حقل فكري لا يسمح بالتقدم

د. محمد السيد سعيد    الاتحاد

 

 

في الأسبوع الماضي عاشت مصر حالة "فلسفية" من حيث عمق القضايا المثارة, ولكنها بكل أسف لم تتمكن بعد من حسم المناقشات لصالح العقل ومن أجل تقدمها السياسي والأخلاقي والثقافي. فمقابل مخزون الحكمة والأخلاق الرفيعة المتوارثة منذ القدم, تغالبنا نزعة لتقرير الأمور بالقوة, وتستعين هذه النزعة بحقل فكري فوضوي لا يسمح بأي تقدم. وبدلاً من صورة الحكيم المصري الذي يناقش الأمور على هدى من مبدأ العدل والحق تطغى في منابر الإعلام الرسمي صورة الفهلوي الذي يتلاعب بثلاث ورقات هي كل نصيبه من المعارف والأفكار, ليشوه القضايا ويزيف الحقائق ويزين للسلطات طريق الطغيان والقهر. كان يقوم بهذا التزييف في الماضي كتاب وصحفيون وإعلاميون مقتدرون بالفعل, درسوا المنطق وتشربوا من بعض معارف العصر أو بعض إرث المعارف القديمة. أما اليوم, فيقوم بالتزييف والتزوير السياسي كتاب وصحفيون وإعلاميون محرومون من المعرفة, ولذلك يتقلب خطابهم بين الكذب الصريح والفوضى الفكرية الشاملة. لقد أسس هؤلاء للنظام السياسي حقلاً فكرياً فوضوياً لا يسمح بأية مناقشة جادة, ولا يساعد على تحقيق أي تقدم في فهم أي قضية.
كان النزاع حول قانون السلطة القضائية هو الحدث الأهم والمتواصل منذ أسابيع. وخلال هذه الفترة الطويلة كان الشعب يتعرف بالتدريج على طبيعة القضية المثارة ويتطلع إلى حل سلمي يمكِّن مصر من إعادة بناء نظام قضائي لا يصدع لأوامر السلطة التنفيذية ولا تراوح أحكامه بين ذهب المُعز وسيفه بل يستقيم على طريق العدل والحق, ويأنف من الرشاوى وشتى طرق الإفساد كما يقف بجسارة أمام حملات التخويف والإرهاب. وتقلَّب الرأي العام بين الرجاء واليأس خلال ما يزيد على عام من الكفاح من أجل هذا القانون, حتى وقعت أحداث الأسبوع الماضي, فإذا بحملات التدخل الأمني تعود بأشد مما كانت في أي وقت, وإذا بالسجون تفتح من جديد لتلتهم شباباً يتفتح وعيه على طموحات عريضة لمستقبل مصري لا يقل حرية عما يتمتع به أي شعب آخر, ولا يقل تقدماً عما حققه أي مجتمع آخر.
آخر ما توقعه العقلاء لمصر هو أن تشهد ما شهدته يوم الخميس الماضي: إصرار على مواصلة "سيناريو" عقد "مجلس التأديب" للمستشارين هشام البسطويسي ومحمود مكي, وما يتضمنه ذلك السيناريو من سوء توظيف للقوة أو السلطة الإدارية داخل سلك القضاء حتى يقال إن قضاة هم الذين قاموا بمذبحة قضاة جديدة. وبالتوازي مع مجلس التأديب وقعت حملة بوليسية لم تشهد لها البلاد مثيلاً منذ ما يزيد على ربع قرن, لمنع ممارسة حق من الحقوق الدستورية والإنسانية وهو الحق في التظاهر السياسي, وهو حق أصيل بذاته كما أنه جزء لا يتجزأ من حرية الرأي والتعبير, حتى أنه صار يمثل العلامة الحدودية الرئيسية بين الدول الديمقراطية والدول الاستبدادية. وبذلك ظنت بعض الجهات أنها "حسمت" القضية عندما وظفت قوة الدولة فيما لا يجب أن توظف فيه: أي إيقاع الرعب في قلوب المواطنين والبطش بالمثقفين وإهانة الصحفيين والتنكيل بالمطالبين بالإصلاح السياسي, وإرباك المجتمع السياسي ككل.
