استئناف الرقصة الروسية على الصعيد الدولي ؟

 فيصل جلول

  

 

 

هل تستعيد روسيا دورها "السوفييتي" على المسرح الدولي؟ هذا السؤال بات مطروحا بصورة جدية بعد حرب العراق وربما بأثر منها.ولئن كانت ملامح العافية الروسية بارزة بوضوح في الملف النووي الإيراني فأنها لا تعدم الظهور في مناسبات وملفات أخرى من بينها الملف الفلسطيني بخاصة وفي الصراع العربي الإسرائيلي عموما.فقد استقبلت موسكو "حماس" المقاطعة دوليا بعد الانتخابات بحجة أنها غير مدرجة على لائحة الإرهاب في الخارجية الروسية.أبرمت عقدا مع إسرائيل حول الصناعات الجوية. زودت سورية بصواريخ دفاع أرض ـ جو من طراز جديد وأسلحة متنوعة أخرى. لم تذهب في الملف اللبناني مذهب باريس وواشنطن.عقدت صفقة أسلحة مع الجزائر.عادت إلى مجال الطاقة كلاعب استراتيجي بعد تحرير "غازبروم" من الرساميل الخاصة.اشتركت مع برلين وباريس في حلف ثلاثي في الملف العراقي خلال العام الأول من الأزمة.ضبطت حرب الشيشان في إطار معين وحررت هذا الملف من التداول الدولي.عززت موقع  اللوبي النووي و كارتيل السلاح الروسي في الأسواق الدولية. استعادت بعض نفوذها المفقود في جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقا. استخدمت وتستخدم الفائض الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة في حل العديد من المشاكل الداخلية التي كانت تكبل سياستها الخارجية .استغلت وتستغل عضويتها الدائمة في مجلس الأمن بطريقة ذكية. استفادت وتستفيد يوميا من تراجع قوة الردع الغربي على الصعيد العالمي بسبب حرب العراق ...الخ.

هكذا تبدو الرقصة الروسية في الملف الإيراني بارعة للغاية إذ تعكس طموحا صارخا في الانتقال من موقع اللاعب الدولي المغلول بالقيود الأمريكية والأوروبية إلى موقع اللاعب المتحرر نسبيا منها الأمر الذي يستدعي إلقاء أضواء كاشفة على الرهانات التي تعقدها موسكو على هذا الملف.

بداية يظهر ميل واضح لدى إدارة بوتين في إعادة الاعتبار للسلاح النووي بوصفه وسيلة رادعة للتهديد الخارجي ولحماية المصالح الروسية وتؤكد تصريحات صادرة عن الكرملين نهاية الشهر الماضي أن السياسة الخارجية الروسية باتت أكثر تصميما على التلويح بالردع النووي مقارنة بالسنوات الماضية خصوصا بعد لجؤ باريس وواشنطن إلى استئناف الحديث نفسه منذ بعض الوقت

وتفيد مظاهر نفوذ اللوبي النووي الروسي في سلطة القرار أن موسكو تريد تفعيل دورها كقوة نووية ليس فقط في الردع الاستراتيجي وإنما أيضا في استخدام الطاقة النووية كسلعة تجارية سواء عبر تجهيز الدول الراغبة أو عبر مشروع تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي الروسية ولعل هذا ما يفسر إصرار موسكو على تسوية الملف الإيراني عبر التخصيب الروسي ورفض الولايات المتحدة المتكرر لهذا العرض الذي يفتح الطريق إذا ما نجحت التجربة أمام إنشاء مراكز تخصيب روسية للعديد من الدول الراغبة.

على صعيد آخر يمكن لموسكو التعاون مع إيران في القضاء على الحركات الأصولية المسلحة التي تهدد استقرار جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز وبخاصة في وادي فرغانة حيث تتجمع فرق أصولية مسلحة منذ حرب أفغانستان ويمكن للتعاون الروسي الإيراني الوثيق أن يضع حدا للقواعد العسكرية الأمريكية وللنفوذ الأمريكي الذي يتعارض مع مصالح البلدين في هذه المنطقة.

وفي السياق تراهن موسكو على الاستثمارات التي تبذلها في إيران في قطاع الطاقة والتسلح ناهيك عن حرص إدارة بوتين على عدم تكرار التجربة العراقية على مقربة من حدودها ومواقع نفوذها الاستراتيجية ما يفسر سعيها لحصر الملف النووي الإيراني داخل وكالة الطاقة الدولية وعدم نقله إلى مجلس الأمن وإن وافقت على ذلك فمن باب الاستعلام ليس إلا.

هكذا يبدو أن نجاح روسيا في حماية الملف النووي الإيراني ينطوي على رهان جدي في العودة بقوة إلى المسرح الدولي على أن تحترم الولايات المتحدة شروط اللعبة  الدولية بقواعدها الراهنة ناهيك عن احترام أوروبا لشروط اللعبة نفسها ذلك أن الأوروبيين وان كانوا راغبين ـ اقله بفريقهم العجوز على حد تعبير رامسفيلد ـ في تعددية القوى العظمى المؤثرة في مجلس الأمن وفي الشؤون الدولية إلا أنهم ليسوا مطمئنين تماما إلى التطورات الداخلية الروسية خصوصا بعد تأميم "غاز بروم" واستخدام هذا القطاع في التأثير على إمداد أوروبا بالطاقة الروسية.

أضف إلى ذلك أن أوروبا لا تقل حرصا عن الولايات المتحدة في اشتراط النموذج الغربي للديمقراطية و الحقوق والقواعد الأخلاقية لما تسميه ب "الاطمئنان التام " إلى مستقبل الدور الروسي المأمول على المسرح العالمي وهو ما يتعارض بطبيعة الحال مع الشروط الداخلية الروسية للعودة بقوة إلى ساحة القرار الدولي.

 

يفصح سياق التعاطي الأوروبي مع الملف الإيراني عن تطابق مع الولايات المتحدة حول الهدف الاستراتيجي المشترك والقاضي بمنع إيران من الحصول على التكنولوجيا النووية التي تتيح استخداما عسكريا لهذه الطاقة وبالتالي حماية إيران لنفسها من الضغوط الخارجية وان كان الأوروبيون يفضلون  سياسة المراحل و بالتالي استنفاد الضغط على هذا البلد  بواسطة المؤسسات الدولية الأمر الذي يتعارض جزئيا مع التوجه الروسي بيد أن البراغماتية الأوروبية ربما تفسح حيزا محدودا للجؤ إلى روسيا من اجل الضغط على إيران في هذا الملف وضبطه ضمن حدود معينة إّذا ما تعذر ت الإطاحة به وبالنظام الإيراني معا في الشهور المقبلة.

هكذا تبدو روسيا وكأنها اللاعب الحاسم في هذا الملف وهي ترغب في جعله مناسبة لانطلاقة جديدة على الصعيد الدولي تسمح لموسكو في جذب الرهانات الخارجية مجددا نحو الكرملين في وقت بدا فيه قبل حرب العراق أن العالم يتحرك براس أمريكي أوحد و أن كل الطرق الدولية تمر بالبيت الأبيض وحده وان التفكير بالرهان على طرق وادوار أخرى مسالة مؤجلة إلى ربع قرن بل إلى قرن آخر.