متغيّرات
أحدثتها
العولمة
والتقدّم
التكنولوجي
رشدي
سعيد مركز
الحوار
العربي
شهد
مبدأ فصل
الدين عن
الدولة الّذي
كان أحد أكبر
منجزات عصر
النهضة في
أوروبا
تراجعاً
كبيراً في الخمسين
سنة الأخيرة
ولم يعد له في
الوقت الحاضر
البريق نفسه
الّذي كان له
سواء في مواطن
نشأته في
أوروبا
الغربيّة أو
في خارج موطنه
في الكثير من
سائر بلاد
الأرض. ويثير
هذا التّراجع
الكثير من
الأسئلة ذلك
لأنّ هذا
التراجع جاء
على عكس ما
كان يتوقّع له
المفكرون
من ازدهار.
فمنذ نشأة هذا
المبدأ
وتطبيقه في
الكثير من
البلاد
الأوروبيّة
والولايات
المتّحدة بل
وفي الكثير من
بلاد العالم
الثالث البازغة
وهو يكسب
الأرض فقد
استفادت
البلاد الّتي
طبّقته بما
جاء به هذا
المبدأ من
فوائد محقّقة
والّتي يجيء
في مقدّمتها
إنهاء
الأحتقان الطائفي
الذي كان
سبباً لكثير
من الحروب
والآلام، فقد
جاء تأكيد
المبدأ على
حرية العقيدة إيذاناً
بحياة
مستقرّة
لسكّان هذه
البلاد من
مختلف
الدّيانات
والطوائف
والمذاهب كما
أتاحت حرية
الفكر الّتي
جاء بها هذا
المبدأ الفرصة
لتقدّم
العلوم
الطبيعيّة
ولإيجاد المناخ
الصالح لنشوء
الكثير من
التجارب
الاجتماعيّة الّتي
قصدت عدالة
توزيع
الثّروة
وتثبيت مبدأ
المساواة بين
البشر مما كان
له أكبر الأثر
في تأكيد
الثّقة
بالنفس
البشرية
والقدرة على التغيير.
وفي
خلال الخمسين
سنة الماضية
استمرّ
التّقدم
العلمي
سائراً
بخطوات واسعة
أحدثت تغيرات
هائلة في حياة
الإنسان
ونوعيّة المجتمع
الّذي يعيش
فيه.
فقد أدّى
الازدياد في
معادلات
الإنتاج
وكفاءته وكذا
التّطور
الهائل في
عالم
الاتصالات
إلى انفتاح
العالم مع
اتساعه لحركة
السلع
والبضائع
والخدمات مما
حقّق ثروات
ضخمة تركّزت
أغلبها في أيدٍ
قليلة تدير
شركات عملاقة
عابرة
للقارات دون
أن تكون عليها
أيّة رقابة
فعّالة،
وأصبح لهذه
الشّركات
نفوذاً
هائلاً في
الحياة
السّياسيّة
لمختلف
البلاد على
الرّغم من عدم
مشاركة أهل
هذه البلاد في
اختيار
قيادتها. ولا
يوجد في الوقت
الحاضر آليّة
يمكن أن تنظر
في أعمال هذه
الشّركات أو
أنّ تغيّر من
قياداتها أو
من سياساتها.
وقد شهدت
الأعوام
الأخيرة
فضائح كبرى
أكّدت بكل
وضوح تلك
الحريّة
المطلقة
الّتي يتمتّع
بها مدراء هذه
الشركات
العملاقة في
إدارة شؤونها
تمّ فيها نهب
هذه الشركات
لصالح أفراد
قلائل خسر
فيها
المستثمرون
أموالهم كما
خسر فيها
موظّفيها
مدّخراتهم
ومعاشاتهم
دون أن يتمّ
ضبط أمورها
قبل أن تقع
الواقعة. فقد
أوضحت هذه
الأحداث أنّ
مجمل
الآليّات
الّتي يفترض
أنّها تحكم
أعمال هذه
الشّركات
شكليّة في الأساس
فالجمعيّات
العموميّة
مظهريّة ودون فاعليّة،
والميزانيّات
المطروحة
عليها يمكن
تلفيقها بحيث
لا تبعد عن
الأحوال
الماليّة
الحقيقيّة
للشركة بسبب
التواطئ
الّذي كثيراً
ما يحدث مع
شركات
المحاسبة
الّتي
تُستأجر
لمراجعة هذه
الميزانيّات،
وبالإضافة
إلى ذلك فقد شهدت
الأعوام
الأخيرة
زيادة كبيرة
في مرتبات
ومكافآت
رؤساء وأعضاء
مجالس إدارات
هذه الشّركات
زيادة لا
تتناسب أبداً
ونوع وحجم
المرتّبات الّتي
يتقاضاها
عامّة
العاملين في
هذه الشّركات.
