مذابح السريان
الآشوريين
والمسئولية
الكردية
سعيد لحدو- سوريا
عبَّر
أحد المفكرين
خير تعبير عن
الحالة التي
عاشها
الشعبان
الآشوري
والكردي
مؤخراً بقوله:
››إن الذين لا
يمكنهم تذكر
الماضي
واستيعابه.. مقضيٌ
عليهم
بتكراره بكل
أخطائه
ومآسيه…‹‹.
وكأنه بذلك
يحدد شروط
بناء
المستقبل
وخطوط
العلاقة
المتشابكة لهذين
الشعبين
الجارين. وبالطبع
دون أن
يقصدهما
بعبارته تلك،
لكنها جاءت
كالحكمة
الهابطة من
السماء لأناس
ضلّوا طريق الهداية.
وبالحقيقة،
فقد شكّل هذان
الشعبان في
العقود
الأخيرة
طرفين لمتراجحةٍ
غير متكافئة.
وكل طرفٍ فيها
تمدَّد في
أفقه الخاص،
وتفاعل بشكلٍ
منفصل مع مفرزات
الماضي
وسلبياته،
ليخلق في
داخله شبه (غيتو)
لا يقبل
الانفتاح أو
التعاطي مع
عناصر وحقائق
جديدة أُضيفت
بشكلٍ أو بآخر
على طرفي تلك المتراجحة.
فالآشوريون
بكل طوائفهم
وفئاتهم
سكنوا الماضي
بكل آلامه
ومآسيه وبكل،
ما يعنيه لهم
ذلك الماضي من
مذابح وتهجير
وقتل وتشريد،
دون أن
يحاولوا كشعبٍ
يسكن الحاضر،
ويتطلع بأمل
إلى
المستقبل، للخروج
من ذلك الماضي
ومرارته. أما
الأكراد فقد
أرادوا
الانقطاع
التام مع ذلك
الماضي،
وكأنه ليس
ماضيهم ولا
يعنيهم بشيء،
وذلك إلتماساً
منهم للدخول
إلى واحة
المستقبل دون
أن يحملوا
معهم أية
علامة تسيء
إلى حاضرهم
ومتطلباته الحضارية
بشروطه
الإنسانية
الملزمة.
ولكي
يمكننا
الخروج من هذا
المأزق الذي
وجدنا فيه
أنفسنا، لا بد
لنا من قراءة
الماضي بذهنية
متفتحة،
تنسجم ونهاية
القرن
العشرين، ومتطلباته
العصرية. وأن
نعيد تقييم
أحداثه المؤلمة
منها والسارة
، لنتمكن من
استخلاص
العبرة
والفائدة،
لنستند اليها
في بناء
المستقبل
الذي ننشده،
والذي هو بلا
شك مستقبل كل
أبناء المنطقة،
حيث يطمح
الجميع لأن
يكون مستقبلاً
سعيداً
ومشرقاً،
قائماً على
التعايش والأخوَّة
والعدل بين
شعوب وقوميات
المنطقة قاطبةً.
ولن يكون
المستقبل
كذلك ما دام
هناك شعبٌ ما يزال
يشعر بالغبن
والاضطهاد
والظلم. وصورة
الواقع
الحالي ليست
وردية زاهية
على أية حال. لكن إن
كانت بعض
الشعوب
والقوميات
تعاني من الظلم
والاضطهاد
وهي تناضل من
أجل تحررها،
فإن الشعب
الآشوري
يعاني في
الحقيقة من
اضطهاد وظلم
مركبين. فمن
جهة هو كجميع
الأقليات
الأخرى، مضطهدٌ
قومياً من قبل
حكومات
المنطقة، ومن
جهة أخرى
يعاني من
اضطهاد ديني
ليس من قبل
الحكومات هذه
المرة ،وإنما
من قبل حتى
الأقليات
المضطَهدة
مثله والتي
تتجاور معه
جغرافياً.
ولعل تجربته
المريرة خلال
القرنين الأخيرين
مع الشعب
الكردي في
شمال مابين
النهرين خير
تأكيدٍ على
هذا القول.
وقبل أن ندخل
في تفاصيل
الأحداث لابد
أن نتعرف على
الأكراد ومناطق
عيشهم
تاريخياً.
