|
الاستحقاقات الداخلية السورية: عبدالله تركماني
غالبية المشكلات التي تواجه سورية في المجال الداخلي هي من ثمار النهج الذي اتبعه الحزب الحاكم خلال وجوده في السلطة منذ العام ٣٦٩١ في إقامة نظام شمولي استئثاري، حول سورية إلى دولة فئوية تقودها نخبة من أصحاب الامتيازات الذين يرفضون المساواة بين السوريين. كما أنّ مجتمع الحزب الواحد أشاع حالة من السلبية والعزوف عن الانخراط في النشاط العام، إذ غابت لدى غالبية الأفراد والجماعات المبادرة الذاتية والتفكير في المستقل، وحصلت حالة من القطيعة بين أغلبية أفراد المجتمع والنخبة السياسية، في السلطة والمعارضة معا، بعدما بطشت السلطة بقوى المعارضة وأماتت أي تعبير أو مؤشر على حياة سياسية طبيعية. وأفضت حالة الانفصال والقطيعة إلى إنتاج التكلس والتخشب ومراكمته في مفاصل المجتمع والسياسة، وإيجاد بنية مجتمعية راكدة ألغت أي حافز للاجتهاد والإبداع، وأعادت إحياء روابطها البدائية من عشائرية وطائفية وغيرها. ويعود كل ذلك إلى الدولة الأمنية كبنية مستترة خلف بنية الدولة الرسمية المعلنة، مما يحيل إلى حقل دلالي خاص بعمل الأجهزة الأمنية وتسلطها الشامل على البلاد والعباد، وفرض سيادتها التي تنزع كل سيادة أخرى. فعلى امتداد السنين هيمن نمط من الأجهزة الأخطبوطية على مجمل نواحي الحياة السورية، بحيث تم ابتلاع كل المظاهر الأولية لوجود المجتمع المدني السوري. بل إنّ المجتمع السياسي نفسه لم ينجُ من سيطرة هذه الأجهزة، حيث ''قُضمت '' الدولة وأُرغمت على إخلاء الساحة لـ ''الدولة الأمنية''، مقابل ''أمن الدولة''. لقد اعتادت السلطة، منذ عقود، مصادرة المجتمع وإخضاعه كليا، وأقامت في سبيل ذلك منظماتها الشعبية كامتداد لسلطتها، بحيث لم يعد من الممكن الحديث عن دولة ومجتمع بالمعنى الحديث. ومرد كل ذلك هو النظام الشمولي الذي حكم البلاد والعباد، والذي تميز بالتماهي بين الدولة والسلطة والمجتمع والحزب، واندمجت كلها في شخصية الحاكم، بعيدا عن أي مؤسسات رقابية حقيقية، بل بوجود تراتبية تلعب فيها الأجهزة الأمنية الدور الأهم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تقرّب أهل الولاء وتنفّر أهل الكفاءة. وفي مثل هذا النظام كان من الطبيعي أن تغيب دولة الحق والقانون، خاصة عندما أصبحت حالة الطوارئ والأحكام العرفية، التي تكون مؤقتة في العادة، حالة دائمة منذ العام ٣٦٩١. وقد أدى كل ذلك إلى تعطيل الحياة السياسية السليمة، وحد من إمكانية الإدارة العقلانية للموارد الاقتصادية والبشرية، كما أدى إلى تهميش قطاعات اجتماعية وثقافية عديدة. لقد أنتج النظام السوري داخله في ضوء علاقاته مع الخارج، وعليه اليوم أن يفعل العكس: أن ينتج علاقاته الخارجية، التي يجب أن تكون من نمط مغاير للنمط الذي أخذ به خلال نيف وثلاثة عقود، انطلاقا من الداخل. فقد ورثت سورية، عهداً جديداً ونخباً ثقافية وسياسية، تركة ثقيلة: دولة متأخرة، ونفوذ جماعات تتسلط على مصالح البلاد والعباد، وحزب ومنظمات شعبية وأحزاب مشاركة مترهلة تبحث قياداتها عن مصالحها الذاتية، وإدارة اقتصادية غير حكيمة في إدارة الموارد الاقتصادية والبشرية بشكل عقلاني لإنتاج عناصر تطوير وتعظيم لها، وسجل حافل بانتهاكات حقوق الإنسان.. الخ. وإذا أضفنا عمق التحولات في العلاقات الدولية، والتغيّرات الجيو - سياسية في العراق ولبنان وفلسطين، فإنّ الوضعية لم تعد تحتمل تأجيل إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة. إنّ التغيير أضحى حاجة موضوعية في سورية، إذ تؤكد كل المعطيات المتوفرة الحاجة السورية الماسة إلى الإصلاح الشامل، حيث تشير معطيات هيئة الأمم المتحدة عن التقدم البشري في العالم أنّ ٠٦٪ من المواطنين السوريين يعيشون في حدود خط الفقر (أي من دولار واحد إلى دولارين في اليوم)، وأنّ ٥٢ - ٧٢٪ يعيشون تحت خط الفقر (أي بأقل من دولار في اليوم)، كما أنّ أغلب المؤسسات السورية تعاني من الترهل والتسيب والركود. إنّ الإصلاح الشامل في سورية اليوم مهمة إنقاذية لا تقبل التردد ولا التأجيل، وأية محاولة إلى إفراغه من محتواه الحقيقي، أو محاولة تقزيمه إلى إصلاح جزئي، أو تغيير أشخاص بآخرين، أو تلميع صور عتيقة، لن تفعل إلا أن تفاقم في سوء الأوضاع، وتضع سورية على حافة المجهول. ولا شك أنّ التغيير لابد أن يكون ديمقراطيا في أدواته ووسائله، سياسيا وسلميا ومتدرجا، يبنى على التوافق القائم على مبادئ الحوار والاعتراف المتبادل، ويقوم على نبذ العنف في ممارسة العمل السياسي والعمل على منعه وتجنبه بأي شكل ومن أي طرف كان. وهكذا، تبدو سورية في حاجة ملحة لأن تتضافر جهود جميع أبنائها في التعاطي مع تحديات التحديث والعولمة والأمن والسلام. لذلك فإنّ المطلوب هو التحول السلمي الهادئ من الدولة الشمولية إلى الدولة الديمقراطية، بما يوفر إمكان الانفراج التدريجي والمحافظة على الوحدة الوطنية وإعادة الاعتبار لدولة الحق والقانون المتصالحة مع مجتمعها.
|