المواطنة
والولاء
حسين العودات
للدولة
الحديثة
مرجعية
واحدة، هي
مرجعية (المواطنة)
التي يستظل بها جميع
المواطنين
مهما كانت
آراؤهم أو مذاهبهم
أو طوائفهم أو
قومياتهم أو
لغاتهم أو منابتهم
الاجتماعية،
وتكون الدولة
بذلك دولة
المواطنين
الأفراد
الأحرار
المتساوين لا
دولة الطوائف
أو المذاهب أو
القوميات،
وتشكل
التنوعات
مصادر غنى
للثقافة
وحيوية للمجتمع
وتنويع ثمين
لمكوناته،
وإذا كانت
مرجعية (المواطنة)
هي المعتمدة
في الدولة
فإنها تقتضي
بالضرورة
وبالتبعية
الاعتراف بحق
المساواة بين جميع
المواطنين
وتكافؤ الفرص
وتحقيق العدالة،
وتؤسس المناخ
للتسامح
والتعاطف بين
أبناء الوطن
فالمرجعية
الواحدة تؤدي
لحقوق واحدة
لجميع منتسبيها،
وعندها لا
يكون الوطن
قطعة جبن تتقاسمها
الطوائف أو الإثنيات
أو غيرها
وإنما يكون
حاضناً لجميع
أبنائه بالتساوي
وتكون الدولة
حارساً على
حقوقهم بالدرجة
نفسها، وتصبح
التنوعات
المذهبية
والدينية
والعرقية
عوامل لتمتين
النسيج
الاجتماعي
واللحمة
الاجتماعية.
لا نجد في
عالمنا دولة
ينتمي جميع
سكانها للإثنية
نفسها
والقومية
نفسها والدين
أو الطائفة نفسها
ويتكلمون
اللغة نفسها
فذلك مستحيل
في حيز الواقع
(ولو شاء ربك
لجعل الناس
أمة واحدة ولا
يزالون
مختلفين) (هود:
118)،
فالتنوع إذن
قائم في جميع
دول العالم،
ولأن الأمر
كذلك تمسكت
الدولة
الحديثة
بمرجعية (المواطنة)
لأنها وحدها
القادرة على
تحقيق
الانتماء
المتماثل
لجميع سكانها
وتقديم
الحقوق نفسها
وتحديد
الواجبات
نفسها لهؤلاء
السكان مهما
كانت
انتماءاتهم الإثنية
أو المذهبية،
ولذلك ضعفت أو
تلاشت أهمية
الأكثرية أو
الأقلية خارج
إطار
الاعتبارات
السياسية لأن
الأقلية أو الأكثرية
السياسية لا
تبيح منح حقوق
إضافية أو منع
الحصول على
حقوق متساوية
بين أبناء الوطن
الواحد بل على
العكس توفر
للمواطنين
على اختلاف
مشاربهم
المناخ
الملائم
لحصولهم على
حقوقهم
وتعتني بكل إثنية أو
طائفة بما
يؤهلها لنيل
هذه الحقوق
والقيام
بالواجبات
تجاه الوطن
والدولة،
ويشعر الجميع
عندها
بانتمائهم
ويفخرون بهذا
الانتماء
الذي يستظلون
بظله.
إن الواقع ليس
كذلك في معظم
الدول
العربية، فمازالت
المفاهيم
السياسية
ومفاهيم
الانتماء
الوطني تمر
عبر مرجعيات
أخرى غير
المواطنة،
مرجعيات ما
قبل الدولة
الحديثة،
أعني المفاهيم
الطائفية والإثنية
والإقليمية
وغيرها،
وينتج عن هذا
تعبيرات
جديدة
للأقلية
والأكثرية
تعتمد على هذه
المفاهيم
بالدرجة
الأولى، ويمر
انتماء
المواطن
لوطنه أولاً
عبر الطائفة
أو الإثنية
ويتراجع
مفهوم
المواطنة
ومرجعية
المواطنة إلى
الدرجة
الثانية
والثالثة
أحياناً،
ويتحول
التنوع إلى
تنافر
والعدالة إلى
امتيازات
تخدم أبناء
فئة بعينها
دون أبناء
الوطن جميعهم
وكذلك أمر
المساواة،
وفي النهاية
تصبح الدولة
دولة طوائف أو
قوميات لا
دولة مواطنين
متساوين،
وتتعمق
الخلافات بين
هذه المجموعات
على حساب
الوطن فكل
منها يعمل
ليهيمن عليه.
وإذا كان
المنتمون
لبعض هذه
الفئات أقل من
المنتمين
للفئات
الأخرى (أقلية
وأكثرية)
يتعذر العدل
والمساواة
لأن الأقلية
والأكثرية هنا
ليست سياسية
كما أنها ليست
متحولة،
ولأن
المرجعية
ليست واحدة
وموحدة فإنها
تنتج اللامساواة
والتناقض
وهضم الحقوق
مما قد يوصل
للتمرد
والحروب
الأهلية
وينفي العدل
الذي أكدته الأديان
السماوية
ووضعته على
رأس
أولوياتها وخاصة
الدين
الإسلامي
الحنيف،
وتتحول الدولة
بالمحصلة إلى
مجموعة من
أتباع
الطوائف والمذاهب
والإثنيات
والثقافات
التي يصعب
انصهارها في
بوتقة واحدة
هي بوتقة
الوطن.