الأكراد
وكردستان:
يُعتبر
الأكراد
فرعاً من
مجموعة
الشعوب الهندو
أوربية، التي
قدمت إلى بلاد
الرافدين من
منطقة جبال القفقاس،
واستوطنت
المنطقة
الجبلية
الواقعة إلى
الشمال
الشرقي لبلاد الرافدين
وغرب إيران،
وجاور
الأكرادُ
الآشوريين
قروناً
طويلة،
وكانوا على
الدوام أقرب
تلك الشعوب
جغرافياً إلى
حضارة وادي
الرافدين.
ويَنسب
الأكراد
أنفسهم إلى
بعض تلك الشعوب
التي استوطنت
في المنطقة،
وأقامت بعض
الممالك ثم
انقرضت، كالغوتيين
والكاشيين
والحوريين
والميديين.
لكنهم أقرب
إلى الفرس في
اللغة وملامح
الوجه. وهذه
الشعوب
تفاعلت مع
بعضها ومع
الشعب الرافدي
عبر التاريخ
حتى غدا من
الصعب جداً
التمييز بين
فئة وأخرى من
الأعراق،
نتيجة
للاختلاط الكبير
الذي حدث بسبب
التحولات
السياسية
التي مرت بها
المنطقة خلال
آلاف السنين.
لكن الأكراد
بالمفهوم
الحالي كانوا
حتى أوائل
القرن السادس
عشر ودخول
العثمانيين
إلى المنطقة،
يسكنون
الجبال
الواقعة غرب
إيران وشمال
شرق نهر دجلة،
وساعدهم
مذهبهم السني لبناء
علاقةٍ جيدةٍ
مع
العثمانيين
الذين منحوا
رؤساء
عشائرهم إقطاعاتٍ
كبيرةً حتى
تحولوا إلى
أمراء،
وشكلوا
إماراتٍ
عديدة في
المنطقة استُخدمت
كعنصرٍ مؤثرٍ
في صراع
الإمبراطورية
العثمانية
ذات المذهب
السني، مع الصفويين
في إيران ذات
المذهب
الشيعي.
وقدموا
خدماتٍ جليلةً
للعثمانيين
على هذا
الصعيد، مما
ساعدهم
للامتداد
أكثر نحو
الغرب
والسيطرة مع
مطلع القرن
التاسع عشر،
على معظم شمال
ما بين
النهرين. رغم
كون غالبية
السكان من
المسيحيين
السريان والأرمن،
والذين بدأت
أعدادهم
تتناقص
لأسبابٍ
سنوضِّحها
لاحقاً، حتى
شارفت على
التلاشي مع
نهاية القرن
العشرين.
ولا
يوجد حالياً
إحصاء دقيق
لعدد
الأكراد، لكن
التقديرات
تتراوح ما بين
خمسة عشر
مليوناً (بحسب
المنجد للأعلام)،
وأكثر من
ثلاثين
مليوناً،
بحسب بعض التقديرات
الكردية
المغالية،
ومعظمهم يعيش
اليوم في حدود
الأراضي
التركية
الحالية،
ويتوزع
الباقي بين
إيران
والعراق
وسوريا
وجمهوريات
الاتحاد
السوفييتي
السابق،
وهناك أكثر من
مليون كردي من
المهاجرين
إلى أوربا.
أما
بالنسبة
لكردستان،
كإقليم
جغرافي، يرى الكاتب
العراقي سليم
مطر أن هذه
التسمية استُخدمت
لأول مرةٍ في
زمن السلاجقة التركمان
في العصر
العباسي، إذ
كوَّن
السلاجقة
مقاطعةً بهذا
الاسم مركزها
(بهار) في شمال
غربي (همادان)
ومحاذية لأذربيجان.
وكانت تشمل
محافظة
السليمانية
الحالية
إضافةً إلى
مقاطعة
كردستان
الإيرانية
الحالية.
ويسلسل
الكاتب سليم
مطر التوسع الجغرافي
في مفهوم
كردستان
تاريخياً
فيقول: ››الذي
يستحق
الانتباه في
تاريخ
كردستان، أن
مساحتها
الجغرافية
كانت تتوسع مع
مرِّ القرون، وهذا
يدل على
توسُّع
الهجرة
الكردية إلى
مناطقَ جديدةٍ
كانت مقطونةً
بشعوبٍ أخرى:
نحو الجنوب
حيث مناطق بختيار
واللور،
ثم نحو الشمال
حيث بلاد
الأرمن والأذربيجان،
ثم نحو الغرب
حيث منطقة
الجزيرة- شمال
بلاد الرافدين-‹‹.(1)
ويسوق أمثلةً
على ذلك
معتمداً على
الموسوعة الإسلامية.