وكان
من نتائج
ازدياد كفاءة
الأعمال والوفرة
في الإنتاج
تراجع قوّة
العمل الّتي تقلّصت
على كافّة
جبهات العمل
الإنتاجي حتّى
لأصبحت تمثّل
حوالي ثمن (1/8)
جملة القوى
العاملة في
الكثير من
البلاد
الصّناعيّة
وكان ممّا
ساعد على
تقليص
العمالة
الإنتاجيّة في
البلاد
الصّناعيّة
نقل الكثير من
المصانع وعلى
الأخصّ
الكثيفة
العمالة أو
الملوّثة إلى
بلاد العالم
الفقير
للاستفادة من
عمالتها
الرّخيصة
والّتي أصبح
العمل على
تكريسها وبقائها
على حالها
المتدنّي،
سياسة ثابتة.
وكان من أثر
تقليص دور
العمل في
إنتاج
الثّروة
تضاؤل الدور
المؤثر
لنقابات
العمّال في
إدارة شؤون الاقتصاد
وأصبح الجزء
الأكبر من
العمالة يعتمد
على قطاع
الخدمات،
الكثير
التّقلّبات وذى
الاحتياجات
المؤقّتة. ولم
تعد هناك لذلك
وظائف أو
أعمال كثيرة
لها صفة
الدوام أو
شبهة الدّوام،
وزادت نسبة
البطالة في
كافّة أرجاء
العالم
الصناعي وغير
الصّناعي
وخاصّة بين
قطاع الشباب
والداخلين
الجدد في سوق
العمل.
وجاءت
العولمة
بالكثير من
التناقضات
الّتي أفقدت
المجتمع
توازنه
وتماسكه فقد أدّى
اختفاء
الكثير من
الأعمال
المنتجة إلى
ظهور عدد كبير
من الوظائف
الّتي
اختُلقت
اختلاقاً
والّتي
تموّلها
الحكومات أو
الجمعيّات
الأهليّة أو
الشركات
العملاقة من
أجل إعداد
الدراسات أو
التقارير
الّتي كثيراً
ما لا تجد
أحداً على
استعداد
لقراءتها أو
العمل بما جاء
فيها والّتي
غالباً ما
تنتهي إلى
سلّة
المهملات، أو
من أجل القيام
بأعمال
ميدانيّة
لإشاعة فكرة
أو تبرير موقف
أو إزكاء
الأمل عند
قطاع من النّاس،
وأصبح الحصول
على تمويل
للقيام بمثل
هذه المهام
صناعة في حد
ذاتها، فقد
أصبح لكتابة
الاقتراحات
الّتي تقدّم
لجهات
التمويل
فنّها الخاص
ولغتها
الفريدة
الّتي كثيراً
ما تتردّد
فيها
الشعارات
والكلمات
الجاذبة
للانتباه
والّتي عادةً
ما تتغيّر مع
الوقت وتطوّر
الأمور الّتي
تهم الجهات
المانحة.
ولعلّنا نحن
المتحدّثون
باللّغة
العربيّة
أكثر النّاس
دراية بهذه
الصّناعة.
ومن
التناقضات
الأخرى الّتي
أفرزتها
العولمة ذلك
الثّراء
الفاحش الّذي
حصل عليه أقل
النّاس
اكتتاباً في
تقدّم المجتمع
أو ازدهاره أو
في إيجاد
مصادر جديدة لثروته.
فقد أتاحت طرق
الاتصال
الحديثة الفرصة
لمنظّمي
الألعاب
الرّياضيّة
ولّلاعبين أنفسهم
وكذا
المغنّين
والعاملين في
مجال الترفيه إلى
زيادة جمهور
المشاهدين
زيادة فائقة
ممّا أزاد
الأرباح
زيادة فاقت كل
تقدير وأصبح
من المعتاد أن
نسمع عن دخول
وصلت إلى
أرقام فلكيّة
للكثير من
الّلاعبين
والممثّلين
والمغنّين.
