الديموقراطية أم المقاومة؟     

   عمر كوش

 

  لا شك في أن الظروف التي تمرّ بها سورية هي ظروف حساسة ومعقدة، وتتطلب من الجميع التنبه إلى خطورة المرحلة التي تعصف ببلدهم، وتتطلب كذلك من النظام السياسي أن ينفتح على مختلف القوى السياسية والمدنية في المجتمع السوري حول الآفاق والحلول الممكنة، وأن تخرج إلى العلن الإجابات حول سؤال المستقبل المطروح بقوة في هذه المرحلة الصعبة.

  وتفيد المعطيات الراهنة في واقع الحال السوري أن الحوار غير مسموح به من طرح السلطة، بل وتجري محاولات كبته ومنعه بكافة الوسائل القمعية، ومع ذلك فإن الإجابة على السؤال المطروح أخذت منحيين أساسيين: الأول، حدد خياره بالممانعة أو المقاومة، مقاومة الضغوط الأميركية، والوقوف في وجه دعوات التغيير الديموقراطي الداخلي، بل والوقوف في وجه أية دعوة للإصلاح وإدارة الظهر لكافة الاستحقاقات الضروية، وبالتالي الحيلولة دون إنجاز أي مشروع وطني يهدف إلى تغيير ما هو قائم، فالأولوية تعطى لمقاومة مطالب وضغوطات التغيير الداخلية والخارجية. والمنحى الثاني تجسد في القول بضرورة التغيير الديموقراطي، عبر إنجاز مشروع التغيير السياسي الإنقاذي الهادف إلى تلبية كافة الاستحقاقات التي ينتظرها الإنسان السوري، كالديموقراطية وإحياء المجتمع المدني والمواطنة وحقوق الإنسان وسواها كثير. ويجادل من يأخذون بهذا المشروع بأن المقاومة يجب أن تبنى على أسس واضحة ومتينة، عمادها قوة الداخل، وتشمل مختلف المستويات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كي تبنى على قاعدة صلبة تمكنها من مواجهة كافة الضغوط والتحديات الخارجية.

   لكن المؤسف هو أن بعض النخب السياسية، سواء داخل السلطة أو خارجها- يرفق إجابته بالجزم بأحد الخيارين، منحازاً إلى الخيار الأول، ويحوله إلى خيار إما المقاومة أو الرضوخ. إما المقاومة أو الدمار. إما النظام أو الفوضى.. وبالتالي فهو يدخل – من حيث يدري أو لا يدري - في صلب الخيار البوشي (نسبة إلى جورج دبليو بوش): إما معنا أو ضدنا، وهو ذات خيار بن لادن في تقسيم العالم إلى فسطاطين. الأمر الذي يخفي مرجعية ميتافيزيقية أصولية الإيديولوجيا، زائفة ومخادعة، وتحيل دوماً إلى الطرف الأول من الثنائية الميتافيزيقية: نحن / هم.

   إن المواجهة أو المقاومة هي من الأمور المقدسة في بعض الحالات، بوصفها منطلق العمل الوطني في فلسطين وفي العراق، لكنها في الحالة السورية تتحول إلى خيار إرادوي، إذ تريد أوساطاً واسعة من النخب الحاكمة أن تجيره وتسخره في خدمة الواقع السياسي القائم، بغية إطالة أمده وتأبيد الحاضر – الآن. وعليه ترى السلطة الحاكمة مسألة الديموقراطية غير قائمة، ولا تشكل استحقاقاً، ولا منطلقاً للعمل الوطني، لأن المهم بالنسبة إليها هو إرجاء كافة الاستحقاقات الآن، والعمل على تحشيد كل القوى الاجتماعية من أجل الوقوف ضد الضغوط والمشاريع الأميركية. بمعنى معالجة الأوضاع الجديدة بذات الأدوات القديمة، فقد درجت الأدبيات السياسية والحزبية في سورية، وعلى امتداد ما يقارب الأربعين سنة على رفع شعار: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. فإن طالب أحد ما بالديموقراطية، يُقال له: أخرس نحن في معركة، وإن طالب آخر بتحسين الوضع المعيشي، يرد عليه بإجابة مماثلة. وهكذا، أجلت وكبتت كافة الاستحقاقات خدمة لمن سخروا وجيروا كل شيء في خدمة مصالحهم تحت يافطة هذا الشعار أو ذاك.

