الدولة
الإسلامية
حسين العودات
إن من
الشرائع التي
جاء بها
الإسلام ما
يتغير ويتبدل
مع تغير
الأزمان وتبدل
الظروف
والمناسبات
حسن الهضيبي
(دعاة لا قضاة)
نحاربهم على
التأويل كما
حاربناهم على
التنزيل
عمار بن ياسر
لم يقل
الإسلام
بالخلافة أو
الدولة، ولم
يحدد
للمسلمين نوع
النظام
السياسي الذي ينبغي
أن يعيشوا في
ظله، وترك
الأمر
للمؤمنين،
لأن الله
استخلف
الإنسان في
الأرض وحمّله مسؤولية
عمارة الكون
وإدارة شؤون
الحياة على
أسس الحق
والعدل
ومصالح الناس
(وإذا قال ربك
للملائكة إني
جاعل في الأرض
خليفة)
(البقرة: 30). وجاء
الإسلام
إضافة
للعبادات
بمجموعة قيم
إنسانية عليا
على رأسها
العدل
والمساواة
والحق واحترام
حياة الأفراد
والتراحم بين
البشر والتآخي،
وأنزل عليهم
الكتاب (منه
آيات محكمات هن
أم الكتاب
وأخر
متشابهات) (آل
عمران: 7). وأربعة
أخماس الآيات
متشابهات
وقابلات للتأويل
والتفسير
الذي يختلف من
زمان إلى زمان
ومن مكان إلى
مكان، حسب
أدوات
التأويل ومستوى
وعي القائم به ومصالح
الناس
المرسلة
والقياس
وإجماع الفقهاء،
وما شابه.
كان الرسول (ص)
في أيام حياته
هو الذي يقوم
بالشرح
والتفسير
للمسلمين
ويمارس
العبادات، وقد
سميت أقواله
وأفعاله
<السُّنة>،
ولم توجد
مشاكل أو صعوبات
أيام الرسول
لا في فهم
الدين ولا في
ممارسة
العبادات ولا
أخيرا في
تطبيق
الأحكام في الحياة
اليومية، لأن
وجود الرسول
بين الناس كان
كافياً لحل أي
إشكال وإيضاح
أي مبهم. وقد
بدأت المشكلة
تنمو منذ يوم
وفاة الرسول
حيث بدأ
المؤمنون
يؤولون آيات
القرآن
ويفسرونها
حيث لم يعد
بينهم وبين
الله من واسطة
أو وحي فتعددت
التفاسير،
وأخذت النصوص
من سياقها وأطلقت
خصوصية السبب
على عموم
النص، وأخذ كل
يحتمي بالدين
ليحقق مصالحه
الدنيوية
ويبحث فيه عما
يرضيه ويطلق
الأحكام
ويروي
الأحاديث مجتزأة
من سياقها
وأسبابها
وظروفها
ويحولها إلى أحكام
عامة ويزوّر
الأحاديث في
بعض الأحيان خاصة
أن قسما كبيرا
منها (وبعض
المؤرخين
يراها كلها)
لم تكن مدونة
ولم تدون سوى
بعد قرن من هجرة
الرسول.
على أي حال
بدأ الخلاف
حول مفهوم
الدولة ووظيفتها
وشؤونها
ومهماتها منذ
الساعات
الأولى لوفاة
الرسول، حيث
اختلف المسلمون
في السقيفة
(مكان
الاجتماع) على
من يكلفون
بقيادتهم
وعلى طريقة
اختياره وحجم
مهماته،
وكادت تحدث
فتنة إلى أن
حسمت بتكليف
أبي بكر
بخلافة
الرسول
الدنيوية،
ولعل ما جرى
في السقيفة
يؤكد أن
الخلافة ليست
دينية بل
اختيار بشري،
واستطراداً
فإن الإسلام
لم يحدد نظام الحكم
لدى
المسلمين،
ولعل هذا ما
شجع علي عبد الرزاق
ليقول (والحق
أن الدين
الإسلامي
بريء من تلك
الخلافة التي يتعارفها
المسلمون،
وبريء من كل
ما هيأوا
حولها من رغبة
ورهبة، ومن عز
وقوة،
والخلافة ليست
في شيء من
الخطط الدينية
ولا القضاء
ولا غيرها من
وظائف الحكم
ومراكز
الدولة، إنما
تلك كلها خطط
سياسية صرفة لا
شأن للدين بها،
فهو لم يعرفها
ولم ينكرها،
ولا أمر بها
ولا نهى عنها،
إنما تركها
لنا لنرجع
فيها إلى
أحكام العقل،
وتجارب الأمم
وقواعد
السياسة). ولأن
الحياة معقدة
وحاجات المجتمع
عديدة
ومتشابكة،
وبسبب توسع
الدولة الإسلامية
وإدارتها
لمجتمعات
جديدة وأمم جديدة
واختلاطها
بثقافات
جديدة، اضطر
العرب بعد
وفاة الرسول
إلى بناء
نظامهم
السياسي والاجتماعي
محتمين
بالدين
الإسلامي
ومستظلين بمظلته،
وملتجئين إلى
شرعته،
فأخذوا يجتهدون
ويقيسون الأحداث
اللاحقة
