الطائفيـة
تتصاعد ؟ !
فكرة
موجهة
ميشيل
كيلو
لا
تقوم الدول
والمجتمعات،
ولا تحدث نهضة
تاريخية دون
فكرة كبرى
موجهة: فكرة
جامعة ذات قدرات
تعبوية
رفيعة، يرى
أبناء أمة أو
شعب أو مجتمع
معين أنفسهم
فيها ومن خلالها،
فهي تعبر عن
طموحاتهم
ورغباتهم، وتعطي
معنى لحياتهم
ووجودهم،
لأنها تترجم
ما يرغب كل
طرف أو جانب
أو شخص فيه،
وتلبي حاجات الجماعة
الروحية،
وتجعل تواصل
أعضائها ممكنا
على أرضيتها
الواحدة.
بالأمس
القريب،
عندما كانت
أمتنا
مستعمرة،
كانت الفكرة
الموجهة بالنسبة
لنا هي
الاستقلال،
ومعناه
المحدد: خروج
الأجنبي
وتشكل دول
عربية مستقلة
وبلوغ الأمة والمواطن
حالة من
الحرية
والكرامة. ثم
صارت الوحدة
العربية فكرة
موجهة للعرب،
بما حملته من
معاني القوة
والتقدم
والعدالة الاجتماعية
والحداثة. ثم
تلاشت
الأفكار
الموجهة
وفقدت حرارتها
وفاعليتها،
وبرزت عوضا
عنها أفكار مغايرة
تماما اقتصرت
على فئة محددة
وانصبت على مسائل
جزئية، غالبا
ما عبرت عن
نفسها في ضرورة
استيلاء جهات
معينة على
السلطة بأي
ثمن والتمسك بها تحت أي
ظرف، بحجج
وذرائع شتى
اتصلت ظاهريا
بالشأن
العام، دون أن
تكون منه حقا.
في هذا الظرف،
لم يعد لدى
الدول
والمجتمعات العربية
فكرة موجهة،
بينما انفض
الخلق عن السلطة
القائمة
ونفروا منها،
ودخلوا في
فراغ فكري
وعملي زاده
خطورة بروز
خطط ومشاريع
أجنبية تريد
تفكيك ما لم
تنجح السلطة
الداخلية في تفكيكه،
وتعرض النظم
السلطوية
لهزائم أنزلها
بها
العدو
“الإسرائيلي”،
وخروج كتل
الأمة العربية
البشرية
الكبرى،
المنتجة
والمفكرة، من
السياسة بقوة
القهر، التي
جعلت السلطة
فكرة موجهة
تخصها وحدها،
استخدمتها
كأداة للقمع
والإفساد،
وكفضاء وحيد
للشأن العام
استأثرت به
وحالت بين
المواطن
وبينه، فكان
من الطبيعي أن
يدخل الوطن
العربي في
مرحلة انعدام
وزن، وأن يشعر
العربي بضياع
دوره حتى في
شؤونه الخاصة،
ويقتنع بأن ما
كان لديه من
أفكار جامعة
قد ضاع، وأنه
لم يعد عضوا
فاعلا في
مجتمع واحد أو
موحد، وفردا
حرا هيئة عامة
تتقاسم
مشتركات تنظم
حياتها
المادية
والروحية،
وعلاقات مكوناتها،
وإنما تحول
إلى طرف في
جماعات
متناحرة،
تتغذى على
أفكار
تفتيتية تضعه
في مواجهة مع غيره
من
المواطنين،
وتقنعه بأن
انتماءه إلى تشكيل
ما من
التشكيلات
السابقة
للمجتمعية يكفل
وحده أمنه
وحياته،
ويعبر عن
طموحاته، وأن
ما كان لديه
في السابق من
أفكار جامعة
وموجهة كان
ضلالا في
ضلال، بعد أن
تبين له أن
أعداءه ليسوا
بالضرورة
أجانب، وأن
مواطنيه
ليسوا أخوة
له، خاصة إذا
كانوا لا
يشاطرونه
الأفكار المسبقة،
التي توجهه
وتبلور وعيه
وتتحكم بعواطفه.
في ظل
الافتقار إلى
فكرة موجهة
جامعة، لا عجب
أن الطائفية
برزت كفكرة
بديلة، سلبية
وتفتيتية
ونافية لكل ما
هو مشترك
وطنيا وقوميا،
تضع الداخل
المحلي
والعربي بعضه
في مواجهة
بعضه الآخر،
وتمزقه
وتقسمه
وتشحنه بأفكار
مسبقة على قدر
عظيم من
العدائية،
لها قدرات
تعبوية تلغي
قيم العيش
المشترك
والتواصل الإنساني
والعقلانية
والعدالة،
وتحل محلها قيم
التنافي
والتباغض
والتقاتل،
قيم المعزل (الجيتو)،
التي تجعل
الشعور
بالأمان
مرتبطا
بانتفاء المختلف
والآخر،
ومقطوع الصلة
بالتوافق والاختلاف
والحوار
والتفاعل
والتكامل،
وبأي فضاء
مليء
بمواطنين
أحرار
وأنداد،
يشكلون طواعية
هيئة عامة
متآلفة هي
المجتمع الذي
ينتمون إليه.
