هل
تُصلح
الثقافة ما
أفسدته
السياسة؟
عمر
كوش
أن
يُعتقل
الإنسان
لرأيه الفكري
أو السياسي هو
أمر ليس
بجديد، لكن
الجديد هو أن
يعرب أدونيس
عن خيبة ظنه
في النظام
السوري، وذلك
في تحيته
الموجهة
للمفكر
والمثقف
النقدي ميشيل
كيلو، والتي
يطالب فيها
السلطات
السورية
بالعمل على
إطلاق سراحه،
<لا احتراماً
للإنسان وحقوقه
فحسب، وإنما
كذلك
احتراماً
لسوريا، ووفاء
لتاريخها
الأبجدي
العظيم>.
نعم يا
شاعرنا
الكبير هناك
ما يدعو إلى
الخيبة والقلق
والحيرة،
خصوصاً أن
الاعتقالات
تطاول مثقفين
معروفين
بحبهم للوطن،
وباعتدالهم في
الطرح والرأي.
نشاطهم
سلمي وعلني،
وجريمتهم هي
توقيعهم
إعلان <بيروت
دمشق دمشق
بيروت>، الذي
يعبّر عن حراك
مدني، يطالب
بتصحيح الخلل
الذي أصاب
العلاقة ما
بين بلدين
شقيقين وفقاً
لمصالح
الشعبين.
وبعكس ما
هو معروف عن
السجن، من أنه
المكان
المخصص لمعاقبة
المجرمين من
قتلة ولصوص
ومرتكبي الأعمال
الشائنة
وسواهم، فإنه
صار في
البلدان العربية
مكاناً يحتجز
فيه أصحاب
الرأي المعارض
والفكر
المختلف. وبات
تعبير <سجناء
الرأي>
مصطلحاً
عربياً
بامتياز، إذ
تحول إلى
مفهوم مركب،
غير صلب أو
غير مقيد بلغة
أصحاب ما بعد
الحداثة،
يمتد ليشمل معتقلي
الضمير
ومعتقلي
الفكر
ومعتقلي
الكلمة،
ويمكن أن نضع
في مركباته كل
من يسجن بسبب
<جريمة رأي!>،
أي بسبب
اختلافه
بالرأي مع ما
تقوله النخب
الحاكمة، أو
كل من يسجن
بسبب عدم
اتفاقه، بل
عدم تطابقه،
مع ما يريده
الحاكم
العربي الذي
تحول إلى
شخصية
ميتافيزيقية،
قولها فوق قول
الجميع، وله
ما طاب من
الثروات
والامتيازات،
ومن العباد
والدواب.
لقد وقف
المثقفون
النقديون في
كل من سوريا
ولبنان أمام
الزمن العربي
الملعون،
وتناثرت أمام
أعينهم صور
الخراب
والهزائم والخيبات،
وهم لا يملكون
غير قلم جريء،
وصوت نقدي
شجاع، وفكر
انخرط أصحابه
في قضايا هذا
العصر العربي
العسير. العصر
الذي تسيدته
نظم الشمولية
وزعامات
الحرب ومروجو
الهويات الضيقة،
وأنتجت
صنوفاً من
الاستبداد
والاستتباع
غير مسبوقة،
وتنازعت فيه
مختلف النعرات
والتحزبات
والانتماءات العصبوية والماقبل
مدنية. عصر
مشغول بانتاج
الفساد
والخراب
والهزائم
والانكسارات،
ويتمسك فيه
الحيّ
بتلابيب
الميت.
نعم، وقف
المثقفون
ليقولوا
كلمتهم بعدما
وصلت
العلاقات
السورية
اللبنانية الى ما
وصلت إليه
اليوم، فكان
لا بد من
قولهم الرامي
إلى تصحيح هذه
العلاقات، كي
لا يحتكر السياسي
الحقل العام
وحده، ويوظفه
حسب ما يريد. بالرغم
من اعتقادي
بأن الثقافة
لا يمكن أن
تصلح ما
أفسدته
السياسة في
شرط لا يجيز
ذلك، لكن هل
يمكن الهروب
من الجدلية،
ومن التبعات العلائقية؟
وهل يفيد
في هذا المجال
الانحياز إلى
السلب مَخرجاً،
مع أن الرغبة
تأتي من مكان
وتتسرب هاربة إلى
مكان آخر،
مشيرة إلى
الممكن
والمحتمل والمرغوب؟
ربما، من
مأساة المثقف
أن يعيش في
مجتمع يحاصره
ويلصقه بالكل
السياسي والاجتماعي
المتجاوز
للأفراد. فأي
دور للمثقف في
مجتمع لا
تتحول فيه
الثقافة إلى
علاقة مدنية
مجتمعية،
تنتج
المفكرين
والمثقفين
والفلاسفة،
وتعترف
بدورهم
النقدي
الحرّ، على
مسافة تفصلهم
من مجتمع كلياني
غارق في
المسموح
والممنوع
والكلي
والمؤجل، وغارق
أكثر في إلغاء
الحاضر،
إلغاء <الهنا
الآن>.
وتبرز
المفارقة عن
الكيفية التي
يعمل فيها المثقف
في مجتمع
تحكمه نخبة
كارهة
للثقافة، بل
تلاحق
المثقفين،
قصد تهميش
أدوارهم وتمثيلاتهم،
الأمر الذي
ينتج
اضطراباً لا
مفرّ منه، يمسّ
أسئلة نظرية
كثيرة عن
التسامح
والتبادل والحوار
المجتمعي واستعادة
التنوير
والهوية
الثقافية
وسواها.
لقد رأى
المثقفون أن
واقع الحال
يشهد على أن تأزم
العلاقات
السورية
اللبنانية
غير مرتبط بمؤامرات
القوى
الخارجية، بل
هو نتيجة لنهج
خاطئ طبق على
مدى عقود
عديدة، وأنتج
ممارسات خاطئة
أفضت إلى
انهيار
العلاقات
التاريخية <المميزة>
بين لبنان
وسوريا. وهذا
لا يعني انتفاء
المؤامرات
والتدخلات
والضغوطات
الخارجية،
وانتفاء
الأجندة
الأميركية
التي تريد أن
تحول
كياناتنا إلى
مجرد دويلات تتواشج مع
المخططات
والخرائط
الأميركية
التي لا تعنى
بغير المصالح
الأميركية
والإسرائيلية
وبسبل
حمايتها واستمراريتها.
لكن العامل
الذاتي هو
العامل
المحدد
لكيفية حماية
الداخل
وتوفير
القدرة له
لمواجهة كافة
تحديات قوى
الخارج.
لا يمتلك
المثقف سوى
طاقة فكرية
متميزة، تتخطى
السياسة إلى
مقام الفكر
والتشييد
المؤسس على
الخلخلة
والمساءلة
والحفر، وهي
تقاليد نادرة
في بلداننا،
لم تنتجها
السياسة ذات
اللون الواحد
والحزب
الواحد
والفكر
الواحد، ولا
ثقافة زعامات
الكيانات
الضيقة
والفرق
المتناثرة،
لذلك فإن
عملية ملاحقة
المثقفين هي
ضربة موجهة للفكر
ولما بقي من
السياسة في
بلداننا،
وتدلّ على
انتفاء
الشعور بالحس
العام والعمل
المشترك، وبمفهوم
المواطنة
والوطن
والدولة.