بالأحداث
السابقة
ويؤولون النصوص،
ويتفقهون،
ويبنون شريعة
إسلامية تستجيب
لحاجات
المجتمع
ومصالح الناس
في ضوء رؤيتهم
وفهمهم
لتعليمات
العقيدة
ونصوص القرآن
وأحاديث
الرسول
وممارساته
(السنة). وهكذا
ومع تعقد
الظروف
وحاجات
المجتمع
وتطوره (كان سكان
المدينة سبعة
آلاف وبعد
سنين صارت
عاصمة لبلدان تمتد
من شمال
أفريقيا إلى
وسط آسيا)
تراكمت تعاليم
الشريعة
وأحكام
الفقهاء
الذين تحولت اجتهاداتهم
مع الزمن إلى
أحكام شرعية،
وغالى بعضهم
فأعطى
الأولوية
للحديث على
القرآن. مع أن
القرآن قطعي
الثبوت
والحديث ليس
كذلك، فما
أكثر
الأحاديث
الضعيفة
والمزورة،
وامتهن بعض
الفقهاء
التبرير
للسلاطين
والحكام، وغالى
الحكام
فأسبغوا
الشرعية
الدينية على
أنفسهم
وأنظمتهم،
وزعموا حماية
الإسلام
وسخّروا
الفقهاء
لإيجاد
المبررات
الشرعية،
وهكذا قامت
أنظمة حكم لا
علاقة
للإسلام بها
ولكنها تحدثت
باسمه، ومع
الزمن صار
يقال نظام
الحكم
الإسلامي أو
الدولة
الإسلامية أو
ما شابه ذلك،
والحال أن
الإسلام لم
يحدد لا مفهوم
الدولة ولا
نظام الحكم
ولا وظائفها
ومهماتها
وأدواتها،
وما جرى في
زمن الرسول لا
يصح من حيث
المبدأ إسباغه
على ما بعده،
فدولة الرسول
هي دولة الشرع
الآتي
بالوحي، وما
بعدها دولة
الناس الذين يختارون
فيخطئون
ويصيبون
ويغيرون
ويبدلون حسب
تغير الظروف
والأحوال
وهذا أمر
طبيعي، وقد
تأخر تأطير
أنظمة الحكم
بأطر شرعية
شاملة أكثر من
أربعمئة
عام بعد وفاة
الرسول، حيث
قام الماوردي
بوضع كتابه في
الحكم في
القرن الخامس
الهجري وأسس
فيه لما سمي
في ما بعد
(الأحكام السلطانية).
لقد وُجدت
الخلافات بين
المسلمين حول
الحكم منذ
اليوم الأول
لوفاة الرسول،
ومات ثلاثة
خلفاء راشدين
قتلاً، وتحول
الحكم إلى
وراثي بعد علي
بن أبي طالب،
ثم إلى مُلك عضوض منذ
زمن معاوية،
وبقي كذلك حتى
سقوط دولة (الخلافة)
العثمانية،
بغض النظر عن
ظلم خلفاء وحكام
وعدل آخرين،
فذلك لا يغير
من نظام الحكم
شيئاً، والذي
لا ينبغي
إطلاق اسم
الإسلامي
عليه لأن
الإسلام كما
أشرت لم يحدد
نظام حكم
بعينه مع
آلياته
وأدواته
واكتفى بالتأكيد
على جملة من
القيم
الرفيعة وعلى
رأسها
العدالة.
عندما نشأت
الحركات
الإسلامية
الحديثة على أيدي
المتنورين من
علماء المسلمين
في نهاية
القرن التاسع
عشر كانت
حركات دعوية
تنويرية
تجديدية سواء
تجاه الخطاب
الإسلامي أم
الفقه
والشريعة، ثم
ساهمت هذه
الدعوات في
قيام حركات
دعوية منظمة
في بداية
الربع الثاني
من القرن
العشرين
ممثلة بحركة الاخوان
المسلمين في
مصر ثم في
البلدان
العربية الأخرى،
وكانت في مطلع
تأسيسها
تقتصر على
العمل والنشاط
للعودة لصحيح
الدين وتجديد
الخطاب الديني
وإبعاده عما
تراكم عليه من
تفسيرات وتأويلات
خاطئة
وممارسات
شاذة، ثم ما
لبثت هذه الحركات
أن بدأت تنتقد
ظلم الحكام
وفسادهم من
دون أن تطرح
برامج شاملة
سياسية
واقتصادية واجتماعية
ومن دون ان
تتحول إلى
أحزاب سياسية
صريحة، وبقيت
حركات دعوية
إصلاحية تدعو
لتجديد الدين
والتمسك به
والأخذ بقيمه
العليا
وتعليماته،
وأخذ بعض قادتها
ومفكريها
يرون أنه لا
بد من التدخل
بالسياسة
والعمل على
إقامة نظام
يهتدي
بالإسلام
ويعتبره
المرجعية
الأساس. وتزامن
هذا مع بداية
استقلال
البلدان
العربية،
ومحاولات
إقامة الدولة
الحديثة
المبنية على
معايير
المواطنة
كمرجعية
وحيدة للدولة
المعاصرة
ومعايير
المساواة
والحرية والعدالة
وتكافؤ الفرص
وفصل السلطات.