   ويتساءل أصحاب خيار المقاومة عمّن سيقوم بأداء استحقاق الديموقراطية، ويصورون المجتمع بالجاهل وغير المؤهل، متناسين التجارب الديموقراطية السورية في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، ولا يرون فيه إلا مكمناً لقوى أصولية، ظلامية، تتحين الفرصة للإستئثار والتفرد بالسلطة على حساب مختلف فئات المجتمع، وبالتالي هناك نزوع خفي لديهم لتسويغ الجمود والتردي في الوضع القائم، بمعنى أن إزالة الهيمنة ورفع القبضة عن الداخل، ستفتح الباب أمام الفتنة والفوضى، باعتبار أن إنهاء الهيمنة لن يأتي من الداخل، طالما أنه محاصرٌ بقضّه وقضيضه من قبل "أجهزة أمنية" تطرح شعاراً لها في ضرورة أن يُفسد من لم يُفسد بعد، كي يصبح الجميع مُداناً وملوثاً وفاسداً.

    إن إشكالية المقاومة أو الفوضى تفصح عن نفسها بوصفها أمراً زائفاً وقاصراً معرفياً، فضلاً عن أنها قد تُولد مخاطر على مستويات عديدة ضد الوطن. ولعل الأقرب إلى الواقع يتمثل في النظر إلى الأمر من زاوية مصلحة الوطن وناسه، ذلك أن السؤال عن الديموقراطية هو سؤال حول البحث عن كيفية تجنيب الوطن المزيد من المخاطر والأزمات، ويستلزم النظر إليها ليس بوصفها آتية من الخارج، بل بوصفها ضرورة ملحة في الوضع الراهن.

  غير أن الإشكالية مفهومة لدى قوى النظام القائم، من جهة مقاومتها وممانعتها للتغيير، نظراً لأن السير في سياسات التغيير، يعني ذهاب أكثر الامتيازات والمكاسب الفردية بعد عقود عديدة من الكسب والهيمنة وبحبوحات الفساد، لكن من غير المفهوم دخول العديد من المثقفين العرب – وخصوصاً من يرفعون شعارات عروبية وقومية ويسارية وإسلامية - على خط الدفاع عن الأوضاع القائمة بطرق مباشرة أو غير مباشرة، وتبني خط الممانعة والمقاومة، بل والدفاع عن انهيارات الحاضر وأزماته. وغالبيتهم تفعل ذلك بطريقة غير مباشرة، من جهة مهاجمة التغيير، بحجة أنه مفروض من الخارج: الأجنبي، بوصفه عدواً أبدياً للعرب والعروبة ولا شيء يشغله سوى كيد المؤامرات ضدنا.

  ويتناسى المدافعون عن تأبيد الحاضر، أن القوى المطالبة بالتغيير الداخلي ليس لديها أية ثقة في السياسات الأميركية سواء أكانت ديموقراطية أم عسكرية، استناداً إلى ماضي هذه السياسات وحاضرها. لأن الأمر متعلق بالحاجة الداخلية إلى التغيير، سواء أرادت الولايات المتحدة الأميركية ومعها كل قوى الخارج أم مانعت ذلك. واختلاف النظام السياسي معها لا ينفي الانهيارات والأزمات الداخلية، ولا يحسّنها أو يجمّلها. وأمام أعيننا، وكذلك من حولنا، العديد من الدول التي تعمل على صون المصالح الوطنية، بوصفها مصالح الشعوب، وتسعى على الدوام إلى تحسين شروط حياة شعوبها. بالمقابل فإن بلداننا العربية لم تنجز لمواطنيها لا هذا ولا ذاك، بل أنتجت زعامات وقيادات "تاريخية" و"تقدمية" و"قومية" على حساب مصالح الناس وحقوقها في التعبير والكرامة والعيش والتقدم.

   وإن كان من حق المثقف أن يعبر عن ما يريد، كما هو حق غيره، لكن بوصفه مثقفاً عليه العمل من أجل تمكين الناس من الوصول إلى الخيار الحرّ، إذ ليس هناك من سبيل للإنقاذ سوى الخيار الحرّ للناس، خصوصاً وانهم اتخموا من الشعارات الطانة والصورة الجامدة التي انقلبت وبالاً على أصحابها في أكثر من موضع في العالم.

-------------------