لا عجب أيضا
أن الطائفية
تتقدم في كل
مكان، مالئة
الفراغ الذي
ترتب بالأمس
على فشل
المشروع
القومي
والاجتماعي
العربي
الحديث،
ويترتب اليوم
على تعثر
وربما فشل
البديل
الإسلامي،
بديل الدين،
الذي يتراجع
أمام
المذهبية والغلو،
والفئوية والعصبوية،
وإلا كيف نفهم
الاقتتال
الطائفي بين
المسلمين في
العراق وباكستان
وأفغانستان
والهند
وغيرها من
البلدان...
الخ، حيث يتذابح
مسلمون
ينتمون إلى
دين واحد،
لكننا نكتشف
لشديد الأسف
أن من ينتسبون
إليها يرون
فيها بديلا
للدين الجامع
ولفكرته
الموجهة،
وأنهم يقتلون اخوتهم في
الدين لمجرد أنهم
ليسوا من
مذهبهم،
بينما تصل
المذهبية بهم
إلى درجة
تجعلهم
يعتدون على
المساجد، بيوت
الله، التي
تتعرض للنسف
والإحراق
والتدمير! بدل
فكرة الدين
الجامعة،
المتسامحة
والإنسانية،
يكفّر غلاة
الأصوليين أي
مسلم لا يشاطرهم
آراءهم،
وينتمي إلى
جماعتهم،
ويؤمن بقراءتهم
المذهبية،
الضيقة واللادينية
للإسلام.
ماذا
يعني
الانقسام
المذهبي
الراهن داخل
الدين الواحد
وبين
الأديان، بعد
ضياع فكرة
الوحدة العربية
والعدالة
الاجتماعية
الموجهة والجامعة،
بينما
المواطن
العربي محروم
من حقوقه، بما
في ذلك حق
الحياة
والحرية؟ ألا
يعني أن سقوط الأمة
يختلف هذه
المرة عن أي
سقوط عاشته في
تاريخها، لا سيما وأن
ما كانت تحتمي
به على
الدوام:
الإسلام
كفكرة جامعة
وموجهة، يتعرض
هو نفسه اليوم
للتفتت بأيدي
أبنائه، بقوة
قراءات جزئية
أو مسبقة له،
تمثل نمطا
جديدا من
الانشقاق
فيه، يجعل
تعايش “ملله
ونحله” أمرا
متزايد
الصعوبة،
بينما يشهد
عملية فرز لن
يبقى بعدها إن
هي نجحت لا
سمح الله ما
كان عليه قبلها،
طيلة ألف
وخمسمائة عام
ونيف!
إذا كانت
القطرية بديل
القومية،
وكان الظلم
بديل العدالة
الاجتماعية،
فإن الطائفية
هي بديل
الدين. فكيف
ستتدبر أمة
العرب
أمورها، وأي
وجود سيكون
لها في عالمنا
القاسي، دون
قومية وعدالة وحرية
ودين؟
يعاني العرب
أمراضاً
كثيرة ترجع
إلى افتقارهم
إلى فكرة
جامعة، سواء
على الصعيد
القومي أم
الوطني،
السياسي أم
الاجتماعي. ومع
أن الإسلام
مثل فكرة
كهذه، على
الصعيد الروحي
الثقافي
بخاصة، فإن
الطائفية
تجهز في أيامنا
عليه بصفته
هذه، وتضعفه
كقوة لطالما حفظت
الأمة في
ساعات الشدة
والأخطار
الخارجية؛
بعد أن مكنتها
من التقاط
أنفاسها
واستعادة
وعيها وبلورة
ردود ملائمة
على ما ليس
مقبولا من
أحوالها،
وعلى التحدي
الخارجي.
يقارن بعض
معاصرينا
راهننا بحقبة
معاصرة من تاريخنا
هي الحقبة
التي امتدت من
أوائل القرن
الماضي إلى ستيناته،
ويتحسرون على
ما ساد فيها
من وحدة
وطنية، ومشاركة
في الشأن
العام،
ومواطنة،
وتناغم اجتماعي
وإنساني. هذه
المقارنة
تبين، في
اعتقادي،
الفارق بين
حقبة عرفت
فكرة موجهة
وجامعة، وأخرى
تفتقر إليها
هي الحقبة
الراهنة، مع
ما يسببه هذا
من كوارث،
ويظهره من
بدائل لن تترك
حجرا على حجر
في حياتنا، إن
سمحنا باستمرارها
وتناميها،
وعجزنا عن
امتلاك أفكار
موجهة وجامعة
جديدة، أو عن
بعث الحياة في
ما كان لنا
منها!
تعني
الطائفية
المتصاعدة
موتنا، ويتصل
وجودنا بامتلاك
أفكار جامعة
وموجهة
جديدة، فهل
نستيقظ قبل
فوات الأوان،
وننقذ أنفسنا
في آخر لحظة،
أم نواصل
سيرنا نحو الهاوية،
التي فغرت
شدقيها وأخذت
تبتلعنا؟