زامن هذا المشهد العجيب وبرره خطاب سياسي وصحفي فوضوي تحتار كيف تتعامل معه لشدة بعده عن الانضباط العقلي. فما تعرض له المواطنون في الطرقات العامة وسط العاصمة وأمام جامعتها الأم يبرر بأنه ضروري للحفاظ على أمن وممتلكات المواطنين! وتوجه إلى الشباب المقبوض عليهم تهم عجيبة مثل "تعطيل المرور", و"مقاومة السلطات" و"الاعتداء على قوات الشرطة"! أما نادي القضاة فهو الذي يشتغل بالسياسة وليس من يوظفون القضاء لتحقيق أهداف سياسية! وفي نفس الوقت يقال إن الأزمة كلها هي نزاع بين قضاة, وإن الحكومة تقف على الحياد!. بل ويقول هذا الخطاب إنه كان من السهل للغاية حل هذا النزاع (القضائي) لو أن الحكومة تدخلت! وهو ما يضاعف الاستغراب والعجب.
والواقع أن هذه التبريرات هي مجرد امتداد لخطاب فوضوي لا يساعد على تقدم المناقشة حول أية قضية. وأصل القضية هي أنه لم يعد يوجد أي "تبرير" فلسفي أو فكرى للاستبداد في بلد مثل مصر, على الأقل منذ نهاية المرحلة الناصرية. وكان الاستبداد في المرحلة الناصرية يقوم على خطاب لا يختلف في الجوهر عن التبرير الفلسفي الماركسي أو الذي شاع في صفوف اليسار الأوروبي منذ قرنين: أي منذ الثورة الفرنسية. ليس هناك ما يلزمنا بالطبع بقبول هذا الخطاب على الإطلاق. ولكن لابد من الاعتراف بأن تبريراته تشكلت في خطاب متكامل ومنسجم وله أسسه الفلسفية وأبعاده الفكرية التي تغرف من محاورات علم الاقتصاد والاجتماع واللغة وغيرها من العلوم العصرية. والآن لم يعد هناك سوى أقلية ضئيلة للغاية من الفلاسفة والعلماء الأوروبيين والأميركيين الماركسيين أو الاشتراكيين الطوباويين ممن يدافع عن الاستبداد, أو يقبل بتبريراته الماركسية أو الستالينية. لقد وقع انقلاب على الناصرية منذ تولى الرئيس السادات, ووضعت أسس نظام سياسي جديد يقوم افتراضياً على الانتخاب العام. ولكن الدولة درجت على تزوير الانتخابات العامة, وانتهاك الحقوق المدنية والسياسية الضرورية. وتُبرَّر هذه الانتهاكات إما بإنكارها أصلاً رغم شيوع العلم بها, أو بخطاب فوضوي يشمل مقولات مثل الخصوصية وثقافتنا القومية, وكأن خصوصيتنا هي استحالة أن نحكم بالقانون وأن نحتمي به من عسف السلطة العامة. ويعيد الخطاب الرسمي التبريرات التي استند عليها الخطاب الاستعماري الأوروبي الحديث: أي التشكيك في قدرة الشعب على أن يحكم نفسه بنفسه.
هذا الخطاب الفوضوي يكشف الآن عن كامل عقمه, حيث يصطدم التذرع بعدم عقلانية الشعب بفقدان مؤسسات الدولة ومنظريها أنفسهم لأبجديات المنطق. فالحزب الحاكم يحكم للأبد لأنه لا يوجد من يقوم مقامه!
ويتم تبرير تجديد العمل بقانون الطوارئ لمدة عامين بأن هذا القانون يحكم مصر منذ الحرب العالمية الأولى! ومن يخوض النضال من أجل استقلال القضاء هم "أقلية منحرفة" رغم أنهم اجتاحوا انتخابات النادي منذ أسابيع فقط! وهل هناك أسوأ من الحملة البوليسية التي شلت وسط القاهرة يوم الخميس الماضي كدليل على أزمة الديمقراطية الراهنة في العالم العربي؟