فلسطين... المطلوب فوراً تجنّب المحظور

  كلوفيس مقصود

هل اقترب حصول المحظور في فلسطين؟ هل ينطوي النزاع (لا الاختلاف) بين رئيسي السلطة والحكومة على دفع الفلسطينيين الى المحظور المخيف؟ هل ان حدة الكلام بين فريقي السلطة والحكومة ينطوي على احتمال التعجيل في وقوع المحظور المخيف؟ هل اصبح الاستقطاب المنفعل داخل الحالة الفلسطينية قدراً محتوماً؟ أليس جديراً بأمثال حيدر عبد الشافي، وليد الخالدي وغيرهما امثال مصطفى البرغوتي ان يتدخلوا فوراً لفرملة الفلتان قبل فوات الاوان؟ ألا يجب استنفار حكماء فلسطين في كل فلسطين وفي الانتشار، وخصوصاً اعضاء مجلس امناء "التعاون" برئاسة عبد المحسن قطات الذين اجتمعوا هذا الاسبوع في لندن ليساهموا في شكل حاسم في ردع الابتزاز الغربي من جهة، والتفكك المحتمل في الواقع السياسي داخل الاراضي المحتلة؟

... وقبل ان تخرج فلسطين من الوعي اجل الوعي العربي، أليس هذا هو الوقت للنظام العربي ليفعّل ما تبقى من قدرته على التأثير وان يستنفر بدوره الطاقات الفكرية والشعبية والمادية المتوافرة حتى لا تنحرف فلسطين عن مركزيتها في الهم العربي، وفي الاهتمام الدولي، وبالتالي تسقط من الذاكرة القومية لكون فلسطين القضية هي الرابط القومي بمعنى انها وشعبها هما في الخط الامامي للمواجهة القومية العربية للمشروع       

الصهيوني؟ وعندئذ يتحول تعدد المصائر العربية تناقضاً لهذه المصائر، وتصبح اعادة الاستشعار بوحدة المصير تقارب الاستحالة. وهذا كان دائماً هدفاً رئيسياً في استراتيجيا المشروع الصهيوني، مما يجعل ردع تمادي هذا المشروع في استباحة فلسطين، كما هو حاصل، اولوية عربية. فيخطط لتعبئة شاملة تتسم بالتزام جدي واجراءات صعبة واستعداد ذهني لاعادة النظر في الكثير من سلوكنا ومواقفنا، ونكون على استعداد للمراجعة ومباشرة عاجلة لعملية التصحيح التي تفرضها نتائج تشخيص الحالة.

من هذا المنطلق نفهم المناشدة للمؤهلين في فلسطين وفي الأمة لتكون مداخلتهم، أو بالأحرى تدخلهم في الحالة الفلسطينية الراهنة، تنفيساً للاحتقان المتأجج واستبعاداً لصيرورة المحظور المخيف. وان مركبات النظام العربي القائم مسؤولة الى حد كبير عن التدهور، لكونه حوّل الكثير من الأحلام كوابيس. مفاهيم، وتجارب، الوحدة التي حصلت تميزت بسياسة الحاق الاصغر بالأكبر وتحول الوعد الوحدوي عسكرة للحكم وتفريغاً للوحدة من محتواها الديموقراطي الذي   يجعل لدولة المؤسسة العسكرية خاضعة الى السلطة المدنية ويجعل التزام الوحدة طوعياً وشراكة لا تهميشاً للمواطن ولحقوقه. وهذا الوضع دفع بمعظم المؤسسات العسكرية العربية الى التخلي عن مهنيتها الى هوس التسلط والحكم، مما ادى الى عجز عام في المواجهات المطلوبة والى النواقص الهائلة في الحريات والحكم الرشيد ومقتضيات التنمية. كل هذه العوامل أدت الى الاحباط والى ارتباط القومية العربية في اذهان الأجيال الصاعدة بأنظمة القمع من جهة وبالفشل أمام المشروع الصهيوني ومشاريع الهيمنة الخارقة لاستقلال الارادة التي بدونها لا سيادة ولا حرية ولا سيادة.

 

لكن فقدان عناصر كثيرة للمناعة القومية لا يعفينا من القيام بخطوات عاجلة لدرء الخطر الذي يداهم الحالة الفلسطينية الراهنة. ولتوقف التهور الحاصل والدافع الى محظور مخيف يتمثل بفقدان الالتزام الحاسم للوحدة الوطنية لدى الشعب الفلسطيني. فالانقسام يجب ان يزول فوراً وترمم عناصر اللحمة، وليس مجرّد الوحدة الوطنية للشعب الفلسطيني، وفي هذه المرحلة بالذات.

وهذا يتطلب اخراج الحالة الفلسطينية من مصيدة اتفاقات اوسلو الخانقة، التي قيّدت حرية الحركة للشعب الفلسطيني المنصوص عنها في اتفاقات جنيف الرابعة، لكونها لا تعتبر نفسها سلطة احتلال، بل سلطة مالكة، مما أوجد الالتباس الذي أدى الى تلعثم الخطاب الفلسطيني. فمن جهة سوقت السلطة نفسها انها خميرة الدولة، واثبتت تجربة العقد الماضي ان هذا كان وهماً، وصارت السلطة حائلاً دون تبلور ثقافة مقاومة وطنية شاملة ومتماسكة، بعدما كان متوقعاً أن تكون السلطة الوطنية طليعة المقاومة. مشكلة اوسلو تكمن في أن السلطة لم تكن مطلقاً تمهيداً لدورة ولا قيادة لحركة مقاومة.

لذا ان اول مبادرة قد يقوم بها فريق "التدخل السريع" لحماية الوحدة الوطنية وان تتحول المناقشة المحتدمة حواراً مسؤولاً بجعل الشرخ القائم ممهداً لاخراج الخطاب الفلسطيني من الالتباس والغموض من اجل ايصال الوضع الفلسطيني الى استقامة المعادلة المطلوبة من احتلال قائم وبالتالي مقاومة مشروعة. وعندئذ لا يعود مجال للتلعثم الحاصل ولا الى تبادل الاتهامات. وهذا يمهد للتنسيق في الموقف العربي كي يعمل بدوره على جعل قرار قمة بيروت المتعلق بالتسوية ممكناً، ولتصبح تسوية الحد الأدنى للحقوق الفلسطينية بدورها ممكنة.

هذا هو المطلوب فوراً حتى نتجنب المحظور المخيف ونحول دون حصوله. هذا هو المطلوب فوراً... أما المرغوب العادل فله حديث آخر!