"كليرستريم" كأنها من يومياتنا "المتخلفة" !!

فيصل جلول

 

 

كليرستريم” اسم جديد لفضيحة سياسية فرنسية لا يتردد معلقون كثر عن تصنيفها في خانة وحجم “ووترجيت” الأمريكية. الاسم يعود إلى شركة مالية مقرها دوقية لوكسمبورج المجهرية في حجمها السكاني والجغرافي بالقياس مع دول غرب أوروبا والأولى في مستوى الدخل الفردي في العالم، إذ يصل إلى 66 ألف دولار. مختصر تفاصيل الفضيحة أن واشياً مجهول الهوية يسمى بالفرنسية “غرابا” كشف النقاب عن حسابات سرية مكتومة عن مصلحة الضرائب ومودعة بأسماء عدد من المسؤولين الحاليين والسابقين في فرنسا. ويوحي “الغراب” أن بعض هذه الأموال ربما يكون وافدا من صفقة “فرقاطات” فرنسية أبرمت مع تايوان في عهد الرئيس الراحل فرانسوا ميتران، وتبين أن عمولاتها وصلت إلى حوالي 500 مليون دولار. ويؤكد “الغراب” كما تشير معلومات منشورة في وسائل الإعلام المحلية، أن شخصيات سياسية من الدرجة الأولى تورطت في هذه الفضيحة من بينها وزير الداخلية الحالي نيكولا ساركوزي ووزير الداخلية الاشتراكي الأسبق جان بيار شوفنمان ورئيس الوزراء الأسبق لوران فابيوس، فضلاً عن المرشح الاشتراكي للرئاسيات دومينيك ستروس كان وآخرين. بيد أن روايات أخرى تشير إلى لوائح مزورة منسوبة لهذه الشركة وأخرى صحيحة لا تحتوي على اسم ساركوزي الذي أدرج للنيل من سمعته، وبالتالي قطع الطريق على ترشيحه لرئاسيات العام المقبل. رغم ذلك لم يخرج هذا الأخير سالما من الفضيحة، ذلك أن معلومات متطابقة تشير إلى معرفته بتفاصيلها منذ وقت مبكر، وانه كان عليه بحسب القانون أن يحيط القضاء علما بمعلوماته عنها.

الأخطر في هذا الجانب كشف النقاب عنه عميل المخابرات الخارجية الفرنسية المتقاعد فيليب روندو، حيث يتبين أن الرئيس شيراك شخصيا ووزيره الأول دومينيك دو فيلبان أمرا بالتحقيق في لائحة حسابات المصرف المذكور قبل عامين للنيل من ساركوزي وحجبا الأمر عن القضاء، فضلاً عن جهاز المخابرات الخارجية المختص بهذا النوع من القضايا.

كان يمكن ل “كليرستريم” أن يظل اسماً لمؤسسة مصرفية تدار برساميل ألمانية غالبة وتتمتع بشهرة عالمية في حقل اختصاصها لولا خطأ عابر واستحقاق سياسي. أما الخطأ فيتمثل في سوء المعاملة التي تعرض لها الجنرال فيليب روندو، فقد أزيح من منصبه في وزارة الدفاع بطريقة غير لائقة ومن دون وداع يستحقه بحسب صحيفة “لوكنار أنشينيه”. فكان أن تصرف بما يعرفه عن هذه القضية مستندا إلى اللبناني عماد لحود خبير المعلوماتية وعميل المخابرات الخارجية الفرنسية، بل وارث العلاقة مع روندو عن صداقة أبيه مع بيار روندو الأب مؤسس جهاز المخابرات السوري اللبناني في عهد الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان. هكذا عثر لحود على قائمة المودعين الفرنسيين في “كليرستريم” وسلمها إلى روندو الذي وضعها بتصرف القضاء وسرب على هامشها ما يعرفه من معلومات حول تورط الرئيس جاك شيراك ووزيره الأول دومينيك دو فيلبان في تدبير هذه القضية منذ العام 2004.

أما الاستحقاق السياسي فيتمثل في السباق على رئاسيات فرنسا العام المقبل، وحرص الرئيس الفرنسي على قطع الطريق أمام وزير داخليته المستعجل منذ أكثر من عقد لاحتلال كرسي الاليزيه، ومن دون تدقيق في الوسائل بما في ذلك خيانة عرابه شيراك وبالتالي دعم رئيس وزرائه الأسبق والمنشق ادوار بلادور في رئاسيات العام 1995.

يبقى وجه آخر ل “كليرستريم” يعنينا نحن أبناء العالم الموصوف بالتخلف قياسا إلى تقدم “أساتذتنا” الغربيين في النأي عن الفساد واعتماد الشفافية وارتفاع سقف الأخلاق في العلاقات السياسية، إذ يتبين من تفاصيل الفضيحة، أن حدود التقدم والتخلف بيننننا وبينهم متداخلة إلى الحد الذي يسمح بالحديث عن مساواة في الفساد وأساليب إساءة السمعة وتدني المعايير الأخلاقية في العمل السياسي، مع فارق في طرق ووسائل الخروج من “الفضيحة”. فعندهم يتم اللجوء إلى القضاء الذي يتولى أمر المتورطين وإلى وسائل الإعلام التي تجعل الفضيحة حدثا عابرا وتحصرها في مرتكبيها وتعتبرها استثناء عن القاعدة، وعندنا تصبح الفضيحة وغالبا بضغط من “أساتذتنا” المحترمين دليلا على فساد بنيوي خليق بالحضارات المتخلفة وحدها.

إن الباحثين عن دليل آخر على إزدواجية المعايير في العلاقات الدولية يسيل لعابهم هذه الأيام مع كل تفصيل جديد يتسرب عن هذه الفضيحة. فبعد التعامل الدولي بمكيالين في قضايا الحرب والسلام وحل الأزمات العالمية، تؤكد قضية “كليرستريم” أن المعايير المزدوجة تطال النظام الغربي في كافة وجوهه وأنشطته، وبالتالي تحتاج الشعوب الغربية إلى كل تلك المنظمات والجمعيات غير الحكومية التي ترسلها إلى بلداننا لمكافحة الفساد وتعميم مبادئ الشفافية وإلقاء الدروس علينا في مجالات الحكم الصالح، وتبشيرنا بقواعد النزاهة المتداولة افتراضا في الغرب.

في مسرحيته الشهيرة “شاهد ما شفش حاجة” يكتشف عادل إمام أن ضابط التحقيق في اغتيال الراقصة لا يعرف أكثر مما يعرفه هو عن هذه القضية ويتساوى معه في الجهل فيخاطبه قائلاً: “تعال اقعد جنبي يا احمد دانتو طلعتوا أي كلام يا راجل”. قبل “كليرستريم” وبعدها كنا نعرف أن “أساتذتنا” الغربيين هم “أي كلام” في مجال الشفافية والفساد السياسي، لكننا مازلنا نخشى مخاطبتهم على طريقة عادل إمام فهل نفعل ومتى؟ الإجابة عن هذا السؤال تعادل تحطيم الهرم النفسي الذي ينتصب بيننا وبينهم، أقله في هذا النوع من القضايا