وفي هذا
المجال
فعلينا ألاّ
ننسى الدخول الخياليّة
الّتي يحصل
عليها ذلك
القطاع الّذي لا
ينتج الثروة
بل يحرّكها
قطاع
المشتغلين بالتعاملات
والصفقات
الماليّة
وصناعة نقل الأموال.
هذه
المظاهر
الّتي تحدّثت
عنها هي بعض
من كثير من
المتغيّرات
الّتي
أحدثتها العولمة
وما جاء به
التقدّم
التكنولوجي
الكبير في
وسائل
الإنتاج وفي
طرق الاتصال
والّذي جعل
العالم كلّه
وكأنّه قرية
واحدة أو سوق
واحد. وعلى
الرّغم من
الفوائد
الكبرى الّتي
جاءت بها
العولمة إلاّ
أنّ معظم هذه
الفوائد قد راحت
لشريحة صغيرة
من سكان هذا
العالم الّذي
استأثروا
بمعظم الثروة
الّتي جاءت
بها. وهكذا تفاوتت
الدخول
تفاوتاً
كبيراً وأصبح
الرّبح هو
الهدف الأوحد
لهذا النظام
العالمي
الجديد حتّى
ولو جاء على
حساب القضاء
على مظلّتي التأمين
الاجتماعي
والصّحّي
واللّذين
كانا من أكبر
منجزات العهد
الّليبرالي
الّذي ساد فيه
مبدأ فصل
الدين عن
الدولة، وكان
ممّا ساعد على
تفكيك هاتين
المظلّتين
سقوط
الاتّحاد السوفياتي
وما بدا
وكأنّه نجاح
للنّظام
الرأسمالي
الفاقد
للضمانات
الحقيقية
للمجتمع والأنسان.
فها هي
المصانع تنقل
حيث العمالة
رخيصة وحيث لا
توجد هناك
قوانين تحدّ
من التلوّث البيئي
وها هي الدول
الصّناعيّة
ذاتها تبدأ في
تصفية
مظلّتها
الاجتماعيّة
تحت ضغوط قوى
السّوق
والحاجة إلى
المنافسة.
وقد
حدثت كل هذه
التّغيّرات
في سنوات قليلة
وكانت من
القوة بحيث
أصبح الجميع
أمامها
عاجزين عن
إيقافها أو
قادرين على
تغيير اتجاهها،
فتراجعت
الثّقة في
النفس ونسي
الكثيرون
مبدأ فصل
الدّين عن
الدولة
ولجأوا إلى الغيبيّات
لعلّهم يجدوا
فيها شيئاً
يمكن أن
يجعلهم
قادرين على
التعايش مع
المشاكل
الكثيرة
الّتي جاءت
بها هذه العولمة
على حياة معظم
النّاس.
وتتفاوت ردود
فعل النّاس
لهذا الأمر من
دولة إلى
أخرى. ففي
الدّول الّتي
لا زالت تحتفظ
ببعض آليّات
الأمان الاجتماعي
كالكثير من
دول أوروبا
الغربيّة وعلى
الأخصّ
البلاد
الأسكندنافية
والأراضي
المنخفضة
وفرنسا، فإنّ
مبدأ فصل
الدّين عن الدولة
لا زال
مستقرّاً وإن
كانت العواصف
بدأت في
الهبوب عليه
مع تزايد جرعة
العولمة وتصاعد
الضغوط لجعل
صناعات هذه
البلاد قادرة
على المنافسة.
وفي حالة
الولايات
المتّحدة الّتي
لا يتمتّع
شعبها
بالكثير من
الضمانات
الاجتماعيّة
أو بالدوام
الوظيفي فإنّ
هناك الكثير من
القلق الّذي
يساور
الكثيرين
والّذي يجد حلاًّ
له في الرّاحة
النفسيّة
الّتي تأتي مع
الإيمان
بالغيب وهو
الأمر الّذي
جعل خلط الدّين
بالسياسة
ممكناً على
الرّغم من
المقاومة الكبيرة
الّتي
يجابهها هذا
الخلط من
الكثيرين.