ففي عام (1349م)، أي
بعد قرنين من
تكوين مقاطعة
كردستان، نرى
مصطلح
كردستان قد
توسع، حسب
المؤرخ حمد
الله مصطفى،
ليشمل كذلك
مناطق جديدةً
في الشمال
والجنوب. وفي
عام (1596م) نرى المؤرخ
شرف الدين في
كتابه (الشرف نامة)
يتوسع في
تعريف بلاد
الأكراد نحو
الجنوب،
لتشمل كذلك كل
مقاطعة لورستان،
أي إقليم
الجبال بأجمعه،
بعد أن كان
نصفه منذ
أربعة قرون..‼
بعد
ذلك يأتي
المؤرخ
التركي (الشلبي)
عام (1682)
ليتوسَّع
بدوره بمساحة
كردستان نحو
الشمال،
لتشمل الجزء
الأكبر من
أرمينيا
السابقة
(ولايات أرضروم
ووان وحكاري)
وكذلك يتوسع
بكردستان إلى
الغرب، نحو
منطقة
الجزيرة الرافدية
لتشمل ديار
بكر والعمادية
والموصل وأربيل
وكركوك. ثم
إلى الشمال
الغربي،
لتشمل أذربيجان
الغربية.
وللتدليل على
ذلك بالأرقام
يمكننا
الاستناد إلى
الموسوعة
الإسلامية
مرة أخرى إذ
تقول أنّ سكان
مدينة ديار
بكر (آمد)
والتي
يعتبرها
الأكراد
اليوم عاصمة
كردستان
تركيا. كان
تعداد سكانها
في أواخر
القرن الماضي
(35 ألف نسمة)
منهم (1430) كردياً
فقط. والباقي
من السريان
والأرمن. أما
اليوم فلا
يسكن في ديار
بكر إلا بضع
عائلات سريانية
فقط، في حين
أن سكانها
البالغ عددهم
اليوم (236 ألف
نسمة) جميعهم
من الأكراد.
من هذه
الأمثلة
الموجزة
والقليلة،
يتضح إلى أي مدىً
لحق الغبن
بسكان
المنطقة
المسيحيين، وبصورةٍ
خاصة،
السريان
الآشوريين،
سكان وادي
الرافدين
الأصليين،
وبناة
حضارتها
العظيمة.
البـــدايـــة:
لايُخفى على
المطّلع على
حياة شعوب المنطقة،
مدى ما كانت
تعانيه من
جهلٍ وتخلفٍ
وتحكُّم
الإقطاع وزعماء
العشائر
بعامة الناس،
وتسخيرهم
لمصالحهم
ونزواتهم. ولاشك
أن السريان
الآشوريين،
وكذلك الأرمن
كانوا يكابدون
المعاناة
ذاتها. لكن
الظلم الذي
كان يعاني منه
الكردي
البسيط من
الإقطاعي أو
من زعيم
قبيلته، كان
يجد له
متَنَفَّساً
في الإعتداء
على أملاك
وأرواح
جيرانه
المسيحيين،
وبخاصةٍ، حين
أدرك أن
اعتداءه ذاك
لن يجد أي
عقابٍ جزاءه.
من هنا يمكننا
التمعُّن
بالذي حدا بهذا
الكردي
البسيط
للتفكير
بالاعتداء
على جاره
المسيحي، دون
أن يتمكن من
التفريق بين
المسيحي الأرمني
أو المسيحي
السرياني، أو
غيره، مع
إنهما عاشا
متجاورين
قروناً
طويلةً، ولم
تحصل اعتداءات
بالشكل الذي
شاهدناه
مؤخراً،
وبالصورة الهمجية
التي حدثت.
وإن كان قد
حدث سابقاً شئ من هذا
القبيل، فإنه
كان يعبِّر عن
منطق الحياة
وضروراتها في
ذلك الوقت.
