اعتقال ميشيل كيلو بتهمة الولاء لسورية

حكم البابا  القدس العربي

لو وقف أي مدع عام أو قاض سوري أمام ضميره لحظة قبل أن يوجه تهمة إلي ميشيل كيلو، فلن يجد تهمة مناسبة للرجل الموجود الآن في أحد فروع المخابرات السورية أكثر من حب سورية، وإذا كانت هذه تهمة تستوجب أنواعاً مختلفة من الأحكام القاسية أو المخففة قياساً لدرجة هذا الحب، فإن ميشيل كيلو يستحق ـ بحسب معرفتي بدرجة حبه لسورية ـ حكماً بالمؤبد أو الاعدام.
مايحدث في سورية اليوم هو تطبيق عملي للأفكار السوريالية، يتجاوز خيال سلفادور دالي، فبينما توضع الشروط التعجيزية لمثول ضابط مخابرات مثل رستم غزالة أمام لجنة التحقيق الدولية، وتجري مفاوضات شاقة (لو أرهقت سورية نفسها بمثلها حول الجولان لكانت استعادته) من أجل تأمين استجواب مرفه له في فيينا، من سفر وإقامة ومحامين وحقوق وتحديد تاريخ العودة وعدد جلسات التحقيق، يعتقل ميشيل كيلو في فرع مخابرات بدون أية حقوق، ومحاميه الوحيد دعوات عائلته وقلق أصدقائه، وقد لايجد كرسياً يجلس عليه، وعليه أن يسمع مرغماً محاضرات لمجموعة جلادين في كيفية رؤيتهم للاصلاح، أو فهمهم للنقد البناء والنقد الهدام، أو تنظيراتهم في القومية والاشتراكية، فضلاً عن جهله بموعد عودته إلي بيته، إن لم نتخيل الأسوأ، فإذا لم تكن السوريالية هي دفاع سورية المستميت عن حقوق ضابط مخابرات مشتبه به في جريمة قتل سياسية، وهدرها لحقوق وكرامة كاتب وطني وناشط ديمقراطي، فماهي السوريالية إذاً؟
أليست سوريالية أن يقضي ميشيل كيلو أكثر من نصف عمره وهو يعمل بالشأن العام، وكل ثروته التي جمعها تقدر بعدة سنوات من السجن، وليالي طويلة من الخوف، واتهامات بالخيانة والعمالة تنشر تعقيباً علي مقالاته في المواقع الالكترونية الموالية للسلطة في سورية، بينما يعين أي مدير عام أو وزير لمدة لا تتجاوز السنة ليخرج بعدها بأراض وسيارات وفلل وأرصدة في بنوك تمتد من خط الاستواء إلي القطب الشمالي؟!
كل شيء في سورية يشعرك بأنك تعيش في عالم سوريالي، فبدلاً من أن يحاسب كبار رجال الاعمال المقربون من السلطة والذين نهبوا سورية، يحكم علي النائب السابق رياض سيف بالسجن خمس سنوات لأنه طالب بمحاسبته، وبدلاً من أن يعاد الاعتبار للدكتور عارف دليلة الذي اكتشف فساد حكومة محمود الزعبي الرشيدة ـ كما كانت تسمي ـ قبل أن يكتشفها النظام السوري، فطرد من عمله في كلية الاقتصاد، يقضي الدكتور عارف دليلة اليوم حكماً بالسجن لمدة عشر سنوات في أحد السجون، وفي كل يوم تصدر محكمة أمن الدولة في سورية حكماً علي ناشط ديمقراطي، لاترقي أية مقالة لمحمد الماغوط إلي كوميديته السوداء، ففلان يحكم عليه بتهمة محاولة تغيير الدستور بالقوة، وعلان يحكم عليه بتهمة دس الدسائس في أذن دولة معادية، وزيد يسجن بتهمة مناهضة النظام الاشتراكي، وعمرو يعتقل بتهمة تشويه صورة سورية في الخارج، فهل يوجد تشويه لصورة سورية في الخارج أفظع مما تقوم به المخابرات اليوم باعتقالاتها وأحكامها؟!
قلبي مع ميشيل كيلو الذي يتعرض إلي ما يتعرض له كل كاتب حر، ويدافع من مكانه عن حرية الكاتب واستقلاله، وقد نختلف مع ميشيل أو حوله طويلاً، لكن لايمكننا إلا الاقرار بأهميته في الحياة السياسية لسورية اليوم، وبأنه كان ولايزال أحد ناشطي ربيع دمشق البارزين، وبأن مقالاته حركت مستنقعاً راكداً، ولم تترك صورة من صور الاستبداد إلا وتناولتها، واعتقاله يؤكد أن سورية 2006 أصبحت موطن الحركة السوريالية، ولكن في السياسة!