وكان لا بد للحركة
الإسلامية من
أن تطرح
مفهومها
البديل عن
الدولة
وماهيتها
ووظائفها،
فأخذت في
المراحل الأولى
(الأربعينيات
والخمسينيات
من القرن الماضي)
تحاول
المزاوجة بين
مفاهيم
الإسلام ومفاهيم
الدولة
الحديثة، بل
تقيس مفاهيم
الحاضر
بقوانين
الماضي،
وتفسر
الاصطلاحات
الجديدة
بمثيلات لها
وردت في
القرآن
الكريم أو السنة
أو أقوال
الفقهاء
لتؤقلم
الحاضر مع
الماضي وتضعه في
قالب الماضي
أو تضع الماضي
في قالب
الحاضر لتثبت
أن الإسلام
دين ودولة
وأنه أيضاً له
مفهومه
ومعاييره
المتعلقة
بالدولة
والنظام السياسي،
فقالت
بالشورى
بديلاً عن الديموقراطية،
وبالقرآن
بديلاً عن
الدستور،
وأخذت تنبش أمثلة
وأقوالاً من
عمق التاريخ
وتلجأ إلى
آيات وأحاديث
لتثبت أن
الدولة
الإسلامية
قامت منذ نزول
الوحي وأنها
مكتملة
الشروط
والمعايير
وقابلة
للتطبيق في
عصرنا. وبطبيعة
الحال كانت
توجد دائما
تنوعات في
مفاهيم هذه الحركات
تزيد أو تنقص
حسب البلدان
والظروف، ولكن
معظمها إن لم
تكن كلها
اتخذت شعاراً
لها (الإسلام
هو الحل).
أزعم أنه لم
تقم دولة
إسلامية بعد
الرسول، ولكن
الأنظمة التي
أقامها
المسلمون
أسبغت الشرعية
الدينية على
نفسها وزعمت
حماية الإسلام
والمسلمين
وسخّرت عديدا
من الفقهاء
لإيجاد
المبررات
الشرعية
لممارساتها،
ولكنها
دائماً لم تقم
بأمر قرآني أو
ديني وإنما
بترتيبات
بشرية
واحتياجات
مجتمعية
سياسية واقتصادية،
أما دولة
الرسول فهي
دولة الشرع
لا دولة
الشخص، وكان
يطبق الشرع
معتمداً على
القرآن
والوحي وهو ما
لم يتسن للحكام
الآخرين
وفقهائهم
الذين وصلوا
إلى مرحلة
إلغاء
الاجتهاد وقرروا
أن (من غلب
بالسيف حتى
صار خليفة فلا
يحل لأحد يؤمن
بالله واليوم
الآخر أن يبيت
ولا يراه
إماماً براً
كان أم
فاجراً)،
وقالوا على لسان
الرسول (من
أطاع أميري
فقد أطاعني
ومن عصى أمري
فقد عصاني)،
وكثيرا من
الأحاديث
الماثلة.
إن هذه
المقولات
تتطلب من
الحركات الإسلامية
تبني جملة من
الأفكار
والممارسات
بشكل صريح لا
لبس فيه على
رأسها:
أولاً: أن
تتحول إلى
أحزاب سياسية
لها برامجها
وأهدافها
ووسائلها
وتنظيماتها،
وان تعزف عن
وضعها الحالي
حيث تعتبر
نفسها حركات
دعوية تلبس
أحياناً
ثوباً
سياسياً.
ثانياً:
أن تقبل إجراء
دراسة نقدية
وجدية معمقة
للفقه
الإسلامي
وللتراث
وللأحاديث
النبوية
وللأحداث
التاريخية،
وخاصة أحداث
القرن الهجري
الأول.
ثالثاً:
أن تشرح ماذا
يعني شعار
(الإسلام هو
الحل). هل هو
خلاص فردي أم
حل سياسي أم
اجتماعي أم
ثقافي أم
اقتصادي، وان
لا تبقيه
شعاراً عاماً
غير محدد
المعالم
والأهداف
باستثناء
خاصيته الجاذبة
للعامة
ولجماهير
الناس التي
تخلط بينه
كشعار ديني
وشعار سياسي.
رابعاً: أن
تشرح للناس
معنى أن
الإسلام هو
المرجعية
الأساس
للدولة أو
المرجعية
الرئيسية،
كما تشرح
مضمون الدولة
حسب مفهوم هذه
الحركات
ومعاييرها
ووظائفها
ومهماتها
ودورها
الاقتصادي
والاجتماعي.
إن
النجاحات
التي حققتها
الحركات
الإسلامية في
العام الفائت
تلزمها بطرح
وجهات نظرها
وبرامجها
السياسية
والاقتصادية
والاجتماعية بشكل
واضح ومفصل،
وان تقلع عن
الاحتماء
بشعار
(الإسلام هو
الحل).
(?) كاتب وناشر
سوري