انتهجتها
وعجزها عن تحديث
المجتمع وتأمين
الحياة الكريمة
لأبنائه هي الأسباب
الكامنة وراء الإصرار
على الهجرة بأي
ثمن ومجابهة مخاطر
الموت عطشا أو
غرقا. كذلك أفرزت
أزمة النظام التعليمي
عشرات الآلاف من
الشباب العاطلين
الذين يعيشون قسوة
التهميش ومرارة
الضياع فيفضلون
أي " حل " على البقاء
في ذل البطالة.
ولعل
ما ورد في
وثيقتي "
مدونة سلوك أورو –
متوسطية ضد
الإرهاب " و "
برنامج عمل
على مدى خمس
سنوات "
الصادرتين في
ختام قمة
برشلونة بمناسبة
الذكرى
العاشرة
لانطلاق
الشراكة، يساعد
على تحمل المسؤولية
المشتركة،
حيث تعهد الشركاء
في مدونة
السلوك علـى " تشجيع
فرص الهجرة الشرعية
" والتعاون لـ
" خفض مستوى الهجرة
غير الشرعية إلى
حد كبير ". وأضافت
الوثيقة أنه سيجري
إعداد " آليات تعاون
عملية " بهدف " إدارة
حركات تدفق المهاجرين
بصورة إنسانية
"، و " تقديم المساعدة
للبلدان الأصلية
وبلدان العبـور
"، إلا أنها لم
تقدم إيضاحات عن
المساعدات المالية.
وإلى
ذلك يدعم الشركاء
مشروع " المؤتمر
الأورو - أفريقي
حول الهجرة " المفترض
تنظيمه في الصيف
المقبل بالمغرب.
تونس
في 20/5/2006
الدكتور عبدالله
تركماني
كاتب وباحث
سوري مقيم في
تونس
(*)
– في الأصل
ورقة قُدمت في
إطار ندوة "
العلاقات الأورو
– مغاربية
بين الشراكة
والجوار "
بدعوة من "
الجمعية التونسية
للعلاقات
الدولية "
ودعم من مؤسسة
" فريدريك إيبيرت
" الألمانية،
خلال يومي 22 و 23
مايو/أيار 2006 .