مازالت
مرجعية
المواطنة
العربية غير
ذات أولوية أو
غير معمول بها
بشكل كامل
وبما يتبعها
من مفاهيم على
رأسها الحرية
والعدالة
والمساواة
وتكافؤ
الفرص، وبدلاً
من أن يتحد
المواطنون
حول مواطنتهم
ويكون ولاؤهم
الأول
والأساس
للوطن،
يصبحون
مواطنين غير
مباشرين
ويتلمسون
مواطنتهم من خلال
انتماءاتهم
الأخرى التي
تتحول إلى كيانات
شبه مستقلة
تأكل مرجعية
المواطنة
لتؤسس مرجعيتها
هي. ونلاحظ
ذلك يومياً
بما يجري في العراق
وفي لبنان
(طائفياً) وفي
السودان وفي
بعض بلدان
المغرب
العربي (إثنياً)
وأخيراً ما
جرى في
الإسكندرية
قبل أيام، حتى
يكاد المرء يخال
أن بعض دولنا
العربية تقوم
على اتحاد بين
فئات لا بين
جموع
مواطنيها.
إن عدم تحول
كثير من الدول
العربية إلى
دول حديثة في
بناها
ومفاهيمها
ومرجعياتها
وأشكال انتمائها
وأساليب
عيشها
والعلاقة بين
مواطنيها ترك
مجالاً
لتفعيل
المفاهيم
القديمة ،مفاهيم
العصور الوسطى
على مختلف
تنوعاتها،
ولم يتح فرصة
كافية لتقوم
الدولة
الحديثة بمهماتها
وتبني نفسها
بناء متيناً
يعتمد على مرجعية
المواطنة
كمرجعية
وحيدة قادرة
على تحقيق هذه
المفاهيم،
وإيجاد
المناخ
المناسب لرفع
التمييز
والظلم عن أي
فئة مهما كانت
صغيرة وتحويل
التنوع
الديني
والعرقي
والثقافي إلى
مصدر غنى
للمجتمع والدولة
وتنويع
النسيج
الاجتماعي
ووسيلة لمحاربة
الظلم واللامساواة
وعدم السماح
لهذه الفئة أو
تلك بالحصول
على امتيازات
من دون حق مما
يزيد
الاحتقان
والتربص
والشعور
بالظلم
ويخلخل رابط
الانتماء الوطني،
ويجعل كل فئة
ترى الآخر
مكتملاً في
الفئة الأخرى
أي ترى فيه
مشروع عدو.
إذا امتلكنا
شيئاً من
الشجاعة فلا
بدأن نرى النار
تحت الرماد في
معظم
مجتمعاتنا
العربية، وأن
نخشى مخاطر الانفجارات
التي تحدث هنا
وهناك صغيرة
أم كبيرة،
ونبتعد عن
معالجتها
بالتسويات والترقيعات
والإجراءات
الطارئة مما
لا يساعد على
إطفائها كما
يحدث حالياً
في الغالب،
بل نعمل بدأب
لحل هذه
الاحتقانات
والتناقضات
بالعودة
لتطبيق
المرجعية
الأساس
للدولة الحديثة
أي مرجعية
المواطنة،
والتمسك بها
ونعتبر
التنوعات
المذهبية والإثنية
واللغوية
عوامل قوة
للدولة لا يجب
أن يوضع بعضها
بمواجهة
البعض الآخر
لأن ذلك لا
يضعف الدولة فقط
بل يؤدي إلى
انهيارها (وهل
نسينا سقوط
غرناطة؟).
توجد في جميع
بلدان العالم
مثل هذه
التنوعات ولكن
الأمراض
الناجمة عنها
توجد غالباً
لدى المتخلف
منها فقط ولا
تشكو فئة في
الدول المتقدمة
من هضم حقوقها
ويعرف كل
مواطن حقوقه
وواجباته
وحقوق الآخر
وواجباته ولن
يخطر لأحد أنه
مميز عن أحد
وإلا لفظه
المجتمع وعزله
وأشار بصراحة
لشذوذه
ومخالفته
لمبادئ التسامح
والسلم
الاجتماعي
والعدالة
والمساواة.
لعل
مجتمعاتنا
بحاجة ماسة
لفهم حقيقة
الولاء والبراء
بما يتلاءم مع
صحيح الدين
وروحه وإلا
فإننا ندمر
أنفسنا
بأنفسنا ولا
أظن أن الترقيع
والقبل
المتبادلة
والحديث عن
التسامح
والأخوة يحل
مشكلة معقدة
كالتي
نواجهها.