فالتقاتل على
المراعي
الخصبة،
والأراضي
الصالحة
للزراعة بين
قبائل
ومجموعاتٍ
تنشد أفضل
مناطق الرعي، أو
افضل
الأراضي
الزراعية،
بغية
الاستقرار،
أمرٌ عادي
ومفهوم في
حينه، أما أن
يتحول الأمر
إلى مجرد
نزوعٍ بدائي
نحو القتل،
حتى لو كان
ذلك يلحق
الضرر
بالقاتل، فإن
هذا الأمر
يغدو غير
طبيعي، ولا بد
من البحث عن
الأسباب
الكامنة
وراءه.
معلوم
أنه منذ أواخر
القرن السابع
عشر بدأت الإمبراطورية
العثمانية
بالتراجع،
وتحديداً منذ
فشل حصار فيينا
الثاني عام (1683).
إذ بدأت تخسر
أراضٍ لأول
مرةٍ منذ
تأسيسها،
وبدأت شعوب
البلقان
التحرر من الاستعمار
العثماني،
مما حدا
بالسلاطين
العثمانيين لتشديد
قبضتهم على
القسم الشرقي
لإمبراطوريتهم،
والذي يضم
مناطق
واسعةً،
سكانها من المسيحيين،
تجاورهم من
الشمال روسيا
القيصرية،
التي مازالت
تطمع بأملاك
الإمبراطورية
العثمانية،
وتتطلع
بصورةٍ خاصة،
إلى السيطرة على
القسطنطينية
التي تتحكم بالمضائق.
ومما زاد
الخطر سوءاً،
ازدياد
التدخل الأوربي
في شؤون
الإمبراطورية،
وقدوم
الإرساليات
التبشيرية،
كتغطية
لمطامع
استعمارية في
المنطقة،
وتهيئة
الظروف
المناسبة
لتحقيق تلك
المطامع. وفي
هذا الصدد يرى
المفكر
اللبناني
جورج قرم:
››إن الاقتحام الغربي
للشرق منذ
القرن الثامن
عشر، وبخاصةٍ
في القرن
التاسع عشر،
هو الذي وضع
الإمبراطورية
العثمانية في
موضع الدفاع
عن النفس وأرغمها
على التخلي عن
سياستها
التقليدية في
التسامح الإثني
والديني.
وبالفعل سعت
القوى
الأوربية إلى
لغم
الإمبراطورية
العثمانية من
الداخل بأن
اصطنعت
لنفسها- زبائن
– من مختلف
القوميات
والأقليات
الدينية
الخاضعة
للسيادة العثمانية،
محرِّضةً
إياهم على شقِ
عصا الطاعة
والانفصال،
هكذا رأت
النور في
القرنين الثامن
عشر والتاسع
عشر- المسألة
الشرقية –
التي وصفها
واحد من كبار
المؤرخين
الإنكليز وهو أرنولد توينبي،
بأنه
لم تكن سوى
››مسألة غربية‹‹.
ملمحاً بذلك
إلى أن
المسألة
الشرقية ما
وُجدت إلا من
جرَّاء
المنافسات
بين القوى
الأوربية
الكبرى في
الشرق.‹‹ (2). ويسوق
مثالاً على
ذلك الأحداث
الدامية التي
شهدها لبنان
بين عامي/1840-1860/.
وأمام عجز
سلاطين عثمان
عن المواجهة
مع
الأوربيين،
التفتوا إلى
ممتلكاتهم
الشرقية
وبحثوا عن
السبل
لإفراغها من سكانها
المسيحيين،
درءاً للخطر
القادم من الغرب
المسيحي،
وذلك عوضاً عن
تحسين
أوضاعهم واعتبارهم
مواطنين، بغض
النظر عن
ديانتهم، ومعاملتهم
على هذا
الأساس. وقد
وجدوا السبيل
الناجع لذلك
في تحريض
الأكراد
عليهم
والسماح لهم
بالاعتداء
على
ممتلكاتهم
وأرواحهم دون
أي خوفٍ من أي
عقاب، وتقديم
كل التسهيلات
المطلوبة لهذا
العمل
قانونياً
ومادياً. ويكاد
العثمانيون
يضحكون في
سرِّهم، وهم
يتخيلون ما
سينجم عن خطةٍ
جهنميةٍ كهذه.
فالعداء
سيكون
مستحكماً تستعر
ناره يوماً
بعد يومٍ حتى
يصبح الالتقاء
والتحالف بين
هذه
المجموعات
القومية مستحيلاً،
لأنه لو تم
لكانت نهاية
الإمبراطورية
العثمانية. ذلك لأن
هذه الشعوب،
كما يبدو لكل
مراقب متفهم
للوضع، كان لا
بد لها من أن
تطالب يوماً
بحقوقها
القومية.
وبحكم الظروف
والواقع
ووحدة
المصير، كان
لا بد لها من
التحالف ومواجهة
الجيوش
العثمانية
التي كانت
تتشكل منهم في
غالبيتها،
بعد خسارة
مناطق
البلقان. مما يعني
اندحاراً
أكيداً
للسلطنة
العثمانية وحصول
تلك الشعوب
على
استقلالها، إسوةً
بالشعوب
البلقانية. ولعل
المتتبع
مدركاً ما كان
للألمان من
دورٍ في رسم
هذا
السيناريو
وتنفيذه فيما
بعد، نظراً
لصعود
الألمان بشكل
سريع بعد الثورة
الصناعية،
وتطلعهم إلى
أسواق واسعة لبضائعهم،
ومستعمرات
تزوِّدهم
بالمواد الخام
التي تتطلبها
تلك الصناعة.
وبسبب عدم
استعداد
الدول
الاستعمارية
الأخرى
كبريطانيا وفرنسا
للتفاهم مع
ألمانيا
الناهضة،
والباحثة
بإصرار عن
أسواق
لبضائعها،
فلم تجد
أمامها سوى أراضي
الإمبراطورية
العثمانية،
فحاولت جاهدةً
إزاحة
الأخطار التي
كانت تتهدد
تلك الإمبراطورية،
وكان الرعايا
المسيحيون في
مقدمتها،
وكدلالةٍ على
صحة هذا القول
فقد أعلن (باول
رورباخ)
وهو أحد
الكتاب
والسياسيين
الألمان
البارزين في
أواخر تشرين
الثاني عام( 1913)
أمام الجمعية الألمانية
الآسيوية في
محاضرةٍ له:
››إن أرمينية
الغربية تشكل
ما أسماه
–بؤرة فوضى في
تركيا – يحتاج
إخمادها إلى
استخدام
الأكراد‹‹(3). وهكذا
يعتقد كثير من
المؤرخين أن
الألمان هم
الذين أشاروا
على
العثمانيين
للتخلص من
رعاياهم
المسيحيين،
والإيقاع
بينهم وبين
جيرانهم
الأكراد.
ابتدأت
المذابح
بشكلها
السافر مع
الإمارة البدرخانية.
إذ قامت جيوش بدرخان في
عام(1812) بمذابح
كبيرة ضد النساطرة
الاثوريين.(4).
واستمرت هذه
المذابح ما
بين (1843- 1845) وهي
المذابح التي
شهدها العالم
الأثري هنري لايارد في
رحلته إلى
المناطق
الآشورية
شمال الموصل عام
(1945)، وكتب عنها
في كتابه
(البحث عن
نينوى). وكذلك
كتب عنها
الباحث لوك
في كتابه
(الموصل
وأقلياتها).
أورد مقتطفاً
من الرسالة
التي بعث بها
البطريرك مارشمعون
بنيامين إلى
قيصر روسيا
بتاريخ (27 أيار
عام 1868)، مستنجداً
بها: ››لقد
استولى
الأكراد
عنوةً على
ممتلكات أديرتنا
وكنائسنا
وسلبوا عفاف
العذارى،
واعتدوا على
زوجاتنا
ونسائنا،
وأجبروهن على
اعتناق دينهم.
وكذلك
فإن الأكراد
يريدون منا
دفع الجزية..‹‹(5).
إن الاعتداءات
الكثيرة التي
كانت تحصل في
تلك الفترة-
ويمكننا
إيراد أمثلة
عديدة عليها،
لا يمكن أن
تتم رغماً عن
السلطات
العثمانية أو
خارج
إرادتها، ذلك
لأن الإمارة البدرخانية
كانت تابعة
للعثمانيين،
ويمكنهم
السيطرة عليها.
ودليل ذلك أن
العالم
الأثري هنري لايارد
يكتب عن ذلك
ما يلي: ››.. همجية
الأكراد تعدت
كل حدود بحيث
جعلت صبر
الباب
العالي-حكومة
الدولة
العثمانية –
أن ينفذ.
فقررت أخيراً
معاقبة
المعتدي صاحب
المذابح
الفظيعة
وتحطيم
الخاضع
للسلطان
العثماني
الذي تمرَّد
وبدون عقاب، يهمل
موقفها
المتسامح في
الأمور
الدينية. فأرسلت
حملة تأديب
تحت قيادة
عثمان باشا…
حكم عليه
بالنفي مع
السماح
لعائلته وكل
المقربين له
بمرافقته،
وبالإضافة
إلى هذا،
أُعطيت له الضمانات
في التصرف
بممتلكاته
الخاصة بنفسه…
كان هذا هو
العقاب
الوحيد الذي
فُرض على منفِّذ
عدد لا يحصى
من الجرائم
الجماعية في
هذه البقعة من
الشرق تشمئز
لها النفس
البشرية وتكاد
همجيتها لا
توصف‹‹.(6).
هذه
صورة بسيطة عن
العقاب الذي
كان يواجه من
يرتكب أشد
الاعتداءات
فظاعةً بحق
المسيحيين. وحتى
هذا العقاب لم
يكن ليتم لولا
الاحتجاجات
الشديدة التي
قدمها
الأوربيون
والروس، ولولا
أن بدرخان
نفسه تمرَّد
في نهاية
الأمر على
السلطنة
العثمانية،
وأراد تأسيس
إمارة مستقلة
لنفسه. ورغم
المواقف
الجيدة التي
وقفها البدرخانيون
الأحفاد من
قضية الأرمن
والآشوريين
فيما بعد. فإن
هذا كله لا
يشفع لبعض
الأكراد
الذين لا زالوا
يعتبرون بدرخان
بك بطلاً
قومياً
متوَّجاً على
دماء عشرات
الآلاف من
الآشوريين
الأبرياء.
ومع
استلام
السلطان عبد
الحميد للحكم
(1876-1909) حتى بدأ
المشروع
يتكشَّف
بصورة أوضح،
فتشكلت فرق
الفرسان الحميدية
من الأكراد
بصورة
أساسية،
ومُنحت كل
الصلاحيات
لإنهاء
الوجود الأرمني
في
الإمبراطورية
العثمانية.
وبدأت الاعتداءات
ليس على
الأرمن
وحدهم، وإنما
على السريان
الآشوريين
أيضاً، وما
المانع من ذلك
مادام هذا
الأمر يكسبهم
عطف السلطان،
والكثير من
السبايا
والذهب. فعاثت
فرق الموت تلك
خراباً في
جميع المناطق
المسيحية أرمنية
كانت أم
سريانية أم
غيرها، ولم
يجد العثمانيون
سبباً واحداً
لردع تلك
الفرق عن
اعتداءاتها
على مواطنين
ورعايا
الدولة
العثمانية. لا
بل كانوا
يزيدونها
تشجيعاً وعند
أي احتجاج
أوربي على
فظاعة
المجازر التي
تحدثها تلك
الفرق، يكون
جواب
العثمانيين
أنها عشائر
جبلية تتقاتل ولا
يمكن السيطرة
عليها، أو أن
هناك انتفاضة أو
ثورة أرمنية
يجري قمعها.
وبالطبع لم
يكن أي من
الإدعاءين صحيحاً.
ولقد كان
لفكرة
الجامعة
الإسلامية
التي رفع شعارها
العثمانيون
وبخاصة في
فترة حكم
السلطان عبد
الحميد،
والتي
اعتبروها
شعاراً
أساسياً لسياستهم
أسوأ الأثر
على الرعايا
المسيحيين.
فاتخذها
العثمانيون ذريعة
لتشديد الضغط
على أولئك
الرعايا أشد
من ذي قبل،
وشجعوا
الأكراد على
الاعتداء
عليهم، ويؤكد
ج. ليبسيوس
في كتابه
(ألمانيا
وأرمينيا) عن
المجازر التي
حدثت في
السنين (1894- 1896): ››
فإن الفظائع
الوحشية في ديار
بكر لم ُترتكب
ضد الأرمن
فحسب، بل ضد
السريان
الأرثوذكس
أيضاً‹‹(7). ويورد
الكاتب نفسه
في كتاب آخر له
أرقاماً
مؤكداً قوله
السابق: ››في
سهل آرباك
بين الحدود
الإيرانية
والرافد
الشمالي لبحيرة
وان كان
الجنود غير
النظاميين –
أي الفرق الحميدية
– قد قتلوا نحو 260
أرمينياً و300
شخصاً من
السريان الأرثوذكس‹‹(8).
الحرب
والفرصة
الكبرى:
مع
إطلالة الحرب
العالمية
الأولى، كانت
خطة الإبادة
الشاملة
للمسيحيين قد
باتت جاهزة وأن
الفرصة باتت
سانحة بسبب
ظروف الحرب.
وكان حزب
الاتحاد
والترقي
التركي قد
أعدَّ العدة ووضع
خطة الإبادة
منذ ما قبل
الحرب ببضع
سنوات، وتوزع
أعضاؤه المهام
فيما بينهم،
وبالطبع كان
المقصود
بالدرجة الأولى
هم الأرمن،
لكن حين امتدت
ألسنة اللهيب
إلى السريان
الآشوريين لم
يرَ
الاتحاديون
سبباً
لإطفائها،
فنالت من
السريان
بالقدر نفسه
من الوحشية،
والألم الذي
نالته من الأرمن
الذين
أعتبرهم
الأتراك
مذنبين
لمطالبتهم
بحقوقهم
القومية
وإصلاح
أوضاعهم،
وأقاموا لذلك
أحزاباً
ومنظمات
سياسية، في
حين لم يقم
السريان بأي
من ذلك فيما
خلا انتفاضة
الآشوريين في حكاري عام
1915 والتي ما
كانت إلا
نتيجة
لممارسات
وحشية عديدة
سبقتها. ولقد
كان للأكراد
بوجه عام، دور
هام في تلك
الأحداث.
ويؤكد لنشوفسكي
›› بأن الأكراد
كانوا جميعاً
بجانب تركيا
أثناء الحرب،
وقد تمكن
الأتراك
بمهارة من
توجيههم
لقتال
المسيحيين من الآثوريين
والأرمن،
بحيث أثبت
الأكراد أنهم
مفيدون للأتراك
في أداء
المهمات التي أُنيطت
بهم في
الولايات
الشرقية..‹‹(9).
وتتكرر
المآسي
والأعمال البشعة
خلال سنوات
الحرب وتشمل
جميع مناطق
السريان
الآشوريين
ناهيك عن
مناطق الأرمن.
ويورد الكاتب
الكردي كمال
أحمد مظهر
أمثلة عن تلك
الأعمال التي
جرت لبعض
المناطق الأرمنية،
وبالطبع لم
تكن مناطق
السريان أقل
وحشية. فيقول:
››مما يؤسف له
أشد الأسف، أن
الكرد
أسهموا قليلاً
أو كثيراً عن
وعي أو دونه،
بتحريض من الآخرين
أو عن عمد. في
مذابح الأرمن هذه‹‹.
مستأنفاً
قوله: ››خلال
المذبحة
الأولى افتتح أحد
مشايخ الطرق
واسمه الملا
أحمد سعيد،
العملية
بنفسه في
مدينة اورفة
في الثامن
والعشرين من
كانون الأول
عام 1895م حيث أمر
بإحضار أرمني
برئ فبطحوه
على الأرض
وفصل رأسه عن
جسده بيده على
مرأى من
الجمهور‹‹(10).
ويورد أمثلة أخرى
عديدة عن
الأعمال التي
ارتكبت بعد
ذلك وأثناء
المذابح
التالية خلال
الحرب فيقول: ››.. وفي حالات
معينة كان
الرؤساء
الأكراد
يتممون ما بدأه
غيرهم. فإن
زعيم الشكاك (سيمكو)
مثلاً وضع
كميناً في
مضيق قوتور
لجماعات من
الأرمن الذين
نجوا من
الموت. فباغتهم
رجاله
وأقاموا لهم
مذبحة جديدة.. ‹‹.
ويتابع قوله
أن في الإمكان
عرض نماذج
كثيرة أخرى في
هذا المجال
إلا أن ››حفنة
واحدة تنبئ
عما في الحمل،
كما يقول
المثل الكردي.
وإذا كانت
الحفنة متعفنة
فإن
الحمل يكون
أشد عفونة
بكثير‹‹(11).
ولعل
اغتيال مار
شمعون
بنيامين
غدراً على يد سيمكو هذا
في الثالث من
آذار عام 1918 وهو
في ضيافة هذا
الأخير
ساعياً للصلح
وتوحيد
الجهود،
بناءً على
اتصالات
سابقة بينهما
لإقامة دولة
(كردية-آشورية)
وفق برنامج
اقترحه البطريرك
الآشوري،
جعلته يحبِّذ
اللقاء بسيمكو،
رغم
التحذيرات
التي وصلته
بأن سيمكو
يُعد العدة
لاغتياله،
ذلك لأن الهدف
كان أكبر من
أن يحجم عن
اللقاء بسبب
تحذيرات من
هذا النوع.
ويرى الحيدري (12)
أن الإنكليز
اتفقوا
مسبقاً مع سيمكو
لقتل المار
شمعون، إذ
أنهم أرادوا
بذلك اتخاذ
الآشوريين
قاعدة
يستندون
إليها في
ترويج
سياستهم
الاستعمارية
في هذه المنطقة
الاستراتيجية،
وان يكونوا
دائماً بحاجة
لطلب
المساعدة منهم.
فالسفير
البريطاني في
استانبول،
حينما كان
يرفع احتجاجه
للباب العالي
على هجمات الأكراد
ضد
الآشوريين،
فإن حكومته كانت
من جهة أخرى،
تشجع الأكراد
على مقاتلة
الآشوريين.
ويرى الأستاذ
جلال الطالباني
في هذه
العملية
الخسيسة
جريمة بحق
الحركة الكردية
قبل الآشورية
إذ يقول: ››إن
التاريخ الكردي
ملئ بالمحبة
والود تجاه
الآشوريين
ينبذ هذه
العملية
–اغتيال مار
شمعون-‹‹ ويضيف:
››إن عملية
الغدر
والإجرام
التي دبرها سيمكو ضد
إخواننا
الآشوريين
تسوّد صفحاته
وخلقت مصاعب
جمة للحركة
الوطنية
الكردية
مازالت آثارها
باقية‹‹(13).
ومن
الواضح أن سيمكو
هذا كان
عميلاً
مزدوجاً،
للإنكليز من
جهة، وللإيرانيين
من جهة أخرى.
وليس أدل على
ذلك من أن
السلطات الإيرانية
التي شجعت سيمكو
لاغتيال
المار شمعون
نصبت له
كميناً أثناء
توجهه إلى
طهران عام 1926
بدعوة منها،
لتنصيبه زعيماً
للقبائل
الكردية عند
مدينة أوشنو،
وتمكنت من
قتله (14)
والتخلص من
وعودها له.
والغريب في
الأمر، وكما
لاحظنا في
حالة بدرخان
بك. وربما كان
الأمر هنا
أكثر مفارقة،
أن كثيراً من
القوميين
الأكراد
يعتبرون سيمكو
مناضلاً
قومياً
كردياً،
ويجلُّون
ذكراه، متجاهلين
القول السابق
للأستاذ جلال الطالباني،
وهو أحد أهم
زعماء الحركة
الكردية
المعاصرة،
وشهادته
الواضحة فيه. محاولين
بذلك
الاختباء خلف
ظلال أصابعهم
المشيرة إلى
جرائم
الأتراك
ومسئوليتهم
عن ذلك. مع العلم
أن المسؤولية
التركية ليست
خافية على
أحد. وهناك
آلاف الوثائق
الدامغة
عنها، وعشرات
الكتب التي
دوّنها شهود
عيان
ومعاصرون
للأحداث.
وكلها تتحدث
بتفصيل شديد
عما عاناه
مسيحيو
الإمبراطورية
العثمانية،
وبخاصة الأرمن
والسريان
الآشوريين،
من إبادة
للجنس منظمة
ومخطط لها
ومدبرة منذ ما
قبل الحرب
العالمية
الأولى. وما يهمنا في
هذا المقال
الموجز عن هذه
القضية هو
إظهار ما ناله
السريان
الآشوريون من
حملة الإبادة المنظمة
تلك، بالنظر
إلى طغيان
المأساة الأرمنية
والتغطية
الإعلامية
التي حظيت بها
عالمياً
لتشمل حتى
مذابح
السريان
الآشوريين
تحت اسم
المذابح الأرمنية.
وكذلك إظهار
الدور الكردي
فيها، وتحديد
المسئولية
الكردية عنها.
ولعل المشاركة الكردية كانت أكثر فاعلية تجاه السريان الآشوريين من الأرمن، بسبب التجاور والتداخل الجغرافي في مناطق في سكناهم، وهذا ما أفقد